أكد المشاركون في المجلس الرمضاني العلمي لعلي الهاشمي المستشار للشؤون الدينية والقضائية في قصر الرئاسة الذي عقد الليلة قبل الماضية في أبوظبي على تسامح الإسلام الذي أكدته المواثيق والأحلاف الإسلامية ومنها دستور المدينة المنورة الذي وضعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع تعددي مكوَّن من يهود ونصارى ومسلمين ووثنيين.

وأراده عليه السلام عقداً اجتماعياً ينظِّم العلاقة بين القبائل على أساس وحدة سكان المدينة، والمساواة بينهم في الحقوق والكرامة الإنسانية، والعمل على رفع الظلم، والاحتكام إلى الشورى.

وأكد المستشار الهاشمي أن صلح الحديبية كان عهداً من النبي إزاء نصارى نجران يستند إلى مبادئ التسامح ويكفل الاعتراف بالآخر وتشهد العهدة العمرية التي أبرمها الخليفة عمر بن الخطاب مع البطريرك الأورشليمي صفرونيوس على التسامح إزاء الأديان الأخرى.

حضر المجلس إدواردو ولكدن السفير البريطاني لدى الدولة والدكتور محمد جمعة بن سالم وكيل الأوقاف السابق والدكتور عبد المعطي بيومي وشوقي عبد اللطيف عبد اللطيف ومنصور الرفاعي محمد عبيد وكيل الأوقاف المصري السابق والأب كلايف ويند بنك قديس كنيسة القديس أندروا «الكنيسة الإنجيلية» وحضور المجلس.

وأوضح الهاشمي أن العرب والمسلمين عرفوا عبر التاريخ بتسامحهم فيما بينهم وجيرانهم من كل الملل والأعراق وأن العداء لبريطانيا والغرب تولد بعد الاعتداء على بعض الدول العربية واحتلال أخرى وقدم نماذج حية من تعاملات وتسامح المسلمين والنصارى فيما بينهم في العديد من الدول العربية وخاصة في الإمارات.

وقرأ الهاشمي على الحضور قصيده بعنوان «يا أشرف الخلق لن نرضى بما اقترفوا» للشاعر ماجد بن عبد الله الغامدي من الظهران بالمملكة العربية السعودية الذي كتب ردا على تصريحات البابا بيندكيت السادس عشر التي ألهبت مشاعر المسلمين وأشار إلى أن هذه القصيدة نموذج حي لما تنبض به قلوب المسلمين تجاه الإسلام والرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وفيها دعوى للمسلمين بعدم الجزع والانكسار تجاه هذه الأحداث والتمسك بعقيدتهم ونصرة سيدنا محمد عليه السلام الذي بشرت بمقدمه الكتب السماوية كافة والذي شهدت له القلوب والأسماع والأبصار والعقول لحكمته ورجاحة رأيه.

مكرمة خليفة

من جانبه أشاد الدكتور محمد جمعة بن سالم وكيل الأوقاف السابق بمكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في استضافة أصحاب الفضيلة العلماء لإحياء أيام وليالي شهر رمضان المبارك.

وأكد أن هذه السنة التي أسس لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تأكيد على محبه الإسلام والمسلمين لغيرهم وفيها من التسامح الديني ما يكفل للجميع على أرض الإمارات العيش بأمان وسلام.

وقال: إن المغفور له عرف بأعمال الخير وتقديم المعونة لكل من أحتاجها في مشارق الأرض ومغاربها وسموه لم يميز بين سائل أو منكوب أو محتاج على أساس العرق أو الجنس أو الدين بل كانت يداه «غفر الله له» مبسوطتان للجميع.

دمج في المجتمع

وأكد السفير البريطاني لدى الدولة أن بلاده تسعي لدمج المسلمين في المجتمع البريطاني ولا تفضل لهم البقاء والعيش كأقليات منعزلة مشيرا إلى أن في ذلك فائدة ومصلحة لهم ولأبنائهم في التعايش مع البريطانيين والتفاعل معهم في مختلف القضايا التي تهم الجميع والدولة التي يعيشون على أرضها وتوفر لهم العيش الكريم والحياة الآمنة.

وأشاد بالإسلام والمسلمين وتسامحهم وتمنى أن يتمكن خلال وجوده في الدولة للسنوات الأربع المقبلة من إتقان اللغة العربية والتعرف على طبيعة المجتمع المسلم خاصة وأنه سبق وأن تلقى العديد من الدروس في العربية خلال فترة عمله بالسلك الدبلوماسي في دول عدة.

ومن جانبه أكد الدكتور عبد المعطي بيومي ضيف صاحب السمو رئيس الدولة بأن الإسلام عرف بالتسامح منذ اللحظة الأولى ودعا به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله امتثالا لقوله تعالى «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير».

تكامل الأديان

وأضاف أن الإسلام يتكامل مع الأديان الأخرى ويتعامل مع أهلها بالسماحة واليسر وحفظ الكرامة ولكل إنسان حق اختيار ما يشاء من دين وعليه أن يتحمل مسؤولية اختياره أمام الله سبحانه وحده وليس أمام البشر امتثالا لقوله تعالى «لست عليهم بمسيطر».

وأكد أن الأديان جميعا تحض على احترام البشر والإخوة في الإنسانية وأستشهد بعدد من الأمثلة من تصرفات الرسول عليه السلام مع غير المسلمين وقال: إنه في ذات يوم كان جالسا ومرت جنازة ليهودي فوقف عليه السلام وعندما سئل عن سبب وقوفه قال: أليست نفسا بشرية.

وأشار إلى أن الحروب التي خاضها المسلمون دفاعا عن الإسلام كانت تتميز بالمحافظة على دور العبادة وعدم الإساءة أو قتل الأطفال والأبرياء والنساء أو حتى الإساءة للبيئة.

وقال ضيف صاحب السمو رئيس الدولة: إن العقيدة تبقى شيئا والممارسات التاريخية التي قد تنحرف عن هذه العقيدة شيئا آخر ورغم أن الأديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح فإن الحروب والإبادات التي استمرت عبر التاريخ باسم الدين أحيانا ثم إن هناك بين المسلمين اليوم مَن يأخذ «آيات السيف» على حرفيَّتها وفي معزل عن الإطار التاريخي الذي ظهرت فيه.

ودعا لقراءة النصوص القرآنية باعتماد (الظرف التاريخي والحالات المحددة وأسباب النزول )ولأن مَن يسمِّيهم (المتطرفون) لم يفعلوا هذا بل رفضوا «كل تسامح على النطاق الديني أو الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي الداخلي أو الدولي بحجة امتلاك الحقيقة والأفضليات».

آيات التسامح

وذكر أن في القرآن الكريم نحواً من 100 آية تشير إلى التسامح وقال :إذا كان التسامح الإسلامي قائما على مفهوم الفطرة البشرية ووحدة الأديان كما يظهر من الإشارات القرآنية المتكررة إلى آيات الله المحفورة في النفس البشرية وفي العالم الخارجي فلا عجب أن يكون القرآن كلُّه لا مئة آية فحسب رسالة في التسامح وهذا يؤكد ضرورة البدء بتحديد المفاهيم.

واختتم المجلس بالتأكيد على روح الإسلام واستلهام الأفكار البنَّاءة المتسامحة من القرآن ومن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم و من التاريخ الإسلامي و من المفكرين والمؤرخين الذي شهد له بالمصداقية لأن الأمة الإسلامية أمة خير تسعى لأن يعيش الجميع بسلام وخير في كافة أرجاء المعمورة.

أبوظبي ـ إبراهيم السطري: