بحضور سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس نادي تراث الإمارات نظم نادي تراث الإمارات الليلة قبل الماضية محاضرة فكرية بعنوان «التعددية والتنوع في الفكر الإسلامي» قدمها رياض نعسان اغا وزير الثقافة السوري والمفكر والباحث العربي محمد طيب تيزيني بمسرح نادي تراث الإمارات بكاسر الأمواج وذلك في إطار فعاليات برنامج القرية التراثية الرمضاني الذي ينظمه النادي.

واستمع الى المحاضرة عدد كبير من رجال السلك الدبلوماسي والضيوف والإعلاميين. واستهل آغا محاضرته بالإشادة بدور صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» في دعم أواصر التعاون العربي ومد جسور الإخاء والمحبة بين الأشقاء للمحافظة على الهوية العربية وتعزيز ثقافة الإسلام مستمدا ذلك من نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» وهو الذي خط بيديه خطوط دولة التعددية القائمة على مبادئ الحريات والتكافل الاجتماعي والعطاء من أجل رفعة الإنسان.

وثمن وزير الثقافة السوري جهود سمو رئيس النادي في بناء صرح مثالي وهو نادي تراث الإمارات الذي أصبح ملتقى للثقافة العربية والعالمية ونشر التراث الوطني والإنساني. وقال ليس عجبا أن يبلغ النادي هذه المكانة الرفيعة لأنه يستمد مشروعه من جهود وفكر سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان المعروف بحبه للثقافة ودورها في تنمية الإنسان وهي التي ترتقي به وبثقافته نحو مواجهة حقيقية لمجريات العصر.

وأوضح آغا أن من يريد التعرف على حيثيات التعددية في الإسلام فحسبه ان يزور الإمارات التي تحتضن نخبا من شعوب العالم بأديانها وثقافاتها وأعراقها المختلفة وأن ثمة مدخلا رحبا لموضوع المحاضرة يكمن في تأمل حالة مهمة من التصور الإسلامي الذي يبني فلسفته وفكره على وحدانية الخالق وعبر ذلك بني مفهوما خاصا للحرية يقوم على حرية الفرد المطلقة بمقابل عبوديته المطلقة لله وحده فالكل سواء وأحرار أمام الله.

وقال بعض الفقهاء يرون أن الاختلاف هو سر الخلق وسرا من أسرار الخلق الإلهي وأن الله خلقنا شعوبا وقبائل بهدف أن نتعارف ونتفاهم. وبين المحاضر أن هناك هجمة ضخمة على الإسلام تريد أن تصوره أحاديا مع أننا نؤمن بكل الديانات التي أنزلت والإسلام وحده دون الديانات الذي يؤمن بكل الأديان وهو غير مقصور على أحد وفيه مستويات من التفاضل بلين الناس تقوم على التقوى والعلم والبذل والعطاء والجهاد.

وعبر عن أسفه لان هذه الهجمة الخارجية الشرسة على الإسلام لا تجد في مواجهتها منابر كثيرة.. ولكننا بالمقابل نعتقد أننا أصفى وأنقى من قدم رؤية عادلة للسيد المسيح عليه السلام كما نقر بأن الإسلام عظيما لأنه ضم في جنباته خير ما وجد في الديانات السابقة لذلك ترون القرآن الكريم يكاد ينوب عن كل الكتب السماوية فهو يحتوي قصصا من التوراة والإنجيل.

وعرج آغا على تنوع المذاهب في الإسلام معتبرا ذلك حالة صحية ولا يتنافى مع العقل الصحيح لان الإسلام يخاطب العاقل وفي ذلك تعددية حقيقية وهي ثراء فكري عظيم وتواصل بين المذاهب لان الهدف من الفكر الإسلامي هو تحقيق الأهداف الإنسانية والطمأنينة للفرد أولا وأخيرا.

واستشهد بذلك بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه «الناس إما أخا لك في الدين وإما نظيرا لك في الخلق» وبما قاله الله تعالى في كتابه الحكيم «من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا» وهنا تجد البعد الواسع للتعددية وهو ما يؤكد على انفتاحية الإسلام على الجميع دون استثناء.

وأشار الاغا إلى أن الغرب الجامح لا يريد أن يعترف برؤية التسامح في الإسلام لأنهم يخشون ذلك ويعمل البعض في الخفاء على تشويه كل ما هو جميل في هذا الدين العظيم ونحن بحاجة إلى مشروع عربي أصيل للوقوف في وجه الحملات الدعائية المشوهة للإسلام والرسالة ومحاولة تهميش هويتنا وإبداعنا وارتباطنا بقيمنا وأخلاقياتنا الإنسانية المثالية المتكاملة.

فيما استهل المفكر العربي محمد طيب تيزيني محاضرته باعتبار لقائه مع جمهور المحاضرة لقاء استثنائيا لأننا نعيش حالة استثنائية عربيا وعالميا.. مشيراً إلى أن العولمة هي احد أهم الأخطار التي نواجهها اليوم. وخصص حديثه حول التعددية من خلال منحى تاريخي وآخر دنيوي وبين أن الإسلام لم يأت قاطعا بل جاء متمما

وهو حالة تاريخية فقد أخذ من الأديان والحضارات السابقة ووضعها في سياق إنساني جديد للتأكيد على تعدديته فهو إذن دين متمم مكتشفا أن تاريخ البشر لا يمكن القطع معه وهذا «الموزاييك» الهائل الذي سبق الإسلام تم اكتشاف أهم وأجمل ما فيه وتم تقديمه للعالم بصورة أكثر تقدما.

وقال تيزيني الصيغة البنيوية من فكرة التعددية تكمن في تحليلنا في تكوين الإسلام ومنها نتبين انه قدم للعالم حالة جديدة فهو اقر بنظرية الحضارات واليوم نراه وقد أصبح هدفا حاسما في صراع العولمة معه الإسلام وللأسف بدأ يخترق من الخارج والداخل وأصبحنا نجد أنفسنا أمام إسلاميات متعددة لا تربط بينها روابط دقيقة.

وقال علينا أن ندرك أن صراعنا اليوم ليس صراع أفكار فقط إنما هو صراع خفي على استراتيجيات كثيرة ولهذا ندعو إلى وجود مراكز دراسات وأبحاث عربية مؤهلة لمواجهة هذا الصراع العالمي وتعمل على بناء مشروع عربي تنويري جديد. وبين المحاضر أن العولمة اليوم قد رفعت سقف معركتها مع الإسلام ولم يعد حوار الحضارات عقلانيا بل مشوبا بأشياء كثيرة مما يطرح علينا تساؤلات خطيرة أهمها.. هل نستطيع مناقشة هذه القضايا المؤرقة في مساحات ضيقة.

وقال إن أسئلة العصر الراهن لم تعد أسئلة التقدم وإنما أسئلة الوجود.. هل سنبقى أم سنستمر أم سنخرج من التاريخ الوضع تعقد كثيرا ونحن أصبحنا بأمس الحاجة إلى عقول متبصرة قادرة على الحوار لوضع أجوبة واضحة لما يؤرق العالم الإسلامي. وتعرض تيزيني إلى واحدة من أهم واخطر قضايا العصر الحالي وسيطرة ما سماه بالسوق الكونية الجديدة وهيمنتها ومحاولتها تفكيك هويات وثقافات الشعوب التي أصبحت مطالبة أن تستمد شرعيتها من هذه السوق المتسلطة.

وقال الإسلام هو من أكثر الأديان خطرا على هذه السوق وهو يعيش اليوم مرحلة جديدة لم يعشها من قبل.. «ولكنني اشدد على أن الإسلام أتى منتميا إلى السماء والأرض وبالتالي فقد وضع أسساً ثابتة راسخة أكثر من ذلك فقد نجح في أن يقدم نفسه صيغة وحالة مفتوحة تتقبل ما هو قادم من الخارج لذلك لا يمكن القبول بالقول الغربي من انه متشدد..».

وأختتم تيزيني محاضرته بقوله أن الإسلام اليوم وضع تتلخص في أن الإسلام يحتاج إلى حامل اجتماعي وسياسي وثقافي وفكري كي يستطيع أن يقوم بدوره متكاملا والحوار مع الغرب أو ما يسمى بحوار الأديان بحاجة إلى مزيد من العقلانية والحرية والندية وهذا لن يتأتى لنا بغير عقول نيره مفتوحة تستطيع ان تنجح في كبح جماح حملات الاختراق المحمومة التي يواجهها أعظم دين على هذه الأرض.

وكان الدكتور يوسف الحسن قد افتتح المحاضرة التي احتشد المئات لمتابعتها حيث رحب بحضور سمو رئيس النادي مشيدا بدوره في دعم الثقافة والفكر الأصيل وحرصه الدائم على دعم التراث وحماية الهوية الوطنية وتطلعه الدائم نحو الدولة الحديثة التي أرسى قواعدها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ويقودها بحكمة صاحب السمو رئيس الدولة «حفظه الله».

وعقب المحاضرة أتيحت الفرصة لجمهور الحضور بعرض أسئلتهم واستفساراتهم حول هذا الموضوع المهم في الفكر الإسلامي ودار نقاش واسع في أجواء من الأريحية وتبادل الحوار والآراء وهو ما تسعى إليه إدارة نادي تراث الإمارات من خلال برنامجها الرمضاني الذي يتضمن العديد من الأمسيات الفكرية والدينية.

(وام)