لم تحظ أية مؤسسة علمية أو جامعية في العالم بالاهتمام أكثر مما تحظى به مؤسساتنا العلمية والجامعية حيث توفر لها الدولة جميع مقومات نجاحها ومع ذلك فإن هذه المؤسسات بقيت حبيسة جدرانها تقدم لطلابها العلم والمعرفة دون النظر إلى الظواهر الاجتماعية المقلقة التي تعد دراستها ومعرفة أسبابها من أهم واجبات هذه الجامعات والمؤسسات العلمية.
والأهم من ذلك هو أن تعرف هذه الجامعة (والتي تضم نخبة من الأساتذة والدكاترة والباحثين الذين نكن لهم كل احترام وتقدير) ان من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر فيها لاعتمادها على المستوى العالمي هو كثرة ونوعية بحوثها العلمية والاجتماعية حيث إن هذه البحوث تعزز مكانة الجامعة وترتقي بها بين الجامعات والمؤسسات البحثية في أنحاء العالم كافة.
ونحن إذ نتحدث هنا عن أهمية البحث العلمي والاجتماعي والمعرفي للجامعات فإننا نتساءل كيف تمر العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية دون أن تقدم لنا جامعة واحدة أو مركز بحثاً واحداً حلاً لهذه الظاهرة السلبية أو تلك، ثم لماذا لا تقوم جامعة ما بتسليط الضوء على إحدى هذه الظواهر المقلقة للمجتمع ويتم بحثها من خلال استطلاعات للرأي العام ومناقشتها كرسالة ماجستير أو دكتوراه.
ابتعاد الجامعات عن مجتمعنا
إن المتتبع للبحوث التي تقدمها جامعاتنا يجد أنها مقتصرة على الطلاب فقط فهذه البحوث لا تتعدى جدران هذا الفصل أو ذاك فلم نر جامعة من جامعاتنا وهي كثيرة والحمد لله أو مركزاً بحثياً سواء كان حكومياً أو خاصاً يقدم لنا دراسة عن ظاهرة العنف عند الأطفال أو ظاهرة انتشار التدخين في المدارس الابتدائية أو ظاهرة انتشار المخدرات بين بعض الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات أو ظاهرة التسول والسرقة وغيرها الكثير الكثير من الظواهر التي باتت تسبب لنا جميعاً صداعاً لا ينتهي فإذا كانت هذه الجامعات والصروح العلمية الضخمة والمؤهلة بأساتذة كبار وبباحثين مشهود لهم لا تهتم بهذه الظواهر الاجتماعية فما هي أهميتها إذاً، هل مهمتها تلقين الطلاب موضوعات إنشائية يمكن الاستدلال عليها من خلال (النت).
فإذا كان هذا هو دور جامعاتنا فإننا بالتأكيد لا نريد منها هذا الدور فقط، بل نحن نريدها أن تنزل إلى الشارع وإلى البيوت وإلى المدارس وإلى المجمعات العمالية وتعالج مشاكلنا الاجتماعية (وهي قادرة على ذلك) وتطرحها في حلقات نقاشية من أجل إيجاد أفضل الحلول لها، والمتتبع لصحيفتي los angele times hchristian scive manitor ومجلتي the scence hscievce and medicine يرى على صفحاتها كماً هائلاً من البحوث التي تعدها الجامعات الأميركية والبريطانية والأسترالية والكندية والتي تناقش ظواهر اجتماعية مختلفة منها البسيطة والمعقدة حيث تقوم بدراستها وتقديم الحلول لها.
وهنا أذكر كيف أن جامعة كاليفورنيا قامت بدراسة استمرت أكثر من ستة أشهر لظاهرة قد تبدو في أعين الناس بسيطة ولا قيمة لها وهي ظاهرة وضع اللبان أو العلكة على المقاعد في الحدائق العامة والمتنزهات وعلى كراسي مواقف الحافلات وكان سبب هذه الدراسة التي استمرت لأكثر من نصف عام رسالة لا تتجاوز بضعة أسطر بعثتها سيدة إلى صحيفة محلية تقول فيها إنها كانت جالسة مع صديقتها على كرسي في حديقة عامة فالتصق فستانها بقطعة لبان كانت على الكرسي وعندما أرادت القيام وجدت صعوبة في ذلك ما سبب لها إحراجاً أمام الناس الذين كانوا في الحديقة.
كما أن فستانها احتاج إلى (5) دولارات لتنظيفه وسألت في نهاية رسالتها لماذا هذا التصرف غير الحضاري من بعض الناس «هذه المشكلة على بساطتها كانت مادة بحث لجامعة كاليفورنيا ما دفع رئيس البلدية لأن يصدر أمراً يمنع بيع اللبان للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 10 سنوات، حيث تبين من البحث الذي قامت به الجامعة أن الأطفال هم الذين يلصقون اللبان في أي مكان أمامهم بعد أن يمتصوا منه المادة الحلوة التي تغلفه.
أما في سنغافورة وللسبب ذاته فقد أصبح بيع اللبان (محرماً) وكأنه مادة مخدرة، وذلك بسبب دراسة قام بها أحد المعاهد هناك أثبت فيه أن اللبان يسبب اتساخاً للشوارع وللمكاتب بعد التصاقه بالأحذية.
هذه بعض النماذج البسيطة التي تقوم بها مراكز علمية وجامعات لظواهر نعتبرها نحن لا قيمة لها والسؤال هو لماذا لا تقوم جامعاتنا بالنزول إلى الشارع وتسأل أفراد المجتمع عن هذه الظاهرة السلبية أو تلك وتدرسها وتجد حلاً لها، وإلا فما هو دورها كمؤسسة علمية إذاً»!
هذه المقدمة عن أهمية البحث العلمي والاجتماعي للجامعات أردت سردها لأنني لاحظت منذ فترة طويلة بأنه لا يكاد يمر أسبوع الا وتطالعنا الصحف المحلية بخبر يفيد بأن مجموعة من الأحداث الذين لا تتجاوز أعمارهم الثانية أو الرابعة عشرة سنة يقومون بالسطو على المحلات التجارية وسرقتها في حين يقوم البعض الآخر بكسر زجاج السيارات وسرقة ما فيها من نقود أو هواتف متحركة أو قيامهم بمحاولة استدراج زميل لهم في العمر ذاته وقتله أو قتل حارس في مكان ما من أجل أخذ دراجة هوائية أو نارية وهنا يكمن الخطر في أن يتحول أولادنا الذين هم عماد وطننا ومستقبلنا.
وفي هذه السن إلى قتلة ومجرمين وأصحاب سوابق ورغم أن الصحف تكتب عن هذه الظواهر والتي تتكرر هنا وهناك لم نجد جامعة أو مركزاً للدراسات يحاول أن يدرس هذه الحالات لمعرفة أسبابها ووضع الحلول الناجعة لها ومعرفة الدوافع التي تجعل مثل هؤلاء الصبية الذين هم في عمر الزهور يقومون بمثل هذه التصرفات الغريبة، ومع أن البعض يعزو هذه التصرفات لأفلام الكرتون التي تحمل الكثير من العنف فإن البعض الآخر يعزوها إلى تفكك الأسرة وكثرة الطلاب في حين أن البعض الآخر يرى أن سببها الفراغ وانشغال الوالدين عن أبنائهم ومهما تكن الأسباب فإنها تبقى تخمينات ليس إلا ما دامت هذه الظواهر لم تخضع إلى البحث العلمي والاجتماعي.
أقول هذا بعد أن اتصلت بي سيدة تشرح لي كيف تمت محاولة قتل ابنها (م) البالغ من العمر (10 سنوات) على ثلاثة إخوة تتراوح أعمارهم ما بين (8 ـ 12) سنة ويسكنون في العمارة ذاتها التي تسكن بها السيدة، قالت نتيجة لخلاف بسيط وقع بين ابنها والإخوة الثلاثة قرروا قتله والخلاص منه نهائياً.
وذلك كي لا يروه معهم في العمارة وتضيف السيدة بأن ابنها أبلغها ذلك وأنها خائفة عليه فنصحتها بأن تذهب إلى مركز الشرطة وتسجل قضية ضد الأولاد الذين يهددون ابنها، كانت السيدة مترددة في ذلك فهي كما قالت لا تريد مشاكل لكنها في الوقت ذاته خائفة على ابنها وبعد مضي أقل من أربع وعشرين ساعة كانت السيدة تحمل ابنها بين الحياة والموت إلى المستشفى بعد ضربه بعدة سكاكين في رأسه وصدره، وبصفتي صديقا للعائلة فقد اطلعت على التقرير الخاص بالقضية، يقول التقرير بأن الأخوة الثلاثة خططوا لقتل (م).
ولكي تتم عملية القتل بسرعة ودون ان يكتشفها أحد استعان الأخوة الثلاثة بصدقي لهما «وهنا نلاحظ ان هناك تخطيطاً مسبقا لعملية القتل مع سبق الإصرار والترصد» يقول التقرير بان الأخوة الثلاثة والصديقين وضعوا سيناريو لقتل «م» يتلخص في طعنه طعنات عدة بالسكاكين في رأسه وصدره ثم الهروب من موقع الجريمة بسرعة حتى لا يراهم والد (م) أو والدته وهكذا بدأ الخمسة يترصدون لـ (م) وفي الليلة التي وضعوا فيها الخطة بينما كان (م) عائدا مع أسرته من الخارج نسي لعبته في سيارة أبيه فأخذ المفتاح من أبيه وعاد لأخذ اللعبة فيما ذهب أبوه وأمه إلى شقتهم دون ان ينتظروه.
وبعد نحو ربع ساعة ذهبت الأم لتبحث عن ابنها الذي تأخر فوجدته يسبح في بحر من الدماء فقد هاجمه الصبية الخمسة وضربوه بسكينين في رأسه وصد ره، لم تتمالك السيدة نفسها عندما رأت ابنها على هذه الحال وبدأت تصرخ وتطلب المساعدة حيث حمله أحد المارة وذهب به مسرعا إلى المستشفى وعلى الفور تم إدخال (م) إلى غرفة العناية المركزة حيث بقي فيها نحو 48 ساعة تمكن خلالها الأطباء من اسعافه حيث تجاوز مرحلة الخطر إذ أصابت الطعنات فروة رأسه ولحسن حظه أنها لم تصل إلى الجمجمة بعد أن أفاق (م) من الغيبوبة التي كان فيها أرشد عن الأشخاص الذين هاجموه وحاولوا قتله حيث اعترفوا أمام الشرطة كيف خططوا لقتل (م) ونفذوا ما خططوا له.
في غرفة التحقيق
في غرفة التحقيق وقف المتهمون الخمسة، كان عمر أصغرهم 8 سنوات وأكبرهم «12» سنة بدأت الشرطية التي كانت تحقق معهم مذهولة لهذا الموقف ومشفقة عليهم في الوقت ذاته وأخيرا تمت المصالحة بين العائلتين مع أخذ تعهد على الأولاد أن لا يعودوا إلى ما فعلوه مرة ثانية. وبصفتي صديقا لعائلة (م) فقد سألت أصغر «الجناة» ذي الـ 8 سنوات عمرا.
وقلت له هل تدري ماذا فعلت أنت وأخوتك بـ (م) فقال: لا،قلت له لقد ضربتموه حتى دخل المستشفى، عندها تركني وذهب نحو أمه قلت له تعال حتى أكمل معك الحديث فقال؟: أريد أن آخذ «مصاصتي» من حقيبة أمي أولا نظرت إليه فوجدت كم هو بريء وكذلك كان إخوته رغم ما قاموا به من عمل مع جارهم (م). عندها وجدت أنه من واجبي أن أطلق صيحة من أجل عمل دراسة بحثية جامعية على أن تشترك فيها جهات أخرى لمعرفة سبب جنوح هؤلاء الأطفال إلى العنف.
إعداد أحمد سلطان
