إن حقيقة الصدق أوسع من كونها الصدق في الحديث فقط، وإنما حقيقة الصدق شاملة لصدق النية والعزيمة، وصدق اللسان، وصدق الأعمال، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: »ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفي الأعمال

كقول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في الحديث الصحيح: »كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه« (البخاري، كتاب الاستئذان).

ويفصل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى القول في هذا المعنى فيقول: »والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر«.

وأخبر سبحانه: أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى: »هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم« المائدة 119 وقال تعالى: »والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون«، فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله، والصدق إنما يكون في هذه الثلاثة. (مدارج السالكين).

فالصدق في الأقوال هو استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الأخلاق، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة،

فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه، وقيامها به تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية فسمي (الصديق) على الإطلاق، و(الصديق) أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: »الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها، ويظهر ذلك من وجوه منها: أن الصدق هو المميز بين المؤمن والمنافق، ففي الصحيحين عن أنس عن النبي: »آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان« البخاري كتاب الإيمان،

وفي حديث آخر: »على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة« (رواه الحاكم) وقد وصف الله المنافقين في القرآن بالكذب في مواضع عدة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة، وأن المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل منها.

كما أن الصدق هو أصل البر، والكذب هو أصل الفجور، كما جاء في الصحيحين عن النبي: »عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر..« البخاري كتاب الأدب.

أحمد عبدالحميد