أكد سماحة علي الهاشمي المستشار للشؤون الدينية والقضائية في قصر الرئاسة أن الإسلام الحنيف نظم حياة المسلم كلها وربط شخصيته بالله تعالى وجعل منه إنسانا عادلا متزنا يعطي في غير مقابل حتى يرقى إلى درجة الإحسان.
وأشار إلى أن عقل المسلم وقلبه يلتقيان على عبادة الله عز وجل وتتضافر إرادة المسلمين على عمران الدنيا وإنشاء الحضارة فيها تبعا للإرشاد الإلهي الذي يزود النفس البشرية بالطمأنينة النفسية والراحة القلبية ويبعد عنها هاجس الخوف وتوجس الشر من الآخرين.
جاء ذلك في المحاضرة التي نظمتها الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في المجمع الثقافي الليلة قبل الماضية بأبوظبي بحضور عدد من أصحاب الفضيلة العلماء ضيوف صاحب السمو رئيس الدولة ومحمد عبيد المزروعي مدير المساجد في الهيئة وعدد من سفراء الدول المعتمدين لدى الدولة وجمع غفير من أئمة وخطباء المساجد.
وقدم الهاشمي خلال محاضرته نماذج من أقوال المستشرقين الذين أنصفوا المسلمين وحضارتهم ومثال ذلك »وليامز« الذي وصف الحضارة الإسلامية أنها متكاملة في ذاتها لان طرازها اتخذ صورة من الفاعلية الخلقية لإجماع المسلمين على عقيدتهم ويتجلى في نظمهم تلك السمات المميزة لعقيدتهم وهي أول حضارة تتميز بالوحدانية المطلقة في العقيدة.
وقول المستشرق جب في كتابه »الاتجاهات الحديثة في الإسلام« أعتقد أنه من المتفق عليه أن الملاحظات التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية العالمية مساعدة مادية ملموسة وقد وصل المنهج التجريبي إلى أوروبا في العصور الوسطى.
وأشار إلى أن الإسلام حرم وأد البنات وكل ما يؤثر في الصلات الاقتصادية وحرم الخمر وكل ما يؤثر في عقل الإنسان وفي جسمه مشيراً إلى أن خطأ الحضارات المادية كان بسبب تركيزها على تضخيم الحياة المادية دون أن تعير الجانب المعنوي والخلقي اي اهتمام بل رأت أن القيم الخلقية شيء نسبي ليس له تأثير في معترك الحياة حيث يختص برجال الدين الذين ليس له شان في الحياة العامة.
وأوضح أن النتيجة لهذه الحضارة »المادية« خير شاهد للعيان وهي غير قادرة على وقف حركات الانتحار والجرائم المتفشية ولم تستطع أن تخفف من السآمة التي تفتك بالإنسان في مجتمعات غربية كثيرة موضحا أن الصينيين والمصريين القدماء والهنود والفرس والإغريق في دور مثمر في حضاراتهم إلا أنهم لم يقتربوا من الدور الأساسي لأنهم كانوا يقتربون من الدين تارة ويبتعدون في كثير أخرى.
وأكد مستشار رئيس الدولة أن الحضارة الإسلامية تقوم على أساس أن الإنسانية قاسم مشترك لبناء وفاعلية تقدم الإنسانية في مختلف مراحلها واستشهد بعدد من الآيات القرآنية التي تؤكد على الانتماء الإنساني الواحد لبني البشر جميعا استشهادا بقوله تعالى »يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا«.
وأشار إلى أن القرآن الكريم يقدم عوامل الوحدة الإنسانية على عامل التفرقة الدينية امتثالا لقوله تعالى »يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم«.
وأكد أن الحضارة الإسلامية حضارة لا تعرف الاندثار لان الإسلام غير مجرى المفاهيم المتصلة بالإنسان وبالحرية والحقوق والواجبات وبصلة الإنسان بأخيه الإنسان وصلته بالخالق والفرد والمجتمع وتقدير المرأة كونها شريكا أساسيا في بناء المجتمع والحياة الإنسانية.
وأوضح أن حضارة الإسلام غيرت النظرة إلى عقل الإنسان وفكره فلقد كان الإنسان »في التصورات الدينية القديمة« يعبد مظاهر الكون ويخاف من ظواهر الطبيعة وفي ظل ذلك الخوف لم يكن ممكنا له تسخير الكون وجعله مادة للبحث العلمي الفيزيائي والجيولوجي والبيولوجي أي قابلا للتشريح ومذللا مسخرا للإنسان وليس إلها أو معبودا للإنسان.
وقال ان عقيدة التوحيد هي التي مكنت الإنسان المسلم من فتح آفاق واسعة بما أمرته من النظر في الكون والسير والضرب في أرجاء الأرض، مشيراً إلى أن إسهام المسلمين في الحضارة الإنسانية فريد من حيث أنها أنشأت نظاما قائما على المبادئ القائمة على الحق والعدل والفكر القائم على الدين والعقيدة والتفاضل بين البشر بالتقوى.
وعزا الهاشمي التراجع الإسلامي للظروف الاستعمارية التي تعرضت لها أوطانهم، مشيراً إلى أن أبناء الإسلام قادرون على ارتياد آفاق الكون والحضارة الإسلامية تؤمن بالقيم وقداسة الروح التي نفخها الله عز وجل في خلقه.
واستشهد ببعض المواثيق التي أبرمها الرسول محمد عليه السلام مع اليهود في يثرب وقال هذا إسهام كبير من المسلمين في مفهوم المعاهدات والمواثيق الدولية، مشيراً إلى أن الإسلام لا يقوم على الانتماء للجنس أو العرق أو ملة دون غيرها وإنما هو دستور حياه لجميع البشر يقوم على العدل والوسطية والرحمة والخير وحب الجميع.
وأوضح أن بعض هذه المفاهيم غائب عن الحضارة الغربية المعاصرة في وقت تتعالى فيه صيحات راشدة محذرة من مآل البشرية في عالم يموج بالماديات وقال إن من بين من أطلقوا نداءات التحذير أستاذ التربية الأميركي ليوند مينون »لقد حققنا في خلال العقود الثلاثة الماضية للبشرية ما لم تحققه ثلاثة قرون فغزونا الفضاء وفجرنا الذرة واجتزنا المسافات كل ذلك من أجل الإنسان... لكننا اكتشفنا بعد ذلك أننا نسينا الإنسان ذاته«.
وأكد مستشار رئيس الدولة أن الشريعة الإسلامية بلا منازع جاءت بمنهج شامل ومتكامل تجسد في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم جميعا من خلال تزكية الغير على النفس بهدف إسعاد البشرية جمعاء.
وقال لقد أسهمت أمتنا الإسلامية من منطلق رسالتها الحضارية في عالم الفكر والمعرفة وكافة العلوم من خلال منهجية متكاملة في كافة أنواع العلوم وهي التي استند عليها الغرب في دنيا الالكترونيات والهندسة الوراثية ودنيا الاتصالات والمعلومات وغزو الفضاء وعلوم الطب والكيمياء والعمارة وتخطيط المدن.
واختتم الهاشمي محاضرته بالتأكيد على أن الحضارة الإسلامية ونصوص الشريعة الإسلامية جاءت لتؤسس في الفرد وعيا حضاريا شاملا وإعدادا متكاملا لمهمته في الإصلاح والتغير مع الاعتناء بكل جوانب حياته الخاصة والعامة الباطنة والظاهرة كنصوص التوبة والإخلاص والصدق مع الله ومحاسبة النفس ومراقبتها والاستقامة والمجاهرة والأعمال الصالحة ومنها ستر العورات وقضاء حوائج الناس والإحسان للجيران وتهذيب الأبناء ناصحا بقراءة كتاب علوم الدين لحجة الإسلام الإمام أبي حامد محمد الغزالي.
إضاءة
الحضارة الإسلامية حضارة لا تعرف الاندثار لان الإسلام غير مجرى المفاهيم المتصلة بالإنسان وبالحرية والحقوق والواجبات وبصلة الإنسان بأخيه الإنسان وصلته بالخالق والفرد والمجتمع ويقدر المرأة كونها شريكا أساسيا في بناء المجتمع والحياة الإنسانية والمسلمون هم أول من احترموا المواثيق الدولية والتفاضل بينهم على أساس التقوى.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري