لم ينجح الزمن بطي الصفحات.. ولم تسقط اللحظات الجميلة من الذاكرة بفعل التقادم.. دون مقدمات استعادوا لحظات هاربة منذ زمن، واضطجعوا لساعات قليلة على شاطئ الحنين، كغزلان فقدت المرعى ذات يوم، ثم عادت ووجدته...
نسوا لساعات طلبات الأولاد والزوجات التي لا تنتهي، ومشاكل العمل والحياة التي لا حدود لها، تجاهلوا عن عمد التيجان البيضاء التي أضحت تجلل الرؤوس، أو ذاك الشعر الذي نحت منذ فترة ليست بالقصيرة.. والقوا بأنفسهم في أمواج ناعمة من حكايات قديمة يفوح منها الحب وأريج الشقاوة.
ومزيج من الرهبة والاحترام للمعلمين الذين دخلوا الفصل الدراسي فجأة، هذا المزيج الذي بقي حاضرا عندما ولج هؤلاء المعلمون في جلسة رمضانية إلى منزل الدكتور «عقيل هادي» المستشار الاقتصادي والمالي لبلدية دبي صاحب المبادرة وللمرة الثانية بجمع زملائه خريجي دفعة عام 1973 من مدرسة دبي الثانوية ومعلميهم، في خطوة كان الوفاء ، والوفاء فقط الدافع إليها ...
الدكتور عقيل هادي (صاحب المبادرة) قال بان الإعداد لهذا اللقاء الذي شهد نادي بلدية دبي خلال شهر ابريل الماضي بدايته، استمر ما يزيد عن العام الكامل من البحث والتنقيب، حيث كانت نقطة البداية صورة فوتوغرافية جماعية بحوزته كانت قد أخذت أيام الدراسة، مشيرا إلا أن البحث تطور للاستعانة بأرشيف وزارة التربية والتعليم، ومنطقة دبي التعليمية للوصول إلى زملاء الدراسة في دفعة العام 1973 الذين انقطعت أخبار الكثير منهم، موضحا بان هذه الجهود أسفرت عن الوصول إلى 60 من أصل 80 زميلا منهم.
وأوضح الدكتور هادي أن بعضا من هؤلاء الزملاء كان يلتقي ولأول مرة منذ 33 عاما ، مضيفا بان طلبة الأمس يعملون حاليا في مجالات مختلفة، منهم أستاذ الجامعة ، ورجل الأعمال، والمهندس، والطبيب، بل أن عددا منهم تبوأ مراكز وظيفية هامة.
وأكد الدكتور عقيل هادي أن الخطوة المقبلة التي يعمل على انجازها حاليا تستهدف جمع زملاء الدراسة في ثانوية دبي خلال الأعوام 1972، و1973، و1974.
تواصل
احمد الشريف مدير منطقة الفجيرة الطبية قال بان اللقاء بزملاء الأمس وبداية الشباب أتاح لهم جميعا فرصة الإطلالة على التطورات التي طرأت على كل واحد منهم، خاصة وان تعقيدات الحياة والاستغراق بتفاصيل العمل اليومية لم تسمح بالتواصل بين كثير منهم..
الشريف أكد بأن هذا اللقاء كان استراحة جميلة للجميع لاستعادة الذكريات الكثيرة التي دفعها الزمن إلى زوايا بعيدة من الذاكرة، مشيرا إلى انه تم الاتفاق على إنشاء صندوق خاص بالخريجين لمواصلة دعم مثل هذه اللقاءات.
أصالة
عبد الرحمن زينل أشار إلى أن ما يجب أن يقال بهذه المناسبة أن القديم كان يحمل الكثير من البساطة والأصالة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكا، كما كانت العلاقة بين المعلم والطالب غير ما هي عليه الآن، مشيرا إلى انه وعلى الرغم من الحزم الكبير الذي كان المعلمون يبدونه تجاه الطلاب في تدريس المواد الدراسية المختلفة إلا أن روح المحبة والأبوة من جهة المعلم تجاه الطالب كانت هي السائدة، كما كان الاحترام هو السلوك الوحيد الذي يحمله الطالب لمعلمه.
أشجان
المهندس عبدالله الغيث أكد بأن اللقاء مع زملاء الدراسة بعد هذه الفترة الطويلة التي تجاوزت الـ 30 عاما يثير في النفس الكثير من الأشجان، كما يحمل إلى النفس الكثير الكثير من الذكريات الجميلة التي أعادت الألق إلى الروح قبل الجسد.
مبادرة
عبد الرحمن المطيوعي مدير غرفة تجارة وصناعة دبي شكر في بداية حديثه الدكتور «عقيل هادي» صاحب المبادرة الكريمة بجمع الزملاء، وقال بان هذا اللقاء أثار في قلوب الجميع الحنين إلى وقائع الماضي الجميلة، عبر لقاء الزملاء ورفاق الدرب الذي يحمل لهم مشاعر ود عميقة، مضيفا بان الاستجابة الواسعة من الجميع لتلبية الدعوة تدل على عمق الأخوة، والصداقة المتينة التي لم تنجح شقة البعد وعدم وجود فرصة للقاء في إضعافها.
وأكد بأن ما يثلج صدره بأن غالبية الزملاء خريجي دفعة عام 1973 من مدرسة دبي الثانوية كان لهم دور أساسي في بناء نهضة دبي، حيث تبوأ العديد منهم مناصب هامة أسهموا من خلالها في دفع عجلة التنمية في الإمارة.
وأضاف بأن مدرسيهم كانوا قمة في الإخلاص في تقديم الدروس لهم، كما كان جيلهم على أهبة الاستعداد لتلقي المعلومة وفق طقوس الاحترام المتكامل للمعلمين.
وحول الذكريات الجميلة التي لازالت عالقة في ذاكرته، قال المطيوعي بأنه لن ينسى ذاك اليوم الذي علّق الطلاب أحذيتهم في المراوح كنوع من الاحتجاج على الطريقة التي وزعت عليه بها هذه الأحذية دون أي اعتبار للمقاسات المختلفة، مشيرا إلى أن هذا الاحتجاج توقف عقب معرفة الإدارة للطلاب المسؤولين، مشيرا إلى أن العقوبة لم تنجح في دفن الضحكات البريئة النابعة من قلوب الطلاب الغضة على منظر الأحذية المربوطة في المراوح.
وفاء
الدكتور يوسف صالح الفقيه أستاذ اللغة الانجليزية في مدرسة دبي الثانوية عام 1973 قال بأن هذه المناسبة تعيده ل35 عاما إلى الوراء عند ما حظي بتدريس هؤلاء الشباب الذين كانوا متعطشين للعلم، الأمر الذي حفز المعلمين لتقديم أفضل ما لديهم، وبالتالي نيل الكثير من التقدير من هؤلاء الطلاب الذين كانوا أوفياء لهذه الجهود .
تقدير
وقال سعد عبد الجواد أستاذ مادة الرياضيات في تلك الفترة والذي عين مدرسا في ثانوية دبي في العام 1969، بأنه يشعر بالفخر وهو يرى طلابه وقد وصلوا إلى ارفع المراتب، كما يشعر بالاعتزاز وهو يحظى بتقديرهم بعد كل هذه الأعوام في هذا اللقاء الذي أعادهم مدرسين من جديد لطلاب كان النجاح عنوانهم.
فاروق راشد أستاذ اللغة العربية في المدرسة، والذي لم تنجح السنين في قهره قال بأن الامتنان كبير لصاحب هذه المبادرة الدكتور عقيل هادي والتي أتاحت للجميع لقاء الجميع الذين تربطهم علاقات المودة والحب، وروح الزمالة ، حيث استعادوا ذكريات الماضي الجميل بقيمه وطقوسه التي كانت البساطة عنوانها، مؤكدا بأن الاستجابة لتلبية الدعوة من الجميع تأكيد على أن القيم المادية الناجمة عن التطور وتعقيد الحياة الاجتماعية لم ينجحا في دحر الأصيل والجميل من النفوس.
عبد المجيد الزرعوني وجه الشكر لصاحب المبادرة، وللأساتذة الذين زرعوا في نفسه حب العلم ، وخدمة الوطن، مشيرا إلى أن صدقهم في عواطفهم وجهودهم كان واضحا عندما حضروا إلى البلاد وقدموا جهودهم في الوقت الذي لم تكن فيه الدولة قد شهدت الطفرة النفطية والاقتصادية ، أي أن عملهم كان دون طمع بأي امتيازات، ما يؤكد صدقهم.
المهندس منذر زهدي عزام قال بأن اللقاء يعيد نثر عبق الماضي الجميل في النفوس، كما انه كان فرصة لاستعادة العلاقات الجميلة التي كانت البراءة نسيجها.
وتأكد للجميع أن اللحظات الجميلة تمضي بسرعة عندما انسل الوقت من بين الأصابع، وأدركوا أنهم يجب أن يغادروا ضفاف الحلم، والعودة مرة أخرى إلى مواقع الحلم بالضفاف الجميلة .. وبدأت لحظات مضمخة بشحنات عاطفية كبيرة، وخاصة لدى وداع الطلاب الكبار لأساتذتهم الذين تحامل بعضهم على نفسه بفعل الزمن ووقف كما كان شامخا ذات يوم لوداع أبنائه الذين تحولوا إلى آباء بدورهم.
تغطية: خالد اللوباني
