استضاف مجلس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بقصر سموه بالبطين الليلة قبل الماضية محاضرة فكريه بعنوان «بنية التخلف في العقل العربي» ألقاها المفكر إبراهيم البليهي عضو مجلس الشورى السعودي وذلك بحضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبدأ البليهي محاضرته التي قدم لها الصحافي والإعلامي عبد الحميد أحمد رئيس تحرير صحيفة «جلف نيوز» بطرح تساؤل حول أسباب تقهقر العقل العربي رقم التقاء العرب بالحضارة الغربية منذ قرون عديدة ومع ذلك عجز العرب عن مسايرة ومواكبة التقدم الغربي مشيرا إلى ان العرب والمسلمين يعيشون في وضع مزري وبالغ السوء وهم خارج التاريخ بل هم يعرقلون حركة التاريخ مضيفا اننا مازلنا نعيش بعقل ما قبل التاريخ.
وأوضح البليهي أن العالم له مفاتيح ويجب أن نحسن استخدامها معتبرا ان الغرب تقدم عندما تخلص من تقديس المرجعيات وعندما اعمل الفكر الفلسفي المبني على النقد وهو الوقود الذي يحرك العقل الأوروبي فكلما مال إلى الركود جاء العقل النقدي يحركه.
وعاب المحاضر على العقل العربي جموده وركونه إلى المرجعيات مشيرا إلى أن الارتباط بها يفرز نسخا مكررة داعيا إلى الانفكاك من هذا الأسر والى ضرورة إخضاع المرجعيات الى النقد والنقد المضاد والحوار والاختلاف والى عدم إضفاء ثوب القداسة على المرجعيات لافتا إلى اننا اليوم نعيش ثقافة الأموات وليس ثقافة الأحياء الذين يستحقون منا الاحترام و التشجيع لانهم يضيفون الجديد ويساهمون في التغيير والتطور والتجدد خدمة للانسانية بخلاف الاموات الذين انقطعوا عن الحياة واضحوا غير قادرين على العطاء والتفاعل .
وعدد البليهي المتغيرات النوعية التي طرأت على الحضارة الإنسانية والتي كانت مفاتيح التقدم لدى الغرب ومنها التعامل مع العقل بأنه غير منغلق وله فاعليه وقابليه على التشكيل بأشكال متنوعة تستوعب المتغيرات بعيدا عن السائد الذي تعود عليه .
كما أشار إلى أن الانتقال من المطلق إلى النسبي هو احد المتغيرات التي طرأت على الحضارة الإنسانية فلا يوجد كمال مطلق أو معرفة مطلقة بل الأمور تكون نسبية.
واضاف ايضا الى ان الانتقال من الاعتماد على الارض ونتاجها الى الاعتماد على الانسان وطاقاته وابداعاته في هذه الحياة احدث تحولا نوعيا في الحضارة الانسانية وساهم الى حد كبير في تطور البشرية.
كما سرد الاستاذ ابراهيم البليهي عدد من الانتقالات الفكرية التي حدثت في الحضارة الانسانية وكانت اساسا في التحولات الجذرية التي طرأت عليها وافرزت نماذج متقدمة من المجتمعات المتفاعلة مع متغيرات الحياة ومنها الانتقال من المحال الى الممكن وانه لايوجد مستحيل في الحياة في حين ان الحضارة الراهنة انتقلت بالعكس اضافة الى الانتقال من تجريم الخطأ الى امتداحه.
مشيرا الى ان المبدعين مروا بأخطاء كثيرة حتى وصلوا الى الصواب مستشهدا بمقولة لهيجل/ يجب ان ننتقد الخطأ لا ان ندينه / كذلك الانتقال من الذاتية المفرطة الى الموضوعية النسبية والانتقال من العقل الشعري الى العقل المنطقي والانتقال من ثقافة الاخضاع الى ثقافة الاقناع وضرب هنا مثالا باليهود وكيف ان تعدادهم في العالم لا يتجاوز تعداد سكان مدنية القاهره فقط الا ان سطوتهم وتفوقهم وتحكمهم بالسياسات الغربية دليل توظيفهم الناجح لاسلوب الاقناع .
كما واصل عضو مجلس الشورى السعودي حديثه حول المتغيرات المؤثرة في مسيرة الحضارة الانسانية فأكد ان الانتقال من تبجيل العقل المتردد الى تشجيع العقل الفاعل ساهم بوضوح في تحرير العقول والافكار والسير بها نحو مراتب النهضة والتقدم وعرض حالة اندونيسيا وكيف فهمت مفاتيح الازدهار لدى الغير واستثمرت امكانياتها بكفاءة فحققت انجازات مشهودة مؤكدا اهمية مسألة القيادة والانقياد والى اين يمكن ان توجه اهتمامات الناس وفي اي اتجاه.
وتحدث عن متغير اخر وهو الانتقال من علاقات القوة والنزوة الى علاقات القانون والقيم العدالة والتي وفرت للعقول فرصة للإنصراف الى الابداع والتألق وطرح الافكار والاراء دون رهبة او خوف .
وذكر البليهي ان الثقافات كيانات ابدية لايمكن ان تهتز بل تتحرك وتطور وتتفاعل مع معطيات العصر ولاخوف عليها بل لابد لها من الاحتكاك والمنافسة حتى تتحسن الاشياء وكذلك الافكار بدون صراع فكري او نقدي لن تتقدم الامور ولابد ان يتاح للافكار ان تصل الى العامة وتتداول بين الجميع حتى تتبلور الرؤى المناسبة والتي تصب في صالح البشرية .
ووصف البليهي في ختام حديثه العقل العربي بانه اكثر من متخلف قائلا نحن لانستحق وصف التخلف لان جهلنا مركب ووضعنا سيئ للغاية ولم نعترف به وما زلنا نكابر ولم نبدأ وفيما الآخرون يمشون بسرعة الضوء نحن نتقهقر فحديثي هو عن الحاضر وليس عن الماضي والذي على الرغم من اشراقه الا انه اشتمل على صور مشوهة لمسيرة العلماء الذين تعرضوا للهجوم والمصادرة واحراق الكتب مشددا على ان الوضع العربي لايسر الى درجة انه ميؤوس منه داعيا الى ضرورة ان نؤسس علما للجهل وان ننفك من هذا الاسر ونلحق بالاخرين .
وعقب المحاضرة فتح باب النقاش والتعليق وبرز عدد من المداخلات ووجهات النظر التي خالفت المحاضر في رسم هذه الصورة القاتمة للوضع والعقل العربي داعية الى الابتعاد عن مسألة التعميم والنظر بتفاؤل الى العقول العربية وقدراتها على احراز التفوق والنجاح متى ما وفرت لها الامكانيات والدعم اللازم وشواهد التاريخ كثيرة في حين جاءت الاراء الاخرى حول ضرورة التجديد وفتح باب الاجتهاد وعدم التقيد بالمرجعيات باعتبار العصر عصر تحول وتجدد ويحتم مواكبته ومسايرته مع التمسك بالقيم والمبادئ العربية والاسلامية.
حضر المحاضرة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وسمو الشيخ طحنون بن محمد آل نيهان ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الشرقيه وسمو الشيخ سرور بن محمد آل نهيان وسمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسه وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجيه وسمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفه آل نهيان رئيس ديوان ولي العهد وسمو الشيخ محمد بن خليفه آل نهيان رئيس دائرة الماليه ومعالي احمد خليفة السويدي ممثل صاحب السمو رئيس الدولة ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الاشغال العامه والشيخ احمد بن سيف آل نهيان رئيس مجلس ادارة طيران الاتحاد وعدد من الشيوخ والمعالي والوزراء واعضاء المجلس التنفيذي لإمارة ابوظبي وكبار ضباط القوات المسلحه والشرطه وجمع من ممثلي الدوائر والهيئات الحكوميه في ابوظبي وكبار المسؤولين في الدولة.

