يشكل القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 2006 بشأن حماية المستهلك والذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، نقلة نوعية باتجاه تأمين عيش مستقر وآمن للمواطنين والمقيمين في الدولة. وكان غيابه قد أدى إلى ظواهر سلبية وممارسات خاطئة في بعض القطاعات التجارية وسمح بارتفاع الأسعار بصورة مبالغ فيها.

وقد لاقى صدور القانون ارتياحا لدى فئات المجتمع خاصة من ذوي الدخل المحدود الذين وجدوا فيه سبيلا لحمايتهم والتخفيف عنهم، من خلال تشريعات تضع حدا للغش والخداع والتلاعب بالأسعار وتحسن ثقافتهم الاستهلاكية ووعيهم بحقوقهم والتزاماتهم كمستهلكين.

ونظرا لأهمية هذا القانون وتأثيره في رفاهية المجتمع واستقراره، نظمت وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» ندوة بعنوان «قانون حماية المستهلك.. الآليات والتحديات» دعت إليها نخبة من الخبراء وممثلين عن الجهات المعنية والقطاع الخاص.

وقد نوقش خلالها بنود القانون وآليات تنفيذه وما يتضمنه من حقوق والتزامات. كذلك تطرق النقاش إلى تأثير صدور القانون على استقرار الحياة الاقتصادية في الدولة، وحقوق المستهلك ودور إدارة حماية المستهلك في منع الغش والاحتكار والتلاعب بالأسعار، ودور الإعلام في حماية المستهلك ونشر الوعي الاستهلاكي.

بدأ الندوة د. محمد عبدالله المطوع رئيس وحدة الدراسات فرحب بالمشاركين مؤكداً على اهمية صدور القانون، ومما جاء في مداخلته: « تنبع أهمية صدور القانون في ظل معاناة يومية يعيشها المواطنون والمقيمون على حد سواء من الغلاء وارتفاع الأسعار، بدءا بالإيجارات وصولا إلى ابسط السلع التي ارتفعت أسعارها بشكل غير مقبول ووصلت إلى الضعف في بعض الأحيان.

والملفت أن الزيادات في الرواتب لم تكن كافية لتغطي ما يمكن وصفه بجشع بعض التجار، الأمر الذي دفع برئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، إلى إصدار القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 2006 المتعلق بحماية المستهلك. وبدون شك سيكون للقانون تأثير إيجابي في المجتمع وتبدو الأوضاع الآن تسير باتجاه تنظيم أفضل للحياة الاقتصادية والاجتماعية في الدولة.

هدفنا الرئيسي من الندوة هو التوعية وإلقاء الضوء على القانون واللائحة التنفيذية ليطلع عليهما كل من لديه اهتمام بحماية المستهلك. فلنبدأ الجلسة بالحديث عن القانون وتجليات تأثير صدوره على استقرار الحياة الاقتصادية في الدولة.

ـ علي الأحبابي: لا شك أن القانون الاتحادي الصادر رقم 24 لسنة 2006 يحمل في طياته حماية تشريعية وقانونية للمستهلك، وهي فاعلة بكل تأكيد. وصدور هذا القانون يعكس مدى إدراك القيادة السياسية واهتمامها بقضية حماية المستهلك بعد ان لوحظ في الفترة الأخيرة وجود ارتفاع في الأسعار يشمل المواد الغذائية والاستهلاكية عموما، مما يشير إلى جشع بعض التجار.

ومن وجهة نظري، صدور مثل هذا القانون سيعكس نوعا من التغيير السلوكي سواء على مستوى المستهلك أو المنتج. وهذا السلوك بطبيعة الحال ينقسم إلى قسمين: سلوك إيجابي وسلوك سلبي لدى الطرفين.

بالنسبة للسلوك الايجابي، من المتوقع، بعد صدور هذا القانون والتعرف على بنوده ومواده، ان نشهد نوعا من إشاعة ثقافة المستهلك وهذه ثقافة سليمة تؤدي إلى وعي وإدراك المستهلكين عند توجههم إلى الأسواق لتوفير احتياجاتهم من السلع والخدمات، أن هناك جهة مسؤولة يمكن اللجوء إليها للشكوى إذا ما لوحظ ارتفاع في أسعار بضائع معينة ونوع من المغالاة في ارتفاعها.

أما بالنسبة للسلوك الايجابي لدى المنتج، فمن المتوقع أن يوفر صدور هذا القانون بيئة مناسبة خالية من الغش والتلاعب بالأسعار. بالتالي، فإن هذا القانون يحمي حقوق المستهلك من جهة وينظم المنافسة الشريفة ويعالج الاحتكار بين المنتجين من جهة أخرى.

ـ د. محمد المطوع: كذلك، من خلال هذا القانون يصبح ممكنا القضاء على الاحتكار وتشجيع المنافسة.

ـ علي الأحبابي: بالنسبة للسلوك السلبي، أرى انه من المهم أن يتصف الوعي لدى المستهلك بالموضوعية، بمعنى يجب خلق علاقة بين المنتج والمستهلك أساسها الثقة وليس الانتقام.

فلا يجوز على سبيل المثال أن يكون هناك سلعة سعرها مقبول ويلجأ المستهلك للشكوى لدى الجهات المعنية لمجرد الانتقام. قد يكون هناك تجاوز من التاجر الذي من المرجح أن يعدل موقفه من قبل الجهات المعنية. أما السلوك السلبي للمنتج فيمكن أن يبرز من خلال استخدامه أو لجوئه إلى طرق ملتوية في محاولة للتهرب من تطبيق القانون. وهذا يضع مسؤولية استدراك هذا الأمر على عاتق الجهات المعنية.

ـ د. محمد المطوع: ولكن يمكن تدارك هذا الموضوع من خلال اللوائح التنفيذية. القانون نفسه لا يوجد فيه ثغرات لكن فيما لو حاول البعض استخدام بنوده التي تحمل أكثر من تفسير في غير مكانها، يمكن من خلال اللائحة التنفيذية ضبط هذه الممارسات بشكل أكبر والتخفيف من عمليات التلاعب والغش.

ـ د. هاشم النعيمي: في الحقيقة، القانون خلال صدوره أثار لدى المزودين في دولة الإمارات رد فعل إزاء ما قد ينتج عند البدء بتنفيذه؟ وطرحت تساؤلات حول تأثيره على المزودين، هل سيكون سلبيا أم إيجابيا؟ وأنا قبل أن انتقل لأكون مسؤولا في حماية المستهلك كنت باحثا في المجال نفسه. بالنسبة لتأثير القانون على الحياة الاقتصادية في الدولة، أولا من المفترض أن يخلق القانون بل من مهامه خلق نوع من الثقة والود بين المزودين والمستهلكين.

ومن المؤكد أن رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، لن يصدر قانونا إلا لهذه الغاية بحيث يسعى من خلاله إلى خلق أجواء من الود والتعاون بين المزودين كقطاع خاص والحكومة كإدارة حماية المستهلك والمنظمات غير الحكومية كجمعية الإمارات لحماية المستهلك. ولا شك أنه في ظل أجواء تتسم بالتعاون بين الأطراف الثلاثة تلك سوف نصل إلى الهدف المرتقب في أن تؤدى الخدمة على أفضل وجه وأن تباع السلعة بأعلى جودة.

القانون يحاول تسليط الضوء على وجود ضوابط وعقوبات لمن يخالف بنوده وخاصة في مسألة الاحتكار وسحب السلع والغش بها، ومن المتوقع بعد تطبيقه أن يكون له تأثير إيجابي وسوف يظهر ذلك للعيان.

ان عملية التوعية هامة في بداية تطبيق القانون، وقد تكون من أهم الأمور التي تسعى الوزارة إلى تحقيقها، وعلى وجه التحديد من خلال دعوة المستهلك إلى التوجه لشراء سلع لها مواصفات مطابقة وارخص من سلع أخرى اعتاد على شرائها. والهدف من ذلك هو خلق جو من المنافسة بين المزودين ومن الثقة بينهم.

القانون يحاول محاربة الاحتكار الذي يضر بمبادئ وشرف المهنة ويضع ضوابط له، وحتى اللائحة التنفيذية التي ستصدر قريبا ستضع ضوابط له قد تؤدي بالشخص المحتكر إلى القضاء.

ـ أحمد الحمادي: لا شك في أن صدور قانون حماية المستهلك في صالح المستهلك في البداية، لكن صدوره أيضاً يؤدي إلى استقرار الحياة الاقتصادية للكثير من المواطنين والمقيمين في الدولة، والى التزام الكثير من التجار والموردين بالمنافسة الشريفة أو المنافسة التجارية المشروعة التي تؤدي إلى الحد من ارتفاع الأسعار.

كذلك، فإن صدور قرار مجلس الوزراء بشطب وكالات المواد الغذائية سيؤدي إلى فتح المنافسة التجارية المشروعة بين التجار وينتج عن ذلك انخفاض في الأسعار ينعكس لصالح المستهلك. وبدون شك سيؤدي القانون في حال قيام بعض الموردين أو التجار برفع الأسعار أو التلاعب بالسوق، إلى تطبيق العقوبات التي قررها بحقهم.

محمد هلال المروشدي: أقول بداية إن الحلم أصبح حقيقة. كنا كمسؤولين في الدولة سواء في السلطات الاتحادية أو المحلية، نتطلع بكل اهتمام لصدور قانون حماية المستهلك وكنا نعاني من عدم وجوده، واعتقد أنه في ظل غياب القانون كان بعض التجار يتجرأون على رفع الأسعار إلى مستويات غير مقبولة وقد وصل بهم الجشع إلى أقصى حدوده وأصبحت معاناة المستهلكين تزداد يوما بعد يوم.

ولقد تبين لنا من خلال الشكاوى التي ترد إلى الدائرة الاقتصادية في دبي ان أغلب التجار لا يتجاوبون إلا بصعوبة في حل شكاوى المستهلكين، لأنهم على علم بأنه لا يوجد أصلا قانون يعاقبهم أو يحد من ممارساتهم المضرة بالمستهلكين.

وبالتالي، فإن صدور القانون بحد ذاته يعطي نوعا من الاستقرار والآمان للمستهلكين سواء أكانوا مواطنين أو مقيمين. ومن جهة أخرى، يجعل التجار يعيدون حساباتهم ويفكرون ألف مرة بنوع البضاعة المباعة للمستهلك ومدى جودتها وخلوها من العيوب ومن الغش.

فقد أصبح هناك قانون ينظم الأوضاع ويعاقب المخالف، وأصبحت الحكومة المتمثلة بإدارة حماية المستهلك بالتعاون مع الجهات المعنية متابعة لكل صغيرة وكبيرة. واعتقد ان المسؤولية الملقاة على عاتق هذه الأطراف كبيرة جدا. فبالرغم من أننا أزلنا موضوع احتكار السلع وفتحنا الأبواب، إلا ان متابعة مصدر السلع يشير إلى أن الموردين يستوردون بضائعهم من بلدان مختلفة، إلا أنهم ينسجون مع المزودين في الدولة علاقة كبيرة.

وهناك للأسف اتفاقات خفية بين التجار على المستهلكين، اتفاقات معينة في الأسعار والزيادات عليها. وكما أشار د. محمد المطوع، فانه بمجرد سماع خبر عن زيادات في الرواتب للموظفين حتى ترتفع الأسعار بنسب تفوقها.

سوف ينظم القانون كل هذه الأمور وسيشكل وجوده نوعا من الاستقرار في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي سيسمح بمزيد من الاستقرار في حياة أولياء الأمور الذين باتوا ينفقون الكثير في سبيل تأمين مصاريف بيوتهم. ففي ظل الأسعار الحالية، لم يعد المرء يكتفي بدخله من العمل الحكومي بل نراه يبحث عن مصدر دخل آخر من أعماله الخاصة لتغطية مصاريفه اليومية الحياتية. وأعتقد أن هذه الأمور سوف يعاد النظر فيها ليصبح بمستطاع المرء تنظيم أموره من راتبه ويستقر في حياته الاجتماعية.

موضوع التوعية يتصف بالأهمية وهو من مسؤولية الحكومة وموظفيها الذين عليهم الإطلاع بهذه المهمة من أصغرهم إلى أكبرهم. وهذه التوعية هي للمستهلك والتاجر على حد سواء. وأعتقد ان توعية التاجر لا تقل أهمية عن توعية المستهلك نفسه.

ويجب خلق أجواء تشعر التاجر عندما يبيع بضائعه بأنه يخدم نفسه بالدرجة الأولى قبل أن يخدم المستهلكين. لذا يجب توعية التاجر لكي تتمكن الحكومة من حمايته ومساعدته، فتقوم بتشجيعه إذا استورد سلعا ذات جودة عالية ومواصفات جيدة فيها ما هو لصالح المستهلك، كذلك تقوم بتوعية المستهلكين باقتناء البضائع الجيدة التي لا تسبب ضررا عليهم من الناحية الصحية أو الاجتماعية. وهذا ما يجب التركيز عليه، فلنبارك صدور القانون وللجهات المعنية بتطبيقه على أكمل وجه إن شاء الله.

ـ جهاد كاظم: إصدار القانون بادرة جيدة من الحكومة. والقانون في البداية يمكن أن يؤثر بالسوق من ناحية أنه قد يخلق ارتباكا لدى المزودين بالذات، لأن التجار تعودوا المتاجرة والعمل من دون أي قانون. سيواجهون وضعا جديدا حيث أن تجارتهم ستغدو في ظل نظام رقابة من الحكومة نفسها.

وهذا القانون سيساعد في مسيرة الاقتصاد في الدولة بالإضافة إلى حفاظه على سمعة دبي التجارية والإمارات ككل. ونحن نرحب بهذا القانون لأنه يشجع على ما يسمى أخلاقيات المهنة أو أخلاقيات ممارسة التجارة، ومن عناصرها الأمانة والثقة ومنع التلاعب والمنافسة الشريفة.

ومن وجهة نظري، طالما ان القانون في بداياته وبما انه أول قانون يصدر في هذا الإطار فسيكون بالتأكيد عاما. ويمكن أن تظهر بعض المشاكل في الممارسة، وطبعا كل قانون قابل للتعديل، ولكنه كبداية يشكل بادرة جيدة لأن الكثير من الدول لديها مثل هذا القانون في حين الإمارات لم يكن لديها. بالتالي، فإنه يزيد من استقرار الاقتصاد في الدولة على المدى البعيد ويزيد من اطمئنان المستهلك نفسه.

ـ د. محمد المطوع: أوجه سؤالي للأستاذ حميد الدرمكي، أنتم كشباب تمثلون الجيل الجديد من المؤكد تشعرون بالزيادة الكبيرة في أسعار السلع لاسيما الاستهلاكية منها حتى لو لم يكن لديكم مسؤوليات عائلية حاليا، وكما تعلمون ربما أكثر فئة تعاني من الضغوطات هي أصحاب الدخل المحدود من مهندسين وأطباء وغيرهم. فأنتم كشباب وطلاب جامعات كيف تنظرون إلى هذا القانون؟

ـ حميد الدرمكي: نحن اليوم نشهد انتشارا في شراء السلع المقلدة والحديث يدور عن حرية المنافسة. لقد ركزتم في الندوة على قضية توعية المستهلك والتي أعتقد أنها أهم قضية تثار في مجال حماية المستهلك، لأن المستهلكين اتجهوا إلى شراء السلع المقلدة وهم على يقين بأنها مقلدة.

ويعلمون جيدا انه إذا أصابها عطل لن يتمكنوا من إعادتها أو إصلاحها كما لو أنها أصلية ورغما عن ذلك يشترونها. فبالتالي توعية المستهلك بالمنتجات وحرية المنافسة تؤديان إلى وضع قواعد وقوانين تساعد المستهلكين من جهة وتحث المنتجين على بذل المزيد من الجهد لتقديم سلع جيدة.

ـ د. محمد المطوع: لنتذكر أزمة الأرز حين لم يكن لدينا قانون. نحن الآن على في شهر رمضان وسوف يزداد الاستهلاك بشكل كبير. تصوروا كم ستكون نسبة الزيادة في الأسعار في شهر رمضان لو لم يكن القانون موجودا، ربما ألف بالماية! وهذا يشير بدون شك إلى إدراك القيادة السياسية بأهمية القانون لكسر الاحتكار، وهذا الأمر حدث فعلا، وكما تعلمون، للأسف الشديد، فإن أغلب المتاجرين بالمواد الغذائية من غير المواطنين وهم يتلاعبون بالأسعار ويتفقون على زيادتها.

وأتذكر في هذا السياق حادثة بسيطة لها مدلولات، في أحد الأيام وأنا في سوق الخضار، سألت البائع عن سعر صنف من الخضار، فأجابني: 10 دراهم، فقفز أحدهم من الخلف محتجا بلغة الاوردو: 20 درهما. وعلى ما يبدو كان هناك اتفاق في السوق. وقد ارتفع السعر من 10 دراهم هو السعر الفعلي إلى 20 درهما.

وبالتالي إصدار القانون ينظم هذه الأمور ويكسر الاحتكار، وقد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى دخول بعض المواطنين في سوق العمل بتجارة المواد الغذائية. وهذه قضية مهمة جدا. فكسر الاحتكار خطوة يمكن ان تفيدنا مستقبلا، كما أنها تحافظ على استقرار المجتمع، ذلك انه قبل صدور القانون هناك الكثيرون ممن رحلوا عوائلهم إلى بلدانهم وخاصة من الإخوة العرب نتيجة لارتفاع الأسعار الجنوني.

وكلنا نتذكر القرار الذي أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الخاص بالإيجارات والقاضي بعدم رفعها بأكثر من 15%.

وهذه المبادرة الكريمة خطوة ايضا ضمن حماية المستهلك. هذا في الوقت الذي شهدت فيه بعض الإمارات الأخرى ارتفاعا في الإيجارات من 26 ألف درهم إلى 60 ألفا، مما اثر على ميزانية المستأجرين الذين باتوا ينفقون كامل رواتبهم على الإيجارات.

ومن هنا أهمية صدور القانون ومن ثم اللائحة التنفيذية لتغطي بعض الثغرات التي تثير المخاوف لديكم. وطبعا القانون يصدر لأول مرة ومن المؤكد أن يحاول المشرع من خلال اللائحة التنفيذية ان يتلافى أي ثغرات قد تبرز بشكل عام.

ـ علي الأحبابي: من الواضح أن اثر القانون الاتحادي لحماية المستهلك يطال بعض المؤسسات الأخرى على سبيل المثال المحاكم حيث يخفف وطأة الضغط عليها. فالمستهلك بدل ان يذهب بالشكوى إلى المحكمة يتجه عوضا عن ذلك إلى إدارة حماية المستهلك، حيث يكون هناك خط ساخن لتلقي الشكاوى.

ولقد قرأت ان إحدى الدول التي لديها قانون لحماية المستهلك يوجد فيها لجنة لفض المنازعات بين المستهلك والمنتج، وهذه استطاعت أن تحل قرابة 95% من المشاكل قبل ان تصل إلى مستوى المحاكم حيث مستوى الخلاف كبير.

القانون أيضا له تأثير على مؤسسات المجتمع المدني. فاللجنة العليا لحماية المستهلك رئيستها معالي وزيرة الاقتصاد، الشيخة لبنى القاسمي، ومن أعضائها جمعية حماية المستهلك والتي هي إحدى جمعيات المجتمع المدني ومؤسساته، وهذا بحد ذاته تدعيم لشراكة مؤسسات المجتمع المدني في حل المشاكل المتعلقة بحماية المستهلك.

ـ د. محمد المطوع: أتوجه بالسؤال إلى د. هاشم النعيمي، ماذا ينص القانون بخصوص حماية المستهلك وحقوقه والقطاعات المشمولة؟ وطبعا للإخوان في الدائرة الاقتصادية تجربة في هذا الجانب.

ـ د. هاشم النعيمي: حقوق المستهلك هي عالمية أساسا. ففي عام 1962 بمبادرة من الرئيس جون كنيدي، دعى الكونغرس الأميركي إلى مراعاة حقوق المستهلك التي كانت تتضمن أربعة حقوق، حق الأمان، وحق الحصول على المعلومات، وحق الاختيار، وحق سماع رأي المستهلك.

وفي عام 1985، عززت هيئة الأمم المتحدة هذه الحقوق بإصدار أربعة حقوق أخرى، هي حق التمتع ببيئة نظيفة، وحق إشباع الاحتياجات الأساسية، وحق التعويض، وحق التثقيف. في سنة 1990، أضافت الجمعية الهندية حقاً تاسعاً سمي حق المقاطعة.

الحقوق الثمانية الأولى هي حقوق عالمية وموجودة في قانون حماية المستهلك الذي صدر مؤخرا، أما مدى شموليتها فاعتقد أنها شاملة بما فيه الكفاية، فحق الأمان معروف لدى الجميع وهو لحماية المستهلك من كل ما يؤدي إلى مخاطر على صحته وحياته، أما حق الحصول على المعلومات.

فيؤكد على حق المستهلك في الحصول على المعلومات عن أي سلعة حتى لو انتهى به الأمر بعدم شرائها وتزويده بالحقائق التي تساعده على الاختيار السليم، وهناك حق الاختيار بين العديد من المنتجات والخدمات، ومن ثم هناك حق إسماع رأيه إلى اي مزود أو جهة أخرى يتوجه إليها.

أما حق التمتع ببيئة نظيفة فيتعلق بموضوع التلوث ومن حق اي مستهلك في اي مكان في الإمارات ان يتمتع ببيئة نظيفة سواء في الطعام أو الهواء او الطريق، وهذا الحق يمكن المطالبة به مستقبلا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك حق إشباع الاحتياجات الأساسية، وهناك مستهلكون لا يملكون هذه الاحتياجات أصلا ومن حقهم المطالبة بها، كذلك حق التعويض للمستهلك في حال تعرضه لحادث سبب له ضررا، على سبيل المثال إذا تضرر بسبب الأكل في مكان ما من حقه أن يطالب بتعويض عن طريق القضاء، فالمزود يخالف القانون إذا سمح لنفسه عرض بضاعة غير صالحة أو منتهية الصلاحية.

وعملية الثتقيف في الإمارات مهمة ويمكن إجراؤها عن طريق الندوات والاجتماعات والدورات التدريبية أو من خلال وسائل الإعلام، ولا بد من تثقيف المستهلك وتغيير اتجاهات سلوكه، فالمستهلكون في دولة الإمارات أصبحوا معتادين على بعض المزودين، ونراهم يمتنعون عن الشراء في حال فقدان ماركة صنف مشهورة في دولة الإمارات من الأسواق. لذا المطلوب ان يسعى المزودون سواء الجمعيات أو الأسواق إلى وضع خطة لتغيير اتجاهات المستهلك.

وإلا فإن شخصا ما سوف يتحكم بالسوق. ومحاولة وضع بدائل عن طريق الدعاية، فالمزود سواء السوبر ماركت أو غيره لن يستطيع أن يبيع ماركة صنف معين إذا ارتفع سعرها أو إذا لم يعد بإمكان المستهلك ان يشتريها. أما حق المقاطعة، لن نتكلم عنه لأنه غير مشمول.

ـ د. محمد المطوع: لكن الناس مارست حق المقاطعة في فترات معينة، وشهدنا في فترات محددة مقاطعة للبضائع الأميركية والصينية والانجليزية ولدينا مقاطعة للبضائع الإسرائيلية التي ما زالت سارية المفعول إلى الآن، كذلك شهدنا مقاطعة للبضائع الدنماركية خلال أزمة الرسوم الكاريكاتورية. الناس قاطعت بنفسها دون الرجوع إلى أحد.

ـ د. هاشم النعيمي: لكن اريد أن أوضح أمرا اغفلناه. تناولت كل من هيئة الامم المتحدة وحتى الكونغرس الأميركي حقوق المستهلك، ونحن نريد أن نتكلم عن واجبات المستهلك. فالمستهلك بعد تثقيفه سيكتشف أنه بعد ان امتلك حقا بات عليه واجب. ولا يجب وضع الحمل كله على الحكومة، بل لا بد للمستهلك من أن يتحمل جزءا من المسؤولية.

ـ د. محمد المطوع: من المؤكد أن المستهلك فيما لو شاهد بضاعة مقلدة وما شابه ذلك سيذهب للتبليغ عنها. لكن هناك نقطة أثارها الأخ حميد الدرمكي تتعلق بتوجه الناس لشراء البضائع المقلدة، بحسب رايي يعود هذا إلى رخص سعرها حيث يقل سعرها أحيانا اضعافا عن السلع الأصلية وهي قد تعمر لفترة مماثلة. إذا يلجأ المستهلك إلى البضاعة المقلدة لأن سعرها ارخص، بالتالي، «مجبر أخاك لا بطل».

ـ حميد الدرمكي: لكن إذا استمرت هذه الحالة فكونوا على يقين وهذا أمر متوقع مستقبلا أننا سنواجه صعوبة في تغيير هذه العقلية لدى المستهلكين بالرغم من دور الإعلاميين والمنتجين في تغيير وعي المستهلك.

ـ د. محمد المطوع: لدينا إشكالية رئيسية للأسف وهي ان مجتمعاتنا كلها استهلاكية غير منتجة. ذكر الأخ أوروبا، لكن الأوروبيين يستهلكون جزءا كبيرا من انتاجهم. نحن مشكلتنا الرئيسية أننا نستهلك كل شيء من الألف إلى الياء من الخارج، كل ملابسنا وسياراتنا وطعامنا سلع من الخارج.

وبالتالي، هنا تأتي أهمية القانون في الحد من التلاعب، حتى لا تستورد بعض الشركات بضائع على انها أصلية وهي غير ذلك، وكلنا نعرف انه يمكن الحصول على ساعة مقلدة من أحد بلدان جنوب شرق آسيا لا يمكن ان يميز بينها وبين الأصلية حتى الباعة، ويمكن شراؤها ب 500 درهم وقيمتها 35 درهما ومن المستحيل التمييز بينها.

ـ جهاد كاظم: اتفق معكم أنه لا بد من توعية المستهلك، لكني أرى ايضا أهمية توعية التجار أنفسهم والمزودين الذين يجب ان تكون لديهم القناعة بما يسمى «خدمات ما بعد البيع»، فلا تنتهي العلاقة بينهم وبين المستهلك بمجرد بيعهم البضاعة له. قد يكون هناك عيب ما في البضاعة وهذا يعطي المستهلك الحق في أن يعيدها للبائع أو المزود الذي يصبح ملزما في أن يصحح خطأه إما بتبديل البضاعة أو بإصلاحها.

وفي مرات عدة توضع في أسفل الفاتورة عبارة « البضائع المباعة لا تستبدل ولا ترد »، وهذه العبارة تمثل طبعا شرطا تعسفيا من وجهة نظري لأن البائع ملزم باستبدال البضاعة أو ردها. فالعلاقة لا تنتهي بين المستهلك والبائع عند بيع البضاعة واستلام ثمنها، إذ ان هذا الاخير ملزم في المضي في العلاقة مع المستهلك إذ يمكن أن يكون هناك عيوب في البضاعة المباعة. ويفترض عدم وضع مثل هذا النوع من العبارات في الفاتورة أصلا.

الحجة الثانية التي تساق في هذا الإطار، ان المزود لا يتحمل مسؤولية العيب في البضاعة التي يبيعها للمستهلك حين يسعى هذا الأخير لاعادتها اليه، لأن لا علاقة له بالمنتج، فهو يستوردها من المورد الذي عليه تحمل المسؤولية أما هو فمجرد طرف في عملية البيع.

لكن المزود في الواقع ملزم أمام المشتري أو المستهلك، فإذا إحتاج الامر عليه ان يعوض على هذا المستهلك ومن ثم بإمكانه مراجعة مورد البضاعة لأن المستهلك بكل بساطة لا علاقة له بالمنتج المستورد من خارج الدولة. طبعا كل هذه الأمور تتطلب توعية التجار بأنهم ملزمون بخدمات ما بعد البيع، وعليهم معرفة التزاماتهم وواجباتهم.

ـ د. محمد المطوع: ما لاحظته في الفترة الاخيرة هو أمر جديد في الإمارات، محل تجاري يعطي حق ضمان لبضاعة مدة سنتين بالإضافة إلى حق رد البضاعة خلال فترة 30 يوما في حال لم ترض المستهلك وحتى لو تم استخدامها. وهذه العبارة لم تكن موجودة سابقا في المراكز التجارية وتفاجأت بها فعلا وقد شعرت وكأني أدخل متجرا في أوروبا او أميركا.

ـ محمد هلال المروشدي: بالنسبة لموضوع التوعية، أريد أن أشير إلى أنه في ديننا الحنيف هناك حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فيه «من غشنا ليس منّا»، وهذا أعتبره أهم ثقافة للتاجر قبل أن يأتينا القانون الأميركي وحقوق جون كندي وغيرهم. ديننا الحنيف نابع من هذه الأخلاق، والدول المتقدمة أخذت الأمور الجيدة في ديننا.

وفي حادثة أخرى، دخل الرسول إلى أحد المحلات وعاين البضاعة فوجدها جيدة من الخارج وقد أصابها البلل من الداخل، فكان منه ان طلب من البائع إظهار أنها مبللة، على أساس ان يعطي المستهلك حرية الخيار في أن يشتريها من عدمه. فديننا الحنيف أمر بهذه الأمور ودعا لثقافة وتوعية التاجر.

وأود أن أعقب على موضوع «البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل»، هذه العبارة فيها نوع من التعسف وهي من وجهة نظري غير قانونية لان البضاعة المباعة ترد وتستبدل إذا كان فيها عيب او ضرر أو عيب خفي يمنع استخدامها. إذا متى البضاعة لا ترد ولا تستبدل؟

إذا حققت الغرض الذي اشتراها المستهلك من أجله حينها لا ترد ولا تستبدل، بمعنى اذا كانت المواصفات مطابقة لما طلبه المستهلك وليس فيها عيب ويريد المستهلك على سبيل المثال استبدالها بلون آخر، يصبح التاجر هنا مخيرا في استبدالها لأن المستهلك اخذ البضاعة حسب متطلباته. ويفترض أن العقد بين البائع والمستهلك هي الفاتورة.

وبما ان المذكور في الفاتورة والمتوفر في البضاعة لهما نفس المواصفات المطلوبة اعتقد ان عملية إجبار التاجر بتغيير البضاعة هي تعسف بحقه في هذه الحالة. ونحن نطلب من وزارة الاقتصاد المتمثلة في إدارة حماية المستهلك التأكيد على التاجر حذف هذه العبارة من الفواتير لأن فيها نوعا من التعسف.

ـ د. محمد المطوع: أليس الأمر عائدا للمستهلك في نهاية المطاف فإن لم تعجبه هذه العبارة فليكف عن الشراء، أو ليطلب مثلا إلغاء هذه العبارة من الفاتورة. لا يوجد وعي لدينا وهنا المشكلة والقانون لا يحمي في حال التوقيع.

ـ د. هاشم النعيمي: وإذا كان هناك بدائل اعتقد انه من واجبات المستهلك التأكد من ان البضاعة سليمة وأن يختار جيدا لأن القانون لا يحمي في حال التوقيع.

ـ محمد هلال المروشدي: إذا قلنا للمستهلك بأن له الخيار في الشراء من عدمه، المرجح انه سيكف عن الشراء لأن أغلب المحلات تضع هذه العبارة.

المشاركون في الندوة

ـ د. هاشم سعيد النعيمي

مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد

ـ محمد هلال المروشدي

مدير إدارة الرقابة والحماية التجارية في دائرة التنمية الاقتصادية - دبي

ـ أحمد الحمادي

باحث قانوني في دائرة التنمية الاقتصادية - دبي

ـ جهاد عبد الرزّاق كاظم

مديرة الخدمات القانونية للأعمال في غرفة تجارة وصناعة دبي

ـ علي حصين علي الأحبابي

باحث في العلوم السياسية

ـ حميد جمعة علي الدرمكي

باحث قانوني

أدار الندوة : د. محمد عبدالله المطوع

أعدها للنشر: نهى حوّا وموسى ابو عيد

وحدة الدراسات