أوصى المجلس الرمضاني للفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي رئيس مجلس إدارة جمعية توعية ورعاية الأحداث بضرورة تطوير المناهج التربوية لحماية النشء من الجوانب السلبية للعولمة، ومناشدة الجهات والمؤسسات الاجتماعية والتربوية والدينية وضع استراتيجيات للتعامل مع قيم العولمة.
دعا المجلس ـ الذي دار حول «تربية الطفل الإماراتي في ظل العولمة الثقافية والسلوكية» ـ إلى إجراء العديد من الدراسات التربوية والاجتماعية لقياس مدى تأثير العولمة على ثقافات وسلوكيات الأبناء، كذلك دعوة المؤسسات الإعلامية للعمل على تعزيز القيم الايجابية من خلال البرامج الهادفة، وترسيخ القيم الدينية لدى النشء لبناء الشخصية المتكاملة والمتزنة اجتماعياً.
ناقش المشاركون في المجلس عوامل تصاعد تأثير العولمة الثقافية والسلوكية وملامح تأثر النشء بها في الإمارات والعوامل التي تجعل الطفل الإماراتي أكثر تأثراً بسلبيات تلك العولمة وكيفية الاستفادة من ايجابيات العولمة الثقافية والسلوكية وتفادي على سلبياتها.
وحددوا جوهر العولمة الثقافية والسلوكية في انتشار المعلومات عبر حدود الدول بدون عائق حتى تصبح مشاعة لدى جميع الناس، وتذويب الحدود السياسية والجغرافية والثقافية وزيادة معدلات التقارب والتشابه في المجتمعات، وهذه العمليات قد تؤدي إلى نتائج سلبية أو إيجابية وهو ما يتوقف على قدرة الدول في مواجهة أثار العولمة والتأقلم معها باستعمال وسائل الإعلام والاتصال والتكنولوجيا الحديثة.
وكشف الحاضرون عن دراسة صدرت عن معهد «كوف» السويسري تعني بقياس العولمة من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في 123 دولة من بينها 11 دولة عربية أن الإمارات جاءت مقدمة الدول العربية الأكثر تأثراً بالعولمة واحتلت الترتيب 21 عالمياً تلتها الكويت في الترتيب 32 فيما حلت السعودية في الترتيب 113 عالمياً.
واتفق الحاضرون على أن الاختراق الثقافي الناتج عن العولمة للثقافات المحلية من أشد الآثار السلبية خطورة وهذا الاختراق قد ينتج عن التقدم المتسارع في التبادل المعلوماتي والثقافي الذي يضغط بعنف على ثقافات الدول النامية ومنها الثقافة العربية .
ويتمثل ذلك في سرعة التحول والانتشار العالمي وما يقابله من بطء تجاوب الجسم الثقافي العربي الأمر الذي يوسع الهوة بين ثقافة الأجيال إلى درجة التأزم، وضعف الإنتاج الثقافي العربي ومحدودية مفرداته كتعبير عن واقع المرحلة الحضارية العربية بكل ما فيها من بطء التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وضعف البنية التحتية للثقافة العربية وارتفاع كلفة الإنتاج لمفردات الثقافة مما يجعل قدرتها على منافسة مفردات ثقافة العولمة محدودة إضافة إلى صغر السوق العربي الثقافي على المستوى القطري وغياب قنوات الانسياب والتبادل الثقافي الحر على المستوى العربي.
تربية الطفل تحدٍ كبير
الفريق ضاحي خلفان بدأ الحوار بالإشارة إلى أهمية الموضوع واعتبر أن تربية الطفل الإماراتي في ظل العولمة تعتبر تحدياً كبيراً وبروز جهات أخرى لها دور في تشكيل سلوك الطفل الذي أصبح يرى ويتابع من القنوات الفضائية المختلفة إضافة إلى أنه يعيش في مجتمع تتعدد فيه الثقافات والعادات والتقاليد وهي أمور تختلف عما كان عليه الآباء والأجداد.
فعلى سبيل المثال ـ يوضح الفريق ضاحي ـ أن مراكز التسوق بها فئة من الشباب طريقة لبسهم وهيئتهم لا علاقة لهم بنا رغم انتمائهم لهذا البلد الذي تحكمه عادات وتقاليد أصيلة. فالسلوك والشكل والهيئة لشبابنا الآن تختلف تماماً عما كان في السابق.
الزي مسألة شكلية
ميرزا الصايغ نائب رئيس هيئة مجلس أمناء هيئة آل مكتوم الخيرية وعضو مجلس إدارة جمعية توعية ورعاية الأحداث قال: إن مجتمع الإمارات يمر بمرحلة تطور وتغير والدولة يعيش فيها حاليا 204 جنسيات تعيش كلها في أمان وسلام بفضل رعاية صاحب السمو رئيس الدولة وأصحاب السمو حكام الإمارات ولذلك فالإمارات تعتبر مجتمع تسامح وتعايش سلمي بين مختلف الجنسيات .
ولذلك الطفل في الإمارات لا يمكن أن نفصله عن هذا المجتمع الذي يتعايش فيه مع الأطفال من كافة الجنسيات في الصف والمدرسة والسوق والنادي ويقرا صحفهم ويشاهد أفلامهم وقنواتهم الفضائية بالتالي لابد أن يكون هناك تأثير على الطفل الذي من السهل تأقلمه مع الآخرين.
ويضيف الصايغ أن التأثير السلبي يكمن علاجه في أمرين أساسيين الأول في التربية الدينية في المنازل لأنها السلاح الذي يوجد عند الأسرة للحفاظ على الطفل، الأمر الثاني في الرقابة والمتابعة من أولياء الأمور وتوجيه الأبناء بشكل دائم.
ويرى أن مسألة اللباس للشباب المواطن مسألة شكلية يمكن التغلب عليها بوسائل متعددة، ويدلل على ذلك أن عدداً من طالبات جامعة زايد خلال رحلة دراسية إلى المملكة المتحدة كن حريصات على ارتداء الزي الوطني لهن في كل المناسبات الرسمية بل وارتداء العلم الوطني وكان ذلك مثار إعجاب واحترام المسؤولين الانجليز. وذلك يرجع إلى التنشئة والتربية السليمة.
الفريق ضاحي: وجهة نظر ميرزا أن المسألة شكلية لكني كضابط شرطة لا يريحني طريقة ارتداء الملابس عند الشباب حالياً وقد تكون نظرة متشائمة.
غياب الجانبين الروحي والعقلي
الدكتور خليفة السويدي الخبير التربوي بجامعة الإمارات يحدد التعامل مع مسألة التربية وفقاً لنظرة الخبراء بثلاثة جوانب أساسية، الجانب الجسدي والجانبين العقلي والروحي. ويرى أن الجانب الجسدي جاء الاهتمام به من جانب الأسر الإماراتية على حساب الجانبين الآخرين وتركتهما للهيئات الأخرى مثل المدرسة والمسجد، في حين نجد أن بعض الدول الخارجية بدأت في رفع شعار «العودة للأصل» وهي الأسرة.
ويؤكد الدكتور السويدي أن حماية الطفل وتحصينه حتى سن 10 سنوات سيجعلان لديه ما يسمى في علم الاجتماع بالعقل الانتقائي للأمور ويكون باستطاعته التمييز بين الأشياء وغير منقاد أو متلقٍ لها. إذن هناك ضرورة للتربية الروحية والعقلية معا من أجل طفل متوازن له قيم وتقاليد وانتماء.
ضاحي خلفان: ألاحظ في مراكز التسوق أن يرفع الأذان ولا أحد من الشباب المتواجد في المركز يلبي النداء.
الدكتور حمد الشيباني مدير دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري يشير إلى أن للأسرة دوراً كبيراً ومهماً للغاية في التنشئة وكذلك دور الأب في الرقابة والأم في المتابعة والرعاية فالأسرة هي الأصل في التربية ثم تأتي من بعدها المدرسة التي باتت خالية للأسف من القدوة الحسنة للأطفال وأصبح دورها هامشياً. وكذلك ولابد من التركيز على الإعلام في عملية التنشئة. ويحذر من فقدان دور المؤسسات الاجتماعية في عملية التنشئة للطفل وتضافر الجهود بينها للحفاظ على المجتمع.
المؤسسات الاجتماعية دورها غائب
الدكتور منصور العور مدير الكلية الالكترونية للجودة الشاملة يرى أن المؤسسات الاجتماعية والدينية الرسمية ليس لديها استراتيجية واضحة لمواكبة التطورات في الدولة وبالتالي لابد من وجود دور للمؤسسات الاجتماعية وخروجها من الدور النمطي التقليدي الذي تمارسه. ونحن في جمعي الأحداث لنا تجربة واستراتيجية واضحة في التعامل مع القضايا الاجتماعية.
ويؤكد أن المؤسسات الاجتماعية الرسمية بحاجة إلى وضع استراتيجية محددة لمعالجة قضايا النشء.
فجوة بين الأجيال
الدكتور عبد الله العوضي يوضح أن هناك مشكلة في تواصل الأجيال وهناك فجوة بينها وبالتالي لابد من العمل لسد هذه الفجوة بتعويد النشء على تقاليدنا بالتزامن مع اعتيادهم على تقبل المتغيرات من حولهم. في المجتمعات الغربية مازالت هنا أسر تدعو للقيم الأصيلة، ففي اليابان المرآة مكلفة بتربية الطفل الياباني وفي كندا الأم المربية في الدولة لها راتب .
وكذلك هناك علاوة للانترنت للأسرة. في الولايات المتحدة الأميركية هناك مجال للتدريس داخل الأسرة في البيوت ويمثلون حوالي 30 مليون فرد والدولة تخصص مناهج وقنوات فضائية تعليمية خاصة للمتابعة والتدريس في البيوت. في الغرب هناك فنوات تعالج مشاكل الأسرة ومشاكل الآباء مع الأبناء ولدينا في الإمارات أصبح هناك 50 سبباً للطلاق كما نقلت بعض الصحف.
انفصام في الشخصية
أما الدكتور علي قاسم الشعيبي فيرى أنه طوال ال40 سنة الماضية كانت هناك طفرة في الجانب المادي فقط ولم يواكب ذلك طفرة في رعاية الإنسان ولنا أن نتساءل عن مجموعة القيم التي يتربى عليها الطفل في ظل أسرة مشغولة عنه. الطفل يعاني حالياً من انفصام في الشخصية بين ما هو واقع في المجتمع ووسائل الاتصال من حوله وبين ما تريده الأسرة.
لذلك قيمنا الأصيلة معرضة للخطر بفعل عوامل داخلية وخارجية والسلاح الفعال في ذلك هو الإعلام إذا أراد صاحب القرار أن يجعله أداة للانجاز أم أداة للتخريب. ويطالب د. الشعيبي بتحقيق توازن بين الجانب المادي والجانب الروحي في استراتيجية التنمية.
العولمة عملية منظمة
وفي رأي الدكتور محمد مراد مدير مركز دعم اتخاذ القرار وأمين سر جمعية الأحداث أن العولمة عملية منظمة لها منهجية تقودها الولايات المتحدة الأميركية من خلال العديد من الوسائل الاجتماعية الثقافية والسياسية.
ورغم ذلك هناك معارضون لهذه العولمة في دول العالم، وفي الإمارات كشف مؤشر معهد «كوف» السويسري أن الإمارات أكثر الدول العربية تأثراً بالعولمة من بين 132 دولة حول العالم من بينها 11 دولة عربية واحتلت الإمارات المرتبة 21 تلتها الكويت في الترتيب 32 فيما حلت السعودية في الترتيب 113 عالمياً. وهنا نتساءل هل نتعامل مع العولمة بالرفض أم بالقبول والتعايش؟.
لابد أن يكون لدينا استراتيجية واضحة وعمل مؤسسي تجاه تأثيرات العولمة الواضحة ونحن بحاجة لتضافر الجهود بين المؤسسات الحكومية والأهلية العاملة في المجالات الاجتماعية.
اهتمام أمني بتأهيل الأحداث
ويشدد العميد خميس مطر المزينة مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي على أهمية القضية وتأثيرها على سلوكيات الشباب ومع ذلك فالقيم مازالت موجودة في الكثير من الأسر.
ومن واقع تجربتنا الأمنية نفاجأ أن الأسر لا تعرف الكثير عن أبنائها بل تفاجأ وتدهش بدورها أن أبناءها يتعاطون المخدرات، فهناك فجوة بين الأسر والأبناء والرقابة غائبة. لكن يرى العميد المزينة أن هناك جوانب ايجابية في العولمة والتطور الحالي في دولة الإمارات و يقول: إن المزج بين اللغات وتعلمها والتقارب والاطلاع على الثقافات الأخرى لا عيب فيه لكن لابد من الرقابة والمتابعة داخل الأسر.
وبالنسبة لنا كجهاز أمني نعايش انحراف الأحداث أنشأنا اختصاصات لعدد من الضباط لتقديم خدمات اجتماعية لهؤلاء الأحداث من أجل تأهيلهم وإعادة دمجهم كأفراد طبيعيين.
في نهاية المجلس دعا ميرزا الصايغ إلى تضافر الجهود والفريق ضاحي خلفان طالب باستراتيجية لها قيم وليس أهداف لتربية الأبناء.
دبي ـ عادل السنهوري:
