في إطار سلسلة المحاضرات الفكرية والأمسيات الرمضانية التي يستضيفها مجلس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ألقى الداعية السعودي عبدالله بن محمد حسن فدعق محاضرة دينية بعنوان «الشريعة والتحديات» الليلة قبل الماضية بمجلس سموه بقصر البطين وذلك بحضور الفريق اول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وسمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة.
واستهل فدعق محاضرته التي قدم لها وأدارها الدكتور خليفة علي السويدي أستاذ كلية التربية بجامعة الإمارات بدعوة إلى ضرورة الاتفاق على عبارة هامة كثيراً ما تتداول في مختلف المناسبات وهي أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، مبيناً حسب رأيه أنها عبارة غير دقيقة بل الأصوب أن نقول الشريعة مصلحة لكل زمان ومكان أو الزمان والمكان لا يصلحان إلا بالشريعة.
واستعرض فدعق أهداف المحاضرة ومنها إثبات أن في تراثنا الإسلامي حلولا عملية دقيقة لجوانب الحياة المختلفة وغرس مبادئ التفكير في النفوس والتشجيع على أن يسهم الفرد المسلم في إبراز كنوز الشريعة لكي تنهل الإنسانية من منهجها الإلهي الفياض.
وتحدث فدعق عن صورة الإسلام فقال إن الإسلام قوي بلا شك والمسلمين إلا من رحم الله على العكس تماماً يتظاهرون بالوفاق وهم مختلفون والجبهة الداخلية تعاني ادعياء التدين وادعياء التطرف والتزمت أما خارجياً فقد تجرأ علينا الآخرون حتى وصفوا ديننا بأنه فاش مبيناً أن المخرج من هذا كله هو زوال الظلم عن البشرية جمعاء.
وأشار فدعق الى أن الإسلام دواء نافع ودين مرن قادر على مواجهة كل جديد لأن فيه حلولا عملية دقيقة لما عجزت عنه الأنظمة اللاإسلامية. وأوضح أن كل الشرائع قبل الإسلام أدوارها هي هداية الإنسان والارتقاء بالعبد واعتنت بالبناء الروحي والأخلاقي لكنها لم تبحث في السياسة وفي الاقتصاد بخلاف الإسلام الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والذي بحث كل ذلك.
وذكر فدعق أن الإسلام خاطب الفرد ليعبد ربه وليكون فاعلاً في المجتمع وحد حدوداً لنا وأعطى حقوقاً للجميع وجاء بما يسمى بالمعاملات وهي من ركائز الدين وهو حق التشريع الصالح لكل مسلم وغير المسلم. ورأى فدعق أن توقف حركة الاجتهاد ساهم في أن يكون الإسلام جامداً وتأخرنا كثيراً وأن تقليد مذهب معين أو واحد أخر من تطور الشريعة.
وقال فدعق إنه يشعر أن هناك عودة وقوة للإسلام لأنه ثبت بالمنطق والعقل أن الإسلام يمكن أن يستغني عن غيره من الملل والنحل لأن له مصادره الخاصة وهي مصادر التشريع في الإسلام «القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة».
وانتقل فدعق الى الاحكام والآراء وحق الاختيار فقال إن الأحكام تختلف في الأزمنة والأمكنة والشريعة بأوسع مدلولاتها لا يتصور أنها جاءت بحلول عصرية لهذا الوقت وليس بها أمور تفصيلية ولكني أقول أن لنا حق الاختيار من المذاهب ما هو ملائم لحياتنا والقاعدة تقول :لا ينكر على مختلف فيه ولكن على مجمع عليه مردداً القول السائد «الشريعة كالمخلوق ينمو ويتجدد ويتكيف».
وأكد فدعق أن القياس من أهم وسائل التشريع موضحاً أن الله حرم الخمر ولكننا قسنا على الخمر المخدرات وأضاف أن الاستحسان والمصلحة قاعدة هامة كذلك التشريع ويمكن ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس أي النظر لمصالح الناس والحكم عليه مبيناً أن المالكية هم عمدة الناس في هذا الأمر بقاعدة (المصالح المرسلة) وأن ابن القيم يقول (الشريعة عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها) كما يقول ايضاً (أينما يكون العدل فثمت شرع الله) .
وأورد فدعق أمثلة عامة تدل على أن المصلحة متقدمة على الأمور الشرعية ومنها الرجل يطلق زوجته ثلاث طلقات في مجلس واحد واعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك طلقة واحدة وهكذا سار الصديق وعمر في بداية عهده ولما رأى عمر تهاون الناس فيه نظر في المصلحة الشرعية.
وتحدث الداعية عبدالله فدعق عن عناصر التغيير من المنظور الإسلامي وبدأ بالبيئة وقال لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان مستشهداً بالإمام الشافعي عندما رحل من بغداد إلى مصر وغير من أحكامه وفقهه وعدد فدعق من عناصر التغيير أيضاً العرف وهو عادات الناس التي تختلف من بلد إلى آخر وأن النص يترك للعادة كذلك الحكمة والعلة والحقيقة والخيال مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به...
و أنتم أعلم بأمر دنياكم مشيراً إلى أن هذه النصوص تعطينا فكرة عن عمق الفروق بين العبادات والمعاملات وأبعاد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم. وانتقل فدعق الى الحديث عن الشريعة والاهتمام بالجماعة وأوضح أن هناك صراعا بين حقوق الفرد والجماعة وأن الشريعة الإسلامية ترى في الفرد أنه منطلق النشاط وأن يعطى الفرصة دون تمييز وهو حر في تصرفاته ورسالته هي خدمة المجتمع وفي الجانب الآخر ترى الشريعة أن الجماعة ممثلة في ولي الأمر مسؤولة عن تأهيل الفرد وتعليمه وضمان معاشه .
وتحدث فدعق في محاضرته عن إشكالية الفرد والجماعة وقال إن حقوق الفرد والجماعة تحتاج الى موازنة مستمرة ودائمة وتحتاج إلى مرونة وأن النظام الإسلامي من أهم مزاياه الفكرة الجماعية التي تعتمد على التكافل الاجتماعي (المؤمن للمؤمن كالبنيان). ولفت الى ان مسألة الملكية الفردية من أهم أسباب الخلاف بيننا وبين غير المسلمين موضحاً أن الملكية الفردية هدفها خدمة الجماعة لأن الأملاك كلها لله تعالى وإن الله مولنا إياها ونحن بمثابة نواب أو وكلاء.
وأوضح أن هناك حدوداً للحق الفردي بشرط أن لا يضر الآخرين وأن هناك وظيفة اجتماعية لهذا الحق تبنى على قاعدة لا ضرر ولا ضرار وأن مصلحة الجماعة متقدمة على مصلحة الفرد، وأضاف تحد آخر هام وهو أن الملكية الفردية أشمل من الملكية الجماعية وأنه لا يجوز نزع ملكية فردية إلا لمصلحة عامة كما ذكر مسألة التوازن في الحقوق وأن الإسلام كفل للجميع المساواة (الناس سواسية كأسنان المشط) وكذلك الحرية وأن الناس خلقهم الله أحراراً.
وعدد فدعق مزايا الفرد في الشريعة الإسلامية وأن الفرد محصن وحر في كسبه والفرد ملزم بأن يعبر عن رأيه وحر في اعتناقه ما يشاء وحر في تعلمه وتطرق إلى الضمان الاجتماعي وأسباب استحقاقه للمسلمين وغير المسلمين إضافة إلى مصادر تمويل الضمان الاجتماعي ومنها جباية الزكاة والتبرعات والأوقاف وفرض الأموال. وفي ختام حديثه أكد عبدالله فدعق أن الشريعة الإسلامية قادرة على التحرك في أي وقت لأن طبيعتها استقلالية وتحمي نفسها من أي طوفان وطغيان.
عقب ذلك تم فتح باب النقاش والتعليق حيث تفاعل الحضور مع ما طرحه المحاضر وخاصة من جانب السيدات وتركز الحديث حول تعدد المذاهب وذكر المحاضر أنها ثمانية معتمدة(أربعة للسنة والزيدية والجعفرية ثم الأباضية والظاهرية) ورد المحاضر على مسألة إغلاق باب الاجتهاد واختفاء القياس وتغييب بعض العلوم من المناهج منها الفلسفة فقال إن التقليد ووقف الاجتهاد سبب جمود الفقه الإسلامي
مشيراً إلى أن علم المنطق وغيره كان يدرس في المسجد الحرام في يوم من الأيام ولأجل فكر ضيق منع المنطق واستمر الوضع حتى منعت الفلسفة في المناهج. وحول رفضه المشاركة في حوار الأديان أوضح فدعق أنه يرفض المشاركة تحت هذا المسمى لأنه لا يمكن للأديان أن تتحاور بل التحاور يكون مع أهل الأديان متسائلاً كيف أتحاور مع آخر لا يعترف بديني ولا يقبلني.
حضر المحاضرة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس دائرة التخطيط والاقتصاد وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان رئيس دائرة المالية ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي و معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الاشغال العامه
ومعالي الشيخ احمد بن سيف آل نهيان رئيس مجلس ادارة طيران الاتحاد والشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة ابوظبي للسياحة ومعالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة الاقتصاد وعدد من الشيوخ ومعالي محمد بن نخيرة الظاهري وزير العدل ومعالي محمد بن عبدالله القرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء واعضاء المجلس التنفيذي لإمارة ابوظبي وكبار ضباط القوات المسلحة والشرطة وجمع من ممثلي الدوائر والهيئات الحكوميه في ابوظبي وكبار المسؤولين في الدوله وعدد من سيدات المجتمع.
(وام)



