التراث الإسلامي هو هويتنا التي يكمن بها ذاتنا وتاريخنا شهد لهذا التراث علماء ومفكرو وفلاسفة العالم، خاصة أنه أصبح كل ما نملك، واقترنت الحضارة الإسلامية بالخط العربي، وهو الخط الذي كتب به القرآن وفي إطار الحملات الغريبة الشرسة لفرض الثقافة والهوية الغربية والحملات التي قام بها الأوربيون منذ نهاية القرن الثاني عشر الميلادي لترجمة المخطوطات العربية، وطمسوا أسماء مؤلفيها المسلمين ووضعوا أسماء أوروبية لتقليل إسهام المسلمين في حضارتهم.
وفي ظل الحملات الجديدة في إطار صراع الحضارات أصبح من الضروري أن تتخذ من تراثنا الأصيل ملاذاً للحفاظ على هويتنا الإسلامية وطالب الخبراء بضرورة جمع التراث الإسلامي العربي الذي يتعرض للإهمال والضياع ومحاولة حفظه. اصة بعد ما سرق من هذا التراث خلال حقبة الاحتلال أو ما تقوم به إسرائيل التي تسعى لتهويد القدس وطمس هويتها العربية وسرقة مخطوطات إسلامية نادرة تؤكد عروبة القدس أو سرقة تراث لتثبت لنفسها أنها ممتلكات لإسرائيل وتراث لها. حول كيفية الحفاظ على تراثنا من الإهمال والضياع ومواجهة المخططات الساعية لطمس هويتنا، التقنيا مع المتخصصين في هذا المجال للإجابة على هذا التساؤل، وهو كيف نحمي تراثنا الإسلامي من الضياع.
القرآن والسنة
يرى د. محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن التراث هو كل موروث وهو من الناحية اللغوية يشمل كتاب الله سبحانه وتعالي وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن جرت العادة في الاصطلاح أن نخرجهما عند الحديث عن التراث ويذهب المعني إلى الإبداع البشري سواء كان مرتبطًا بعلوم الحضارة المدنية أو بالعلوم الشرعية التي قامت حول الكتاب والسنة، ولذلك اهتم محققو التراث بتفاسير القرآن، وعلى هذا تكون بداية التراث هي بداية التاريخ وتكون بداية التراث الإسلامي بداية الإسلام.
وأشار إلى أن علماء الآثار يعتبرون الشيء الذي مر عليه مائة عام أثرًا، لكن بعض العلماء يرون أن نهاية التراث الإسلامي كانت على يد الخديوي إسماعيل لأن عصره كان النقطة الفارقة في تاريخ مصر والشرق فقط تغير كل شيء، وحدث اضطراب اجتماعي وسياسي وثقافي واقتصادي، فغير التقويم والساعة والأزياء ونمط الحياة وأدخل الأوبرا مع وجود الازدواجية بين التعليم المدني والتعليم الأزهري.
ويرى د. محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن التراث والنتاج الفكري جعل لنفسه محورًا هو نص الكتاب والسنة بما اشتملا عليه من أحكام ومقاصد وتملم بواسطة قواعد تحدد إطار حياة المسلمين، لذلك أوجدوا علومًا كثيرة مثل النحو والصرف والبلاغة والفقه والأصول، وتفوق المسلمون في الفنون الراقية لأنهم خدموا النص واهتموا به وحيثما تركوه ولهثوا وراء حضارة الغرب كان مصيرنا الذلة والمهانة.
ويؤكد د. عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: أن جهود الباحثين في مجال تحقيق التراث الإسلامي لم ترق حتى الآن إلى المستوى المطلوب، وذلك يرجع إلى عدة عوامل منها عدم وجود المتخصصين في هذا المجال أو ندرتهم، وصعوبة الحصول على الكتب التراثية المنتشرة في العديد من بلدان العالم.
ولذلك يجب أن تكون هناك جهة كبرى مسؤولة عن جمع المخطوطات التراثية في شتي أنحاء العالم وإنشاء العديد من المراكز في العواصم المختلفة يكون بينها ارتباط كلي، إلى جانب إنشاء كلية للتراث الإسلامي منوطة بخلق أجيال قادرة على أن تحفظ التراث مصدر وحدتنا وتفردنا.
دور الترجمة
من جانبه يقول د. محمد عمارة إن إحياء التراث الإسلامي وحفظه ونشر الثقافة الإسلامية يتأتي عن طريق ترجمتها بأكثر من لغة.. وهذه مهمة مراكز أبحاث التاريخ والثقافة الإسلامية، وكذلك عليها التعاون فيما بينها لخلق جو من التفاهم بين الشعوب الإسلامية.
ووضع الترتيبات اللازمة لجمع شمل العلماء ورجال الفن الإسلامي بالإضافة لتبادل الكتب والترجمات وتنظيم الندوات والمؤتمرات أن تأخذ على عاتقها مواجهة المد المعادي للإسلام، وهو أكبر التحديات التي تواجه القائمين على حفظ التراث الإسلامي.
وأضاف أن التراث الإسلامي لا يتوقف عند اللغة والآداب بل يشمل فنونا أخرى كالعمارة والبناء والنقش وعلى رأس هذه الفنون الخشب المحفور، حيث يعد من الفنون العريقة في الحضارة الإسلامية، وقد ازدهر في دول ومناطق مختلفة وتنوعت تقنياته وعكست زخارفها الأساليب الفنية السائدة في كل مرحلة.
وهذا ما يظهر في المساجد والقصور والمتاحف، ففي جامع سيدي عقبة في القيروان يوجد أقدم منبر خشبي معروف في العالم الإسلامي، كما توجد الحفريات الخشبية المكتشفة تبين قيمة ما وصل إليه التراث الإسلامي، من ابتكار لأساليب جديدة في الحفر على الخشب، والتي مازالت تحتفظ برونقها حتى الآن أنها اعتمدت على أسس حفظ التراث السليمة.
تراثنا والغرب
ويؤكد محمد زينهم أستاذ الحضارة بجامعة القاهرة أن الحفاظ على التراث الإسلامي مهمة سامية، يجب تبنيها وقد بدأت بنفسي وقمت بتحقيق كتاب الرفيق القيرواني عن تاريخ أفريقيا والمغرب، والذي يتحدث عن الفترة ما بين «180 هـ -181 ه، 769م -797 م» والتي ساد فيها الهدوء والاستقرار في أفريقيا، وتم تجديد ما دمر وخرب من المدن والموانئ في الدولة العباسية.
وإعادة بناء ميناء تونس وإصلاح مسجد القيروان، وتنظيم الأسواق والاهتمام ببناء دور العبادة، وكانت المدن والقرى الأفريقية محطات ومراكز للعلم والتجارة، فنهضت حركة العمران والزراعة، والرعي مما جعل تونس تحتل مكانة قرطاجنة، لما اشتملت عليه من معالم الحياة، من مبان وأسواق ودار صناعة للسفن، بالإضافة للآثار المعمارية أجمل كنوز التراث الإسلامي عبر التاريخ الإسلامي.
ويقول د. حامد طاهر الاستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة : إن التراث الإسلامي هو التركة التي خلفها لنا الأجداد متمثلة في كل ما أنتجه المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين، وخلال العهد الأموي، والعباسي، ثم العثماني مضافًا إليه ما خلفته فترة الازدهار الأندلسية، والدولة الفاطمية، ودويلات الانفصال التي تعاقبت على جسد الدولة الأم كالطولونية والأخشدية، والطاهرية والحمدانية والبويهية.
ويوضح أن هذا التراث العلمي والأدبي لم يطبع كما لم يحقق منه إلا الجزء القليل، في حين أن مخطوطاته مازالت ترقد في معظم مكتبات العالم، بعد أن تم نزحها خلال فترة من رقاد العقل العربي، وعدم معرفته بقيمة ما تركه الأسلاف، ويمكن القول باطمئنان أن كل ما صدر من هذا التراث لا يخرجه عن دائرة الأحكام النسبية، أو الفروض التي لا ترقي إلى مرتبة القانون، ويجب إعادة تراثنا أولاً ثم نقيم مشروعات متتالية لتحقيق أكبر قدر ممكن.
ويرى د. البدراوي زهران العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة قنا بمصر : أن حفظ التراث يحتاج إلى إعادة وطبع وتحقيق كتبه بأسلوب علمي، حتى يسهل تداولها، وذلك لا يتم إلا إذا صح عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، ولا يعرف ذلك إلا من خلال المراجع المتوفرة، إضافة إلى المخطوطات الأخرى في المكتبات العربية والأجنبية.
ويطالب بضرورة أن يشتمل الكتاب المحقق على بعض المعلومات المهمة، مثل أسماء الأعلام والأماكن الواردة في الكتاب المحقق، وبالنسبة للكتب الدينية فيتم عمل فهرسة آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، أما إذا كانت الكتب أدبية، فيتم عمل هوامش بأسماء الشعراء أو الأدباء، ويعني ذلك أهمية الفهارس التي تسهل على القارئ فهم النصوص الموجودة، وتوفر الوقت والجهد.
حقوق الباحثين
علي جانب آخر يطالب د. عبد المجيد دياب الذي قام بتحقيق العديد من كتب التراث بضرورة النظر إلى مشكلات المحققين، وما يتطلبه التحقيق من جهد وعناء، وضآلة المكافآت التي يحصل عليها المحقق، والتي لا تساوي الجهد الكبير الذي يقوم به. ويقول: إن العديد من الكتب التراثية لم يستوف تحقيقها حتى الآن، لأنها تتطلب جهدًا خارقًا والانتقال إلى هذا البلد أو ذلك، وإلى كم كبير من الكتب والمراجع، وإلي العمل سنوات طويلة.
وكل ذلك يكلف أسفارًا وأموالاً طائلة، ومجهودًا ذهنيا وجسديا كبيرًا، لا يوازيه على الإطلاق المقابل المادي، وهذه خسارة كبيرة يجدر الانتباه إليها، وتكاتف الجهود البحثية من أجل تذليل كافة العقبات أمام المحقق، للقيام بدوره على الوجه الأكمل.
القاهرة: من وكالة الصحافة العربية

