كان معروفاً عن (ر) تدينه وحسن أخلاقه، ورغم أنه لم يدخل مدرسة حكومية إلا أنه تعلم على يد (المطوع) القرآن الكريم وحفظ الكثير من الأجزاء وكذلك الحال بالنسبة إلى الأحاديث النبوية الشريفة، اشتغل (ر) في التجارة مع والده حيث كان لهما محل صغير في سوق العطارين كانا يبيعان فيه التوابل والبهارات والحناء والبخور وغيرها وبعد أن توفيّ والد (ر) أصبح هو يدير المحل.

ولقد درت عليه هذه التجارة أموالاً جيدة كانت تكفيه ووالدته وأخته لكن الله فتح عليهم جميعاً فتحاً كبيراً عندما قامت الحكومة بتثمين السوق لأنها كانت تريد أن تقيم مكانه برجاً تجارياً ضخماً وبالفعل تم تعويض جميع الأشخاص الذين كانوا يملكون محلات تجارية هناك بما فيهم (ر)،

وحصل (ر) على مبلغ كبير حيث استغله في شراء محل له ثلاثة أبواب وعاد من جديد إلى تجارته القديمة والتي درت عليه مبالغ طائلة جعلته من تجار الجملة حتى أصبح معروفاً في بلاده والبلاد المجاورة ولقد زاد من شهرته حسن معاملته وطيب أخلاقه وزهده في الدنيا.

زواج من أسرة طيبة

أخذت التجارة من (ر) كل وقته حتى لم يعد يفكر في الزواج إلا أن والدته أجبرته على أن يتزوج من أسرة طيبة قائلة له أريد أن أرى ذريتك قبل أن أموت ولأن (ر) رجل صالح ذو أخلاق عالية وصاحب دين لم يُغضب أمه حيث تزوج الفتاة التي اختارتها له، كانت الفتاة على دين وخلق وكونت هي و (ر) أسرة نموذجية في التسامح والطيب، وبعد تسعة أشهر من الزواج رزق (ر) بطفل أسماه (س)

وكان فرح الأسرة بهذا المولود فرحاً لا يمكن تصوره، نشأ (س) في بيت متدين وما كاد يصل عمره إلى الثالثة حتى كان والده يصطحبه معه إلى المساجد ليعلمه الصلاة فيها وليعوده حب بيوت الله، كبر (س) وكبر حب العائلة له خاصة أن (ر) لم يرزق بطفل غيره إلا بعد ثماني سنين حيث رزقه الله بطفل ثانِ اسماه (ط). كان (ر) يُحاول جاهداً أن يُعلّم ابنيه أصول الدين ولم ينس أن يعلمها الأخلاق وحسن المعاملة

فقد كان (ر) يؤمن أن الدين المعاملة، وانه لا يمكن أن تستقيم أخلاق الشخص إذا لم يكن عنده دين، دخل (س) المدرسة ومع أن (ر) لم يكن ضليعاً في القراءة والكتابة إلا أنه استغل ما لديه من معرفة في هذا المجال وبدأ يساعد ابنه في دروسه خاصة الدينية منها. كبر (س) ونتيجة لتطور العصر والمعرفة ألحقه والده بإحدى المدارس الخاصة، وبدأ يتعلم بجانب حصة الدين اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

التخرج من المدرسة

مرت السنين بسرعة كبيرة وفي أحد الأيام وجهت إدارة المدرسة إلى (ر) دعوة لحضور تخرج ابنه من المدرسة فرح (ر) كثيراً عندما رأى ابنه يتسلم شهادة التخرج من الثانوية العامة كما زاد فرحه وهو يرى ابنه بين أمثاله من الشباب على مسرح المدرسة والمصورين الصحافيين يلتقطون لهم مئات الصور في حين كانت إحدى محطات التلفزة تصور الحدث بالصوت والصورة،

بعد انتهاء الحفل قال (س) لوالده إنه يريد أن يذهب لدراسة الهندسة في الولايات المتحدة الأميركية، وأنه اتفق مع زملاء له على أن يذهبوا معاً ليكملوا دراستهم، ورغم أن (ر) كان يريد لابنه أن يبقى إلى جانبه ويدرس في إحدى الجامعات القريبة إلا أن رغبة (س) كانت أكبر وأقوى من أن تُقاوم خاصة وأن الهدف من السفر هو الحصول على شهادة علمية عليا، انتقل (س) إلى ولاية كاليفورنيا وبدأ حياته الدراسية في تلك الولاية الجميلة

ولم ينس (ر) أن يزود ابنه بالوصايا الضرورية خاصة من الوقوع في الحرام أو الاقتراب من المشروبات الروحية أو حتى التدخين وكان (س) دائماً يطمئن والده بأنه سيكون هناك كما هو هنا، وأنه لن يستسلم للنزوات مهما كانت النتائج ، اطمأن (ر) على ابنه ومما زاده اطمئناناً أنه ذهب معه ثلاثة من الشباب يعرفهم والد (س) جيداً فهم من أبناء نفس الحي وينتمون لأسر طيبة.

الحياة الجامعية

دخل (س) إلى كلية الهندسة حيث تم قبوله ليدرس هندسة كهرباء وبدأ يجد ويجتهد حتى ينجح ويعود إلى بلده بسرعة، بعد انقضاء العام الأول أخبر (س) والده بأنه لن يعود إلى البلاد في هذا العام، وذلك ليأخذ ما يسمى (بالدراسة الصيفية) وذلك استعداداً للسنة الثانية بعد أن نجح في السنة الأولى، ومع أن (ر) كان يرغب في لقاء ابنه بعد هذا الفراق الطويل إلا أنه حاول أن يصبر ما دام في ذلك فائدة ومصلحة لابنه (س).

بعد قضاء ثلاث سنوات عاد (س) إلى أسرته ففرحت الأسرة فرحاً كبيراً بهذه العودة حيث أقيمت في بيت (ر) حفلة عامرة بكل المأكولات احتفالاً بهذه المناسبة، وبعد انتهاء الإجازة الصيفية عاد (س) إلى كاليفورنيا لاستئناف دراسته، حاول أخوه أن يذهب معه لكنه وعده بأنه سيستقبله العام المقبل وليس هذا العام، وذلك لأن (س) سيكون مشغولاً في التحضير للسنة ما قبل النهائية وهذا يتطلب منه أن يذهب إلى التدريب عند بعض الشركات.

كشف المستور

كان (ر) يعتقد أن ابنه في السنة الثالثة في كلية الهندسة قسم الكهرباء إلا أن الحقيقة غير ذلك حيث إن (س) ليس مسجلاً في الجامعة أصلاً، وذلك لأنه بعد دخوله إلى الجامعة وسقوطه في جميع مواد السنة الأولى تم حرمانه من الجامعة لمدة عام وبدلاً من أن يصارح (س) والده كان يكذب عليه ويقول له إنه ينجح في كل عام، وأنه الآن في السنة الثالثة، عندما عرف (ر) من بعض أصحاب ابنه بهذه النتيجة أصيب بصدمة كادت أن تودي بحياته،

خاصة وأنه عرف أيضاً أن ابنه غير سوي وأن معظم وقته يقضيه في النوادي الليلية والبارات والفنادق الفخمة. قرر (ر) أن يستدعي ابنه، حيث اتصل به هاتفياً وأخبره بأنه عرف كل شيء وأن عليه أن يحضر إلى البلاد حالاً وإلا لن يرسل له أية فلوس وبعد أقل من شهرين عاد (س) إلى بلاده حيث عاتبه والده عتاباً أدى إلى توتر العلاقة بينهما، ومما زاد الأمر سوءاً أن الأب اكتشف أن ابنه يشرب ويدخن.

عندما عاد (س) إلى البلاد حاول أن يعيش هنا كما كان يعيش في كاليفورنيا حيث يذهب إلى الفنادق والنوادي الليلية إلا أن والده رفض ذلك مما زاد الوضع في البيت تعقيداً، كان بيت (ر) يتكون من طابقين وكان (س) وأخوه يتخذان الطابق العلوي مكاناً لهما (للنوم والدراسة).

الأب في المستشفى

في أحد الأيام أفاق (ر) من نومه كالعادة على أذان صلاة الفجر وبعد أن توضأ ذهب لإيقاظ ابنه الصغير، وفي أثناء مروره في الكردور لاحظ أن الغرفة التي ينام فيها (س) مضاءة فذهب إليه ليطلب منه أن يذهب معه إلى المسجد دخل (ر) الغرفة فوجد ابنه (س) نائماً ورائحة الخمر تنبعث من فمه فما كان منه إلا أن بدأ يصرخ فيه ويهزه من كتفه مستنكراً ما يقوم به من أعمال تغضب الله، حاول (ر) أن يوقظ ابنه

لكن الابن دفعه بعيداً عنه وقام بإغلاق الغرفة وارتمى على السرير، ذهب (ر) وابنه الصغير إلى المسجد دامع العينين والقلب على ابنه وعلى مستقبله وبعد أن عاد من المسجد حاولت زوجته أن تهدئ من نفسه وكذلك فعل ابنه الأصغر، ولقد تصادف أن هذا اليوم الذي حدثت فيه المشادة كان يوم جمعة لذا فقد قرر (ر) أن يأخذ ابنه (س) إلى المسجد مهما كانت النتائج، قبل موعد صلاة الجمعة ذهب (ر) إلى غرفة ابنه (س) وبدأ يطرق الباب

لكن (س) كان في سبات عميق، استمر الأب في طرق الباب فقام (س) منزعجاً لهذه الطريقة التي يعامله بها والده حاول الأب أن يدخل الغرفة إلا أن (س) دفعه قائلاً له أريد أن أنام فقال له قم واغتسل وتعال معي إلى صلاة الجمعة فقال له (س) سأفعل

ولكن اذهب الآن من أمامي إلا أن الأب أصر على رأيه فما كان من (س) إلا أن دفعه دفعة قوية أدت به لأن يتدحرج من باب الغرفة في الدور الثاني إلى الدور الأول على الدرج. لاحظ الابن الأصغر ما يفعله (س) بوالده فقام يدافع عنه حيث اشتبك مع أخيه

فما كان من (س) إلا أن دفعه هو الآخر دفعة قوية أسقطته على الأرض حاول الابن الأصغر أن يساعد والده على النهوض لكنه تفاجأ بأنه لا يستطيع الحراك وزيادة على ذلك فقد كانت الدماء تسيل من أنفه وفمه عندما شاهد الابن الأصغر هذا الوضع الذي وصل إليه والده ذهب إلى المطبخ وأخذ سكيناً واتجه إلى غرفة أخيه (س) ليقتله أمسكت الأم بابنها الصغير وهي ترجوه وتبكي وتقول له اذهب لمساعدة والدك وإسعافه

فالدماء لا تزال تتدفق من أنفه بغزارة، حاول الابن الأصغر الإمساك بيد والده كي يساعده على الوقوف إلا أن الوالد بدأ يصرخ من الألم وهنا تم طلب سيارة إسعاف كي تنقل الوالد إلى المستشفى، جاءت سيارة الإسعاف على عجل حيث أودع (ر) في المستشفى وقد تبين من الفحص الأولي وجود كسرين في ذراعه وفي ساقه وجرح في رأسه وآخر في أنفه. قامت إدارة المستشفى باستدعاء الشرطة التي بدأت تحقق في الأمر وعلى الفور توجهت إلى بيت (ر)

حيث ذهبت مباشرة إلى غرفة (س) وعندما طرق الضابط باب غرفة (س) لم يجد أحداً يجيبه فعاود الطرق من جديد وأخيراً فتح الباب وهو يشعر بغضب شديد تفاجأ (س) بالشرطة تقف أمامه حيث طلبوا منه أن يأتي معهم لكنه رفض ذلك وحاول أن يعود للنوم من جديد وقف الضابط في وجهه وقال له عليك أن تأتي معنا وإلا سأضطر لآخذك بالقوة، وقد لاحظ الضابط انبعاث رائحة الخمر من فمه،

ثم أخذ (س) إلى غرفة التحقيق بعد أن تم الكشف على دمه حيث بين الفحص وجود نسبة عالية من الكحول في دمه، في أثناء التحقيق معه اعترف (س) بأنه قام بدفع شخص (ما) لا يعرف من هو وقد يكون والده فقد كان في غير كامل وعيه، تم إيقاف (س) أربعة أيام على ذمة القضية في الوقت الذي كان فيه والده يعالج في المستشفى، عرف (ر) بأن ابنه (س) سيتحول إلى النيابة العامة وهناك بالتأكيد سيحكمون عليه أولاً لضربة والده

وثانياً لأنه كان سكراناً فحاول (ر) أن يذهب إلى مركز الشرطة ليتنازل عن حقه حتى لا يسجن ابنه لكن الأطباء اخبروه أن ذلك غير ممكن فما كان منه إلا أن استغل زيارة زوجته له وذهب معها إلى مركز الشرطة حيث قدم تنازلاً عن حقه ثم اخذ إذناً بزيارة ابنه (س) في التوقيف كان (ر) لا يستطيع السير فقد كانت ذراعه وساقه في الجبس لكن خوفه على ابنه دفعه لأن يتكئ على عصاه وعلى زوجته حتى يصل إلى مركز الشرطة،

وهناك في غرفة مجاورة جلس (ر) ينتظر ابنه حيث ذهب شرطيان لإحضاره من التوقيف وعندما شاهد (س) والده بهذا الشكل وانه هو الذي كان السبب ارتمى تحت قدميه وهو يبكي ويقبلهما ويطلب من والده أن يسامحه، كانت عاطفة (ر) أكبر من أن توصف فقد بكى هو الآخر عندما رأى ابنه في الوضع الذي كان فيه وعلا بكاء الرجلين حتى سمعه من كان في الغرف المجاورة، كان مشهداً مؤثراً

وكان عطف الأب كبيراً وإحساس (س) بذنبه أكبر، وقال (ر) أريدك أن تتعظ وان تتوب فقال له (س) وهو يقبل يديه اقسم لك بأنني قد تبت وسأبقى خادمك المطيع لعل الله يغفر لي، بدأ الأب يتمتم والدموع تنهمر من عينيه، في حين أعيد (س) إلى حيث كان لاستكمال بقية الإجراءات.

إعداد: أحمد سلطان