انفجر الوضع المتأزم في قطاع غزة أمس وحدث اقتتال داخلي أسفر عن مقتل 8 فلسطينيين وجرح 70 آخرين. وأقدمت عناصر من حركة «فتح» على إحراق مبنى رئاسة الحكومة في رام الله بعد زهاء أسبوع من «قمة نيويورك» بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بدعوى المطالبة بالرواتب فيما أشارت الحكومة الفلسطينية إلى أن أزمة الرواتب جرى تسييسها.

وأضرم مئات المتظاهرين النار في مقر الحكومة الفلسطينية في رام الله، كما احرق المتظاهرون مبنى مجاوراً تستخدمه الحكومة الفلسطينية التي يرأسها إسماعيل هنية، ثم هاجموا مبنى وزارة التربية واحرقوا سيارة الوزير ناصر الدين الشاعر الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء.

ونقل موقع «انتفاضة فلسطين» الالكتروني المقرب من حركة «فتح» عن مصادر في مكتب رئيس السلطة الفلسطينية قولها إنّ قوات تابعة لعباس عممت على عناصرها أوامر بالتدخل المسلح لصالح المحتجين المضربين عن العمل وضد القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية.

وأشار الموقع إلى أنّ «ديوان الرئاسة أصدر تعليمات واضحة لضباط وجنود كل من قوات أمن الرئاسة المعروفة باسم القوة17 وجهاز الاستخبارات العسكرية بالإضافة إلي وحدة التدخل السريع التابعة لجهاز المخابرات العامة بالتدخل لصالح مضربي الأجهزة الأمنية المسلحين».

وأوضح أن «التعميم يوجب على تلك القوات التي تأتمر بأمر محمود عباس أن تقدم على «ردع» القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية ب«القوة» في حال إطلاق النار على المتمردين».

ومن جانبها نقلت «الشبكة الإعلامية الفلسطينية» عن شهود إن «عناصر أمن الرئاسة «القوة 17» أطلقوا النار على أفراد القوة التنفيذية أثناء محاولتها فرض الأمن وفض المحتجين من أفراد الأمن الذين أغلقوا الطرق وأشعلوا الإطارات المطاطية واعتدوا على بنك فلسطين في مدينة غزة وحطموا محتوياته». قبل أن يصدر رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني بالإنابة أحمد بحر قراراً بسحب أفراد الأجهزة الأمنية من الشوارع ووقف مظاهر الاحتجاج.

وعرف من بين ضحايا اقتتال الأمس كل من محمد كامل الأفغاني (16 عاماً) ورمضان محمد رمضان (22 عاماً) و علاء جرس (36 عاماً) وحسن ابو الهطل (15 عاماً).

وبالعودة إلى الأزمة التي تفجرت عقب نشر أفراد القوة التنفيذية أكد الناطق باسم الحكومة غازي حمد أن الحكومة لم تتخذ قراراً بنشر القوة التنفيذية إلا بهدف حفظ النظام وفرض القانون ومنع خلق حالة من الشغب والفوضى والإضرار بمصالح المواطنين، مضيفاً أن القوة التنفيذية تلقت تعليمات مشددة من وزير الداخلية بعدم الاحتكاك بالمواطنين أو بأي من أفراد الأجهزة الأمنية.

وأضاف: « «أن مهمتها انحصرت فقط في منع أحداث الشغب والفوضى وإغلاق الطرق الرئيسة إلا أن البعض لم يرق له حالة الاستقرار التي شهدها قطاع غزة منذ صباح أمس وحاول عرقلة عمل القوة التنفيذية وإطلاق النار عليها بشكل متعمد ونشر الفوضى وقام هؤلاء بتخريب البنوك وتدمير أجهزتها».

وأوضح أن «عمليات الاحتجاج خرجت عن إطارها القانوني المعقول وتحولت إلى أحداث شغب بكل معنى الكلمة حيث استخدمت القوة وإطلاق النار وتمت مداهمة المؤسسات الحكومية و ممارسة التخريب بشكل متعمد الأمر الذي يدل على أن القضية لا تتوقف عند حد المطالبة بحقوق وظيفية بل جرى تسييسها بطريقة تصب في التحريض ضد الحكومة والذي لا يزال يمارس من قبل جهات عديدة».

من جهة ثانية، أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم الفلسطيني ناصر الدين الشاعر أمس أن الحكومة الحالية بقيادة حركة «حماس» لن تفرض نفسها على الشارع الفلسطيني لاستكمال مدتها القانونية، في إشارة إلى إمكانية استقالتها ، وقال «بعيداً عن تصريحات بعض القيادات بأن الحكومة ستبقي مدتها القانونية لأربع سنوات. نحن نؤكد أننا لا نفرض أنفسنا على الشارع الفلسطيني بل نعمل من أجل مصلحته وما يسعى إليه».

في غضون ذلك، دعا رئيس الوزراء إسماعيل هنية إلى وقف الاقتتال الأهلي. وقال للصحافيين في غزة انه يناشد جميع مواطنيه التحلي بالمسؤولية والتخلي عن الخلافات خاصة في وقت يشهد تصعيداً من جانب القوات الإسرائيلية التي قال إنها تهدد بتوسيع نطاق «العدوان». وكان هنية يشير إلى تصريحات أدلى بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال جنرال دان حالوتس في وقت سابق أكد فيها أن إسرائيل ستصعد العمل العسكري في قطاع غزة لوقف هجمات الصواريخ على إسرائيل.

وبحث حالوتس إمكانية شن عملية عسكرية برية جديدة واسعة النطاق في القطاع حيث صرح للإذاعة العامة الإسرائيلية «علينا أن نجد حلولاً لمنع إطلاق هذه الصواريخ على سديروت كأن ننفذ مثلاً عملية برية طويلة وعميقة هي الآن قيد الدرس».

وفي سياق متصل تعتزم وزيرة الخارجية الأميركية البحث أثناء زيارتها لإسرائيل خلال الأسبوع الجاري في تنفيذ سلسلة خطوات «خلاقة» لتعزيز مكانة رئيس السلطة الفلسطينية في مواجهة «حماس».

ونقلت صحيفة «هآرتس» أمس عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن الإدارة الأميركية تسعى لتقوية مكانة عباس وإضعاف الحكومة الفلسطينية برئاسة حماس بأساليب «خلاقة»، وتقتضي إحدى هذه الخطوات بتمرير أموال إلى السلطة الفلسطينية من خلال عباس.

وأضافت: «أن الإدارة الأميركية ترغب بدفع العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين لكنها تدرك أن الحكومتين في كلا الجانبين ضعيفتان في الوقت الراهن ولن تتمكنان من البحث بجدية في القضايا الأساسية المتعلقة بالحل الدائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ومن بين الخطوات التي تعتزم أميركا اتخاذها لتقوية عباس، إضافة إلى تمرير أموال للسلطة الفلسطينية بواسطته، العمل على تقوية الحرس الرئاسي وقوات الأمن الفلسطينية التابعة لإمرته.

كما ستعمل الولايات المتحدة على دفع «خطة ديتون» لتفعيل المعابر بين القطاع وإسرائيل على غرار العمل في معبر رفح الحدودي بين القطاع ومصر بحيث يتم تفعيل المعابر تحت إشراف الحرس الرئاسي وبوجود مراقبين أجانب، والتقدم في تفعيل الممر الآمن بين القطاع والضفة الغربية.

ويتوقع أن تصل رايس إلى إسرائيل يوم الخميس المقبل وستلتقي مع مسؤولين إسرائيليين بينهم رئيس الوزراء ايهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني ووزير الدفاع عمير بيرتس كما ستلتقي مع الرئيس الفلسطيني في رام الله.

من ناحية أخرى أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن أسفه لما تشهده الساحة الفلسطينية من حالة انفلات أمنى وتراجع عن فكرة تشكيلحكومة وحدة وطنية فلسطينية.

وقال «إن أسوأ ما يمكن أن يقع في ما يتعلق بتطورات القضية الفلسطينية ويؤثر في مصداقية الموقف الفلسطيني هو حدوث صراع فلسطيني فلسطيني». وتساءل الأمين العام للجامعة العربية: «إذا لم يتفقوا على مثل هذه الحكومة وإذا لم تعترف هذه الحكومة بمبادرة السلام العربية فإلى أين تتجه الحركة السياسية الفلسطينية؟».

غزة، رام الله ـ «البيان»: