تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي راعي جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم تبدأ مساء اليوم أولى فعاليات المسابقة الدولية القرآنية بغرفة تجارة وصناعة دبي باختبار ستة متسابقين من مالي وقيرغيزستان وتايلاند وجزر القمر وفنلندا وفرنسا.
وتضم قائمة المتسابقين كلاً من إبراهيم ضيا كيتي من مالي ويقرأ برواية قالون، وعبد الله ماغومادوف من فيرغيزستان ويقرأ برواية حفص، ومحسن دورتي من تايلاند ويقرأ برواية حفص، وعلي عماد من جزر القمر ويقرأ برواية حفص، ومحمد سعيد موسى من فنلندا ويقرأ برواية حفص، وسعيد مهدي محمد من فرنسا ويقرأ برواية حفص.
وقد استضافت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر العربية خلال فعاليات المحاضرات الدينية المصاحبة للمسابقة القرآنية الدولية في دورتها العاشرة حيث ألقى فضيلته عن «وحدة الأمة الإسلامية» أكد خلالها على أن وحدة الأمة الإسلامية جعلها الله تشريفاً وتكليفاً ودعا المسلمين إلى عدم الاكتفاء بالتشريف والنظر بجدية إلى التكليف.
وقال إن الله سبحانه وتعالى وصفنا بأننا أمة وسطاً أو شرفنا بهذا ولكن لا ينفعنا التشريف إلا بعد قيامنا بما كلفنا به «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً». وأضاف أن المثال الأكبر والقدوة الحسنة هو الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أمور حياتنا وديننا فقال سبحانه «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر» وأكد د. جمعة أنه إذا تخلى المسلم عن هذه الوسطية فقد ترك التكليف،
مستشهداً بقول الله عز وجل «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، وقال إن الأمة لو تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون قد فقدت خيريتها. وأوضح الدكتور علي جمعة أنه لا يجب أن نعتمد على التشريف بل بالبحث عن التكليف الذي يرفعنا وينصرنا ويؤيدنا.
وقال إن الله منّ علينا وجعلنا مسلمين ولكن لا ينبغي أن نتفاخر إذا ما تركنا ما كلفنا به، قد وصف الله الأمة بقوله سبحانه «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، مشيراً إلى أن وحدة الأمة لا يكفي أن تجتمع على كلمة سواء فهي أمة التوحيد وأمة الوحدة تعبد رباً واحداً وتتبع نبياً واحداً جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، ولو أن الله سبحانه سيرسل نبياً بعده لتفرقت الأمة،
وذلك لطبيعة البشر لأنه مع وجود نبي نجد البعض من الناس ينتصرون له ويتبعونه وآخرون يكذبونه، ولذا فقد ختم الله النبوة بمحمد عليه الصلاة والسلام لمنع الشتات للأمة الإسلامية، وكانت شهادة التوحيد عنواناً للمسلمين، وقال إن وحدة الشهادة هي الركن الأول من أركان الإسلام، ووحدة الأمة تشير إلى أنها في وحدة ربها ووحدة رسولها المرسل، ولذلك فقد ختم الله به النبيين والمرسلين «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين»، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه «فلا رسول بعدي ولا نبي».
وأضاف الدكتور علي جمعة أن الله سبحانه وتعالى جمعنا على كتاب واحد هو القرآن الكريم وحفظه من التحريف لا في حفظ آياته وكلماته فقط وإنما كان حفظه على مستوى الأداء، ومن شدة حفظ القرآن الكريم فإن الله سبحانه وتعالى أنزله بقراءات عشر كلها متواترة، وجعلها متواترة ليؤكد الحفظ، وكانت هناك أخطاء وروايات شاذة وهذه الأخطاء والروايات الشاذة أكدت حفظ القرآن الكريم، وقد حفظ بطريقة علمية يعرفها العلماء والمتخصصون.
وقال الدكتور علي جمعة إن كتاب الله محفوظ في الصدور وفي الأوراق ولا يمكن لهذا الكتاب إلا أن يكون واحداً وشرفنا الله بأن يكون كتابنا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترة أهل بيتي»، مبينا أن الله سبحانه وتعالى جمع الأمة على قبلة واحدة والصوم شهراً واحداً وأمرنا أن ننتمي إلى أمة واحدة على مر الزمن كما أمرنا أن نؤمن بجميع الرسل والأنبياء
«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً» فأمره بالاعتصام في هذه الآية تعني انه يجب علينا ألا نتفرق، وأمره لنا بالاعتصام بحبل الله يعتبر تكليفاً وإذا عصينا وتفرقنا وتنازعنا فإننا نكون في معصية، فكلام القرآن يفهمه كل الناس من أميين وعلماء.
وقال إذا نظرنا إلى الصلاة نجد إماما يؤم الناس فلا يسبقونه بحركة لا في الركوع والسجود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الإمام لليؤتم به»، هذه الإمامة تؤدي إلى شيء واحد هو الوحدة ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» فالصلاة عمل كبير «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين».
مشيرا إلى أن الصلاة التي يؤديها المسلم هي خمس صلوات في اليوم يتصل فيها الإنسان بالله عز وجل فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا» فنحن نسجد لأن الكون يسجد ونسبح لأن الكون يسبح (ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) فنحن مكرمون ومفضلون حيث أسجد لنا الله ملائكته وسخر لنا كونه وجعلنا أمة واحدة وأمرنا أن نكون على قلب رجل واحد «إنما المؤمنون أخوة» ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «وكونوا عباد الله أخواناً».
وعن واقع الأمة يقول الدكتور علي جمعة لقد تنوع الفقه إلى مذاهب، وهذه المذاهب لها أصول مؤكداً أن مذهب أهل السنة والجماعة بلغ نحو تسعين مذهباً اندثر معظمها وبقيت ثمانية مذاهب وهي المالكية والحنفية والحنابلة والشافعية والجعفرية والاباضية والزيدية والظاهرية، وهذه الثمانية مذاهب مازالت كتبها موجودة وكلها تؤمن بالرب الذي يؤمن به الجميع ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة ودينهم واحد وشهرهم واحد، والأصول التي يرجعونه إليها واحدة وهي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال إن الخلاف بين المذاهب خلاف فروع وهو اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.
وقال إن المجامع الفقهية وجميع العلماء اعتمدت هذه المذاهب بما يدل على مساحة واسعة من الفكر، وبما يدل على أن الفقه الإسلامي قادر على أن يكون مواكباً لكل زمان ومكان، موضحاً انه بعد دراسة دقيقة في جميع هذه المذاهب وجدنا أن مساحة الاتفاق أكثر بكثير من مساحة الاختلاف.
وحذر الدكتور علي جمعة من الفرقة بين المسلمين فقال: إن الوحدة تقوي الأمة وتواجه بها المشكلات والفرقة تضعفها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّم الأمة أن تتجاوز المحن وان تتجاوز العدوان والبغي، فهي أمة مبتلاة بالطغيان والعدوان، فقد ابتليت باليهود والفرس والتتار والصليبيين والاستعمار، الذين عادوا ألينا مرة أخرى بشكل مختلف، ولكن يجب ألا نيأس في الحياة وان نتحد في اقتصادنا وسياستنا وتفعيل هذه الوحدة ونبذ الاختلاف.
وأشار إلى أن القلوب ليست على قلب رجل واحد وهذا يحتاج إلى دعوة مخلصة إلى توحيد العملة ورفع الحواجز والطرق والرجوع إلى أنفسنا حتى تتوحد الأمة سياسياً واجتماعياً واقتصاديا. وأضاف انه بالنظر إلى مناهج التعليم نجد أن الثقافة السائدة هي الصدام وليس الاتفاق بما يحول بيننا وبين ما نريده، وهذا يفرض علينا العمل من اجل تضييق بؤرة الشقاق والصدام وتوسيع دائرة الاتفاق والوحدة.
دبي ـ السيد الطنطاوي:

