يعتبر المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة من أقدم المجالس الوطنية على مستوى دول مجلس التعاون، حيث تأسس سنة 1971 وعقد جلسته الأولى في الثالث عشر من فبراير 1972. وعلى امتداد هذه الفترة الزمنية كان المجلس لبنة أساسية في البناء الوطني وتدعيم ركائز المسيرة الاتحادية وفقا لأحكام الدستور.

وقد جاء خطاب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في الثاني من ديسمبر 2005 بمناسبة العيد الوطني، بالجمع بين التعيين والانتخاب لأعضاء المجلس مناصفة، ليطلق حوارا وطنيا يتوقع له أن يعطي دفعا لدور المجلس الوطني في إطار مرحلة جديدة من التطوير وتفعيل المشاركة الشعبية.

وجاء قرار صاحب السمو رئيس الدولة في أغسطس الماضي بشأن تحديد طريقة اختيار ممثلي إمارات الدولة في المجلس ليكمل وضع الأسس لبناء هذه المرحلة التي يتوقع لها أن تفرز تفاعلا وطنيا سينعكس في التنمية السياسية لدولة الإمارات.

ولأهمية هذه التطورات على الساحة الوطنية، نظمت وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» ندوة بعنوان «المجلس الوطني الاتحادي.. دروس التجربة وآفاق المرحلة المقبلة» ترأسها الدكتور محمد عبد الله المطوع، رئيس وحدة الدراسات، ودعيت إليها نخبة من المعنيين والمختصين والشخصيات الوطنية لمناقشة التجربة السابقة للمجلس وآفاق المرحلة الحالية وتحديات التجربة الانتخابية.

وفيما يلي ننشر الحلقة الأولى من الندوة:

بدأ د. محمد عبد الله المطوع الكلام فرحب بالمشاركين وأكد على أهمية نقاش تطورات المجلس الوطني الاتحادي وحيويته في هذه المرحلة. وقال: أعتقد أن دولة الإمارات العربية المتحدة خاصة بعد القرار الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في عام 2005 في ما يتعلق بالمشاركة السياسية تشهد نقلة نوعية في تجربة التنمية السياسية.

آخذين بعين الاعتبار أنه خلال الـــ35 سنة الماضية تم التركيز أكثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن تبدو المرحلة الحالية وخاصة مع الرعيل الثاني من قيادات دولة الإمارات العربية المتحدة أنها تسير باتجاه التركيز على دور المواطنين في ترسيخ التنمية السياسية.

وكان هذا الموضوع على بساط البحث قبل سنوات حين قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بطرح موضوع انتخاب مجالس البلديات.

ما يهمنا قوله في هذه الفترة إننا نمر في مرحلة تحول قد تتطلب خطوات أو سنوات عدة للوصول إلى ما نصبو إليه وهو المشاركة السياسية المباشرة تماما. ومما لا شك فيه أننا سنستفيد من تجربة شعوب المنطقة في الدول الشقيقة كالكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان، وهذه التجربة الأخيرة اعتقد أنها الأقرب إلينا لناحية عملية التدرج في الانتقال بسلاسة من مرحلة إلى أخرى ومحاولة تلافي كل الأخطاء التي وقعت فيها المنطقة فيما يتعلق بالتنمية السياسية والمشاركة السياسية.

لنبدأ الحوار بإعطاء صورة مختصرة عن دور المجلس الوطني منذ تأسيس الدولة الاتحادية حتى المرحلة الحالية في ترسيخ المشاركة الشعبية بشكل من الأشكال ضمن معطيات المرحلة السابقة. واعتقد أن أحمد سيف بالحصا ممن ساهموا في تلك المرحلة ولديه الكثير من المعلومات التي من الممكن أن يستفيد منها القارئ وأن تقوم بتوعية المواطنين بأهمية المجلس الوطني والمراحل التي مر بها.

د. أحمد سيف بالحصا: بشكل موجز، المجلس الوطني الاتحادي الذي تم تشكيله استنادا إلى مواد الدستور في بداية عهد الاتحاد كان تجربة رائدة في ذاك الوقت في هذه المنطقة، واعتقد أن دولة الإمارات بدأت في التجربة الديمقراطية في حدود الممكن في ذلك الوقت مع تشكيل الدولة الاتحادية نفسها بعد الاستقلال من العهد البريطاني.

وكانت التجربة مستندة على أساس انه لدينا دستور مؤقت لمدة خمس سنوات، وبالتالي عملية الدخول في تجربة تشكيل المجلس الوطني الاتحادي هي لخمس سنوات ثم يعاد النظر فيها مثلها مثل باقي مواد الدستور. ولكن الحقيقة ولظروف مختلفة ومتعددة استمر الحال كما هو عليه إلى هذا الوقت.

في تلك الفترة كانت تعتبر تجربة متقدمة خاصة مع بداية تكوين الاتحاد، حيث أصبح المجلس الوطني احد المؤسسات الدستورية الرئيسية في الدولة وساهم مساهمات كبيرة جدا في بلورة المشروع الاتحادي والدولة الاتحادية، واعتقد انه أعطى مفهوما جيدا لدولة الإمارات وحافظ على كيانها وساهم في دعم قراراتها السياسية بشكل جيد وربط المنطقة من خلال المساهمات التي تقدم بها على أساس انه يوجد مؤسسة تمثل الاتحاد على المستوى الاتحادي بشكل جيد بالإضافة إلى المؤسسات الدستورية الأخرى، وهذه المرحلة امتدت إلى أواخر عام 1978.

ومع بداية عام 1979 كان هناك تململ باتجاه إعادة النظر في هذه التجربة، وأذكر انه نتج عن هذا التململ مذكرتان، مذكرة على المستوى الرسمي كانت مصاغة من المجلس الوطني الاتحادي ومجلس الوزراء تطالب بإعادة النظر في مواد الدستور والتجربة الاتحادية، وكذلك مذكرة من المجتمع المدني رفعت كذلك إلى قيادة الدولة في ذلك الوقت برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. كانت هناك مطالبة بضرورة إعادة النظر في هذه التجربة، لكن المطالب لم ينظر فيها.

وتولى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، رئاسة مجلس الوزراء في ذلك الوقت، وبدأ بوضع برامج للتنمية في مختلف الإمارات، وجرى الاكتفاء بالتنمية الحضرية أكثر من التنمية الاجتماعية أو السياسية، والتركيز على المشاريع الإنشائية في المباني والسكن والمدارس والمستشفيات وغيرها.

استمرت هذه التجربة إلى عام 1985، ومنذ ذلك الوقت إلى عام 2006 أتصور أننا مررنا بفترة جمود سياسي، باستثناء القرار الذي صدر في آخر عام 2005 بالعملية الانتخابية المقننة المطروحة أمامنا اليوم كتجربة جديدة.

دستور الدولة أشار في ذلك الوقت إلى أنه من حق أي إمارة من إمارات الدولة أن تختار الأعضاء بالطريقة التي تراها مناسبة ضمن العدد المحدد لها. وبالتالي، لم يحدد الدستور الكيفية بالضبط وكانت العملية مفتوحة وكان ممكنا أن تتم عملية الانتخابات حتى على مستوى الإمارة لأن الدستور أعطى الحق لكل حاكم إمارة أن يختار الطريقة التي يراها في عملية اختيار الأعضاء، إلا أنه لم تكن هناك مبادرات من هذا النوع.

أتت المبادرة من أعلى من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتحريك الأوضاع. واعتبر أن هذه المبادرة جاءت بهدف تطوير الأوضاع.

وأكتفي بالقول إن المجلس الوطني الاتحادي ساهم مساهمة كبيرة منذ تأسيسه حتى عام 1985 بشكل جيد، لكن وبالرغم من محدودية السقف الذي أعطي للمجلس الوطني كمساهمة في القرار السياسي إلا أنه كذلك حتى على مستوى الصلاحيات المعطاة إليه، شهدنا تراجعا في أواخر عام 1986 بشكل كبير جداً.

ما كان يطرح في المجلس الوطني هو في إطار الدستور، إلا أن الوضع العام لم يكن متقبلا لتلك الطروحات في ذلك الوقت، وبالتالي، تمثل هذه المرحلة والفترة الماضية فترة تراجع كبيرة جدا وقد ترتب عليها بعد ذلك جمود سياسي، حتى تولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، زمام الحكم في الدولة في عام 2005، وأتصور أن هذه المرحلة بادئة مع هذا التحرك.

د. عائشة النعيمي: نشكر صحيفة «البيان» على مبادرتها لطرح موضوع مهم جداً يقبل عليه المجتمع والدولة في الإمارات. اتفق مع ما طرحه الدكتور بالحصا تماما حول مسألة الجمود السياسي التي مرت بها الإمارات، واعتقد أننا تأخرنا كثيرا مقارنة بالمحيط الإقليمي ناهيك عن المحيط العربي والدولي.

وأرى انه لا يمكن أن نتحدث عن مشاركة شعبية من دون وجود مجتمع مدني أصلا. وفي الحقيقة كان هناك فصل كبير بل شبه عزلة ما بين المجلس الوطني والمجتمع المدني في الإمارات في المرحلة السابقة، بدليل أنه حتى المواطن العادي لم يتلمس دور المجلس الوطني وفي أغلب الأحيان كان هذا الدور مغيبا ربما نتيجة لمحدودية الصلاحيات التي كانت متاحة له كتكوين بحكم علاقته بالسلطة التنفيذية، كذلك كتشريع حيث كان دوره استشاري فقط وبالتالي لم يكن له تأثير كبير في صناعة القرار السياسي.

أيضا آلية الدخول في المجلس الوطني أو عضوية المجلس الوطني، هذه الآلية كانت تتم بالتعيين وبالتالي كان هناك شبه عزلة ما بين المواطنين وأعضاء المجلس الوطني لأنهم لا يتدخلون أساسا في اختيارهم.

بالنسبة لمسألة المشاركة الشعبية أعتقد أنه إذا ما أردنا أن نتكلم عنها في هذه المرحلة الحالية فلكي نطرح الكثير من التساؤلات فيما يرتبط بكيفية تفعيلها. أعتقد أولا ان الحرص الذي تبديه الحكومة الآن في محاولة الوصول إلى صيغة اقل سلبية من حيث النتائج هو حرص مبرر، وهو حرص من وجهة نظري موضوعي وعقلاني نتيجة الكثير من المعطيات، منها ما يرتبط بالسمات الديمغرافية لمجتمع دولة الإمارات.

حيث من المفروض أن يكون هناك نوع من الضبط لعملية الدخول في مسألة الانتخابات، ومنها ما يرتبط بالتجارب الإقليمية المحيطة وهناك مجتمعات لديها نفس السمات المجتمعية والسياسية، وأيضا حداثة التجربة، كل هذه المسائل تتطلب وجود نوع من الضوابط في المرحلة الانتقالية التي نتحدث عنها.

ونحن في ظل مرحلة انتقالية بالنسبة للتجربة، اعتقد أن التقسيم الذي طرحته الحكومة يعكس رؤية واضحة حول ما يتم انجازه الآن وما يراد الوصول إليه في المستقبل. ربما هناك الكثير من الأطراف الآن غير راضيه عن محدودية الإصلاحات السياسية، فهي محدودة جدا مقارنة بالتجارب الأخرى في الدول الأخرى، لكن أعتقد أن هذه الإصلاحات المحدودة الآن تهيئ لإصلاحات جذرية في المستقبل.

على هذا الأساس اعتقد أن المحك الحقيقي لنجاح هذه التجربة هو مسألة إفرازها مشاركة شعبية حقيقية وليس تجربة تهبط بالمظلات على الناس أو أحادية الطرف بمعنى أن الحكومة تعطي تعليمات للأفراد والجماعات في المجتمع وهؤلاء يتقبلونها ويبدأون بتنفيذ الإجراءات التنظيمية بشأنها.

اعتقد ان المشاركة الشعبية يجب أن تعزز بحوار، والآن الفرصة متاحة جداً لبدء حوار وطني وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات النفع العام في صياغة مشروع وطني لقضايانا يبدأ التفاعل حوله من الآن، وتنطلق العملية الانتخابية من هذا التأسيس للحوار الوطني، لذلك، اختم بالقول إذا أردنا أن نتحدث عن تجربة المجلس الوطني ودوره في ترسيخ المشاركة الشعبية اعتقد أن المشاركة الشعبية هي التي ستؤسس لدور مستقبلي للمجلس الوطني وليس العكس.

علي جاسم: المجلس الوطني هو المؤسسة الدستورية الوطنية الوحيدة القائمة في هذه الفترة، وأتمنى أن تبقى هذه المؤسسة مؤسسة وطنية تهم المواطن ونعتز بها ونقوم بإثرائها كتجربة والأخذ بيدها وألا تطمس. تجربة المجلس الوطني محليا تجربة رائدة وناجحة على الرغم مما يقال، وإن كانت هناك سلبيات.

عربيا كان للمجلس الوطني دور كبير، فهو ثاني مجلس خليجي بعد دولة الكويت، لكن خلال السنوات الماضية ظهرت مجالس في قطر والبحرين وسلطنة عمان والسعودية ذات طابع جديد وآلية عمل تختلف عن آليات العمل والتجارب السابقة، وهؤلاء أخذوا مما وصلنا إليه وبدأوا هم مرحلة جديدة ونحن ما زلنا نسير في نفس الطريق القديم. وعربيا أيضا كان للمجلس دور في البرلمان العربي وفي اللجان المختلفة في المجال العربي.

أما على المستوى الدولي، كان المجلس الوطني مجرد مشارك في التجربة الدولية وخاصة في المجال السياسي وكان يعاني من نقص في هذا الدور لعدم وجود الثقافة السياسية بين أعضائه. كان الجميع ينظر إلى دور المجلس الوطني كموقع لمناقشة قضايا الخدمات فقط في هذه الدولة بصفة عامة، وكان دوره الدولي في إطار البرلمان الدولي واللجان المختلفة مجرد مشاركة سلبية أي مجرد حضور. وخلال السنوات الماضية ظهرت البرلمانات الإفريقية وأيضا الخليجية وأخذت زمام القيادة في لجان البرلمان الدولي.

علما أن هذه جاءت من بعدنا أي بعد 34 سنة على قيام المجلس الوطني، والمجلس الوطني ما زال يراوح في مكانه، ويمكن أنا والأخ عبد الرحمن حسن الوحيدان اللذان دخلا في لجان الإتحاد الدولي خلال ال34 سنة الماضية ولم نصل إلى مركز رئيس لجنة أو مقرر لجنة.

المشكلة في المجلس الوطني الاتحادي وجود عقدة السلطة التنفيذية المحلية. فإذا فصلنا بينها وبين الدور الوطني للمجلس الوطني كمؤسسة دستورية نصل إلى ما نريده، وإلا سيظل المجلس الوطني كما هو.

بالنسبة للدستور، شكل دستور دولة الإمارات بطريقة جيدة والمشرعون الذين وضعوا الدستور كانوا محقين لأن الهدف كان رص كيان الدولة والمحافظة على الاتحاد في بداية مراحله وهذا ما نجح فيه الدستور وكافة مؤسسات الدولة الحكومية وغير الحكومية، ولكن مع مرور هذه السنوات الطويلة كان ينبغي أن نراجع الدستور في بعض مواده التي انتهت وعفا عليها الزمن وكان من المفروض أن نتقدم بمشاريع دستورية جديدة وإجراء تعديلات على الدستور مثلما نعدل قوانيننا، مرت أكثر من خمس إلى ست تجارب دستورية لتعديل الدستور وكل هذه لم تؤخذ بطريقة صحيحة أو بجدية، ولم يطرأ تغيير على الدستور.

لائحة المجلس الوطني نفسها لم يتم تعديلها، مع العلم أن أصغر هيئة تضع لائحتها ويكون لها ممثل عنها في لجنة التشريعات ما عدا المجلس الوطني الاتحادي الذي لا يسمح له بتعديل حتى لائحته الداخلية، فكيف سيشارك مستقبلا في عملية التشريعات وتعديل القوانين!

آلية عمل المجلس بحكم الدستور هي: اطلاع، مناقشة، توصية. لكن المجلس الوطني لا يحق له أن يغير شيئا حتى في ميزانية الدولة، والأرقام توضع أمامه لمجرد الاطلاع والعلم. الاتفاقيات الدولية أيضا لا يحق للمجلس الاطلاع عليها. كذلك، عمليات التجاوز الموجودة لا ينظر فيها المجلس. أيضا هناك إلغاء لدور ديوان المحاسبة، فكيف لنا إذا أن نراجع هذه الأمور.

في الشركات هناك مثلا مراجع للحسابات يساعد صاحب الشركة في مراجعة حساباته وميزانيته وطريقة صرفه، هذه الآلية غير موجودة حتى في نظام الحسابات الختامية للدولة. هذه أمور يجب أن ننظر فيها مستقبلاً.

أيضاً لجنة التشريعات كيف تعمل؟ على سبيل المثال، قانون من 50 مادة تعدل فيه 30 مادة بموافقة الوزير من دون مناقشة. حتى بالنسبة لطريقة مناقشة القوانين، حينما يكون هناك موضوع مطروح أمام المجلس يدعي المجلس المؤسسات ذات الصلة ليأخذ رأيهم، لكن آلية عمل الحكومة تختلف عن آلية عمل المجلس. ونحن مقبلون على فترة انتخابات وضجة في البلد، ولا يوجد وعي وطني كافء.

د. عبد الرحيم الشاهين: فيما يتعلق بتجربة المجلس الوطني ودوره في تعزيز المسيرة الاتحادية في الإمارات، اعتقد أن هذه التجربة مرت في أكثر من مرحلة، ومن المفارقة أن يكون دور المجلس الوطني في مراحل البدايات الأولى لقيام الاتحاد أفضل من المراحل الأخرى.

ويمكن تقسيم هذه المراحل إلى أربع. المرحلة الأولى بدأت مع إعلان قيام الدولة عام 1971 إلى عام 1976، هذه المرحلة كما تفضل د. أحمد بالحصا كانت تجربة جديدة وساهمت في بناء الدولة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن أهم ما في هذه المرحلة أنها مرحلة شهدت تشكيل لجنة من أبناء الإمارات لوضع مشروع دستور جديد للدولة، لأن الدستور أصلا كانت مدة صلاحيته خمس سنوات على أن يتم وضع مشروع دستور جديد خلال المرحلة الانتقالية، وبالفعل ورغما عن المعوقات الكثيرة التي شهدتها تلك الفترة، تم وضع هذا المشروع.

الآن حين نتحدث عن دور المجلس الوطني في المسيرة الاتحادية، ونأتي على ذكر اللجنة التي تم تشكيلها وأنها وضعت خطوة متقدمة جدا في الخمس السنوات الأولى من عمر الدولة، فلأننا نتكلم الآن عن أمور يمكن أن تكون وضعتها اللجنة في عام 1975 وكانت أفضل من الوضع الحالي الموجود. ومع الأسف تعرقل هذا المشروع لأسباب عديدة ولم يتم الاتفاق عليه، الأمر الذي استدعى التجديد للدستور خمس سنوات أخرى.

وهنا تأتي المرحلة الثانية والتي اعتقد أنها لا تقل أهمية عن الأولى، لأن المرحلة الثانية هي التي شهدت وضع مشروع المذكرة المشتركة التي رفعت من قبل مجلس الوزراء والمجلس الوطني، هذه المذكرة المشتركة تكلمت عن كل قضايا العمل الوطني ومن ضمنها مشروع الدستور. الغريب أنه من يقرأ المذكرة اليوم وكأنه يعيش عام 1979.

كل القضايا التي تكلمت عنها المذكرة المشتركة في عام 1979 ما زالت قائمة. نحن في عام 1979 تكلمنا عن دستور جديد وعن إصلاحات جديدة للمجلس الوطني، ونحن الآن نتكلم وكأننا نخطو الخطوة الأولى.

الأمر الآخر، الدستور نفسه حدد التجربة بمدة خمس سنوات نحو إقامة حكم ديمقراطي متكامل الأركان في دولة الإمارات، إلا أننا نرانا بعد 35 سنة نسأل من أين نبدأ؟

د. محمد المطوع: الرؤية واضحة تماما، وتتركز على الشكل التالي، نحن لا ننسى أننا دولة فيدرالية أي اتحاد إمارات، لسنا مثل دول خليجية أخرى كالكويت أو البحرين أو قطر أو سلطنة عمان. نحن لدينا دولة مركبة. ثانيا، نحن يجب أن نستفيد من كل التجارب التي مرت بها الدول الأخرى، ثالثا.

هناك رؤية واضحة تماما عندما يصدر المرسوم من صاحب السمو بسنة 2005 لتطوير المشاركة السياسية، ونحن لا نستطيع أن نبدأ بقفزات، هنا لا بد أن نأخذ الأمور بالتدريج آخذين بعين الاعتبار التركيبة السياسية لدولة الإمارات بكل ما تعنيه من وجود سبع إمارات.

ارتأت قيادة البلاد أن يجري العمل بالتدريج، ونحن من خلال لقاءاتنا مع وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي وضحها لنا بالشكل التالي، كل مرحلة لديها فترة زمنية معينة، ونعتقد أننا لسنا بادئين من البداية بل بالعكس استفدنا واستفادت الدولة من تجربة الــــ35 سنة.

وبالتالي فإن كل ما تفضل به الإخوان بدءا من مذكرة عام 1979 ومن ثم التجارب التي مررنا بها وعدم تفاعل الناس مع المجلس الوطني وحتى عدم أداء مؤسسات المجتمع المدني دورها كلها أمور أخذت بعين الاعتبار. وبالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني، كما تعلمون فان أغلب المثقفين لا يشاركون في جمعيات النفع العام والتي هي جزء من مؤسسات المجتمع المدني، كل هذه الجمعيات كم عدد الذين يحضرون جمعياتها العمومية.

نحن لدينا مأساة، وإذا كان بعض الناس يعتقد أن جزءا من تطوير العمل السياسي منصب على مؤسسات المجتمع المدني، فللأسف أصحاب الشأن من المثقفين حاملين راية التغير لا يؤدون دورهم في هذه المؤسسات.

د. عبد الرحيم الشاهين: يقول الأخ د. محمد المطوع إننا استفدنا من التجربة السابقة في وضع المعايير الجديدة للمرحلة القادمة.

لكننا في عام 1975 وضعنا مشروع دستور جديد للدولة، وهذا المشروع ينص على انتخابات وتغيير صلاحيات المجلس الوطني وإعادة هيكلة للسلطة الاتحادية كلها، فما هو الرابط الآن بين الدستور المقترح في عام 1975 وما بين الوضع الحالي الذي تعيشه الإمارات اليوم. أعتقد انه لم تتم الاستفادة خلال الـ 35 سنة الماضية في أن نبني على ما حصل. وهذه وجهة نظري الخاصة، لأن الكلام في عام 1975 كان لوضع مشروع دستور جديد للدولة، والكلام الآن في عام 2006 اننا نعدل على بعض مواد الدستور.

وأيضا عندما نأتي إلى المجلس الوطني، الدور الذي لعبه المجلس الوطني من عام 1971 إلى 1979 في تعزيز الانتماء والولاء للدولة كان دورا رائدا جدا، ولا يستطيع أحد ان ينكر هذا الأمر، يعني المذكرة المشتركة التي رفعت كانت تعبر عن رأي مواطنين في المجلس الوطني وفي الدولة، بعد عام 1979 في الحقيقة أصبح هناك تراجع واضح عن المرحلة السابقة.

د. محمد المطوع: لكن هل أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عام 1979 هي نفسها في الألفية الثالثة؟ حصلت تطورات كثيرة.

د. عائشة النعيمي: أنا اتفق مع الدكتور عبد الرحيم في هذه المسألة واعتقد أن المتغيرات السياسية تلعب دورا كبيرا في مسالة التراجع تلك ليس على صعيد دور المجلس الوطني وحسب بل أيضا على صعيد الإعلام وكثير من القضايا المرتبطة بالرأي العام والمشاركة. أعتقد أنه بعد عام 1979، تدخلت حتى الحرب العراقية الإيرانية بشكل كبير جدا في إعادة صياغة ترتيب البيت الداخلي بالنسبة لدول الخليج ككل، بما فيها دولة الإمارات. وهذا عامل مهم ومؤثر.

العامل الثاني اعتقد أن بنية الدولة نفسها اكتملت، بمعنى كنا في بداية المشروع الوحدوي نستقطب من كل الطاقات والإمكانيات، وكان مشروع حلم هذا المشروع الوحدوي وبناء الجيش والدستور ومؤسسات الدولة، وأعتقد انه في بداية الثمانينات اكتمل هذا المشروع وبالتالي ضوابط الدولة القانونية والتشريعية أخذت أيضا منحى آخر.

بدليل انه ليس المجلس الوطني الذي تأثر بل حتى مشروع قانون المطبوعات والنشر الذي تم تعديله في بداية الثمانينات، فعملية الضبط من قبل مؤسسات الدولة وأجهزتها أصبحت أكثر حرفية وقدرة على أن تتشكل وتعيد منظومة الأمور. كثير من المؤسسات شهدت تغييرا والمناخ العام كله في بداية الثمانينات بدأ يأخذ شكلا مختلفا قليلا نتيجة لهذه المعطيات. وهناك ردة بدون شك.

د. عبد الرحيم الشاهين: في ما يتعلق بصلاحيات المجلس الوطني كما تفضل الأخ علي جاسم، الصلاحيات نفسها محدودة سواء الصلاحيات التشريعية أو المالية أو السياسية، وهو تكلم عن الصلاحيات التشريعية، لكن حتى فيما يتعلق بالصلاحيات السياسية فهي عبارة عن مجرد حق السؤال أو طرح موضوع عام للمناقشة وليس هناك من مساءلة.

مسألة التعيين نفسها أوجدت نوعا من الانفصام بين أعضاء المجلس الوطني وبين عموم المواطنين، وأصبح المواطنون لا يشعرون بأن أعضاء المجلس الوطني يعبرون عنهم أصلا. والصلاحيات المحدودة للمجلس الوطني في الحقيقة هي التي أضعفت من دوره.