قال الشيخ: يعترف أرباب العلوم التطبيقية والإنسانية اليوم بظنية مقولاتهم واحتمالية نتائجهم وبغلبة التغير والتحول بل والانقلاب الجذري أحياناً على ما يتوصلون إليه، ولكن أكثرهم ما إن يتصدون لمناقشة القضايا الدينية حتى ينسون أو يتناسون تماماً ما سبق ويبدأون بإرسال الكلام وكأنه صادر عن يقين مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.

وتشير الدراسات الأكاديمية اليوم إلى عدم تحرر (العلم) و(العقل) من السياقات النفسية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن عوامل المنفعة والمصلحة وصفات الذاتية والشخصانية، ولكن هذا كله كلام يدار في المنتديات العلمية عندما يخلو أرباب العلوم بشياطينهم.

أما عندما يخرجون على الملأ ويتوجه الحديث إلى مناقشة الدين وعالم الغيب ومقولات النصوص الدينية فتراهم يتحدثون عن (الحقائق العلمية والعقلية الدامغة) في نسف الدين وتسفيهِ دعواه - تعالى اللَّه عن خلطهم وخبطهم علواً كبيراً -.

ومن الشبهات التي يروق للداعين إلى أولوية العقل وأسبقيته على النقل، ضرورة النظر إلى النصوص الدينية - القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة - في سياقاتها التاريخية والمعرفية وهي شبهة يراد الوصول عبرها إلى تعطيل النصوص

باعتبارها في أحسن الأحوال جاءت لأقوام سبقونا في عمر الحضارة وتقدمنا عليهم بأحوالنا وظروفنا وتراكم معارفنا، كما يراد بها في أسوأ الأحوال الإيحاء أو التأكيد على (بشرية) النصوص وعدم الاعتراف بمصدرها الإلهي.

ويروق لبعض (عقلاء) هذا الزمن أن يتحدثوا عن وحدة التجربة وتماثل الخبرة والنشاط الذهني والروحي عند النبي والفيلسوف - أو الحكيم - والشاعر وهي شبهة أخرى يراد منها عدم الاعتراف بالوحي كرسالة نازلة من السماء إلى الأرض.

ويتحدث البعض عن وحي يقتصر على المعنى في حين أن النص بلغته ومفرداته منجز بشري ونتاج ثقافي، وهو كلام يهدف إلى اختزال النصوص إلى عدد محدود من المعاني الكلية وإلغاء الجوانب التاريخية والتشريعية والقيمية والأخلاقية منها.

ويدعو البعض إلى إعمال مناهج النقد البنيوي أو التحليلي أو الألسني في القرآن والأحاديث النبوية شأنها في ذلك شأن أي نصوص بشرية وهي دعوة واضحة القصد والميل إلى نزع القداسة عن النصوص وعدم الاعتراف بتميزها الفوقي وصولاً إلى تشويه النصوص والبحث عن (معانٍ) غريبة وخفية تقرأ بين السطور.

ويغالي البعض في التأكيد على اختلاف السياق التاريخي والفكري والمعرفي الذي نزلت أو وضعت فيه النصوص وصولاً إلى إيهام الناس بأن للقرآن والأحاديث النبوية لغة ومعان ودلالات تختلف عن تلك التي تفهم بكل وضوح وبساطة وتلقائية وكأن النصوص الأصلية نصوصاً مصاغة بالصينية أو السنسكريتية.

ويردد البعض الأحاديث عن (الظاهرة الدينية) وعن القرآن (كنتاج ثقافي) وعن (الأحاديث النبوية كجهد بشري في ملء فجوات النص الأصلي) وعن (جدل القرآن مع الواقع الذي وجد به) وعن (اختلاف المدلول) بين لغة النصوص منذ خمسة عشر قرناً ولغة اليوم، وكل هذه أفكار توسوس بالكفر دون أن تجرؤ على رفع الصوت والمجاهرة به.

لسنا هنا في صدد استعراض كل الشبهات العقلية التي يتبناها العلمانيون ومن حذا حذوهم فهي في عددها وتنوعها ما لا يمكن حصره في مجلس واحد، كما أننا لسنا في صدد مناقشة هذه الشبهات والرد عليها. ولكننا نحب أن نؤكد أن الأبنية العقلية التي يقيمها أمثال هؤلاء أبنية هشة وتقوم على أسس هشة باعترافهم،

وهي تقوم على تجميع انتقائي لملاحظات، مع إضافة توهمات وتخيلات، مع افتراض علاقات وصلات، حتى يجد الإنسان نفسه أمام (أوهام) منتفخة موهمة بالعظمة والقدرة على الإقناع وهي لا تزيد عن خيال لا يقل عن خيال كذبة الشعراء.

كما نريد أن نشير إلى أن أكثر مساهمات هؤلاء تنحصر في طرح أسئلة لا متناهية دون القدرة على الحصول على جوابٍ واحد. ومع أننا نقدر ما للسؤال من قيمة في بناء العلوم ونقدر أنه كثيراً ما تستحيل الإجابة على كل الأسئلة التي يثيرها العلماء.

إلا أن الأمر هنا أمر ما يسمى بمشاريع فكرية ومؤلفات كاملة لا تصنع أكثر من طرح الأسئلة بقصد التشكيك كغاية في حد ذاته لا كمقدمة يراد منها الوصول إلى يقين ما.

ماهر سقا أميني