لا يماري أي عاقل أن من أسباب فساد الأمم وهلاكها الذي يؤدي بها إلى الانحطاط في نهاية الأمر هو التجاهل التام عن تفسير الحياة المعنوية للحياة، فالابتعاد الكلي أو الجزئي عن الخالق العظيم جل جلاله من سمات العقل التقني وهذه من الآثار المعنوية التي تدمر ثمرة اعتقاد أولئك القوم ومن نحا نحوهم،
كالإيمان بالله والملائكة.... وهل هناك حساب أو عقاب وجنة أو نار... فبسبب ذلك المنهج لا يمكن لهذا العقل أن يفسر الجانب المعنوي ويسترشد به أو يتكيف تكيفاً تاماً مع الحياة فالعقل المادي (غير قادر على إدراك القداسة والأسرار
، ولا يعرف الحرمات أو المحرمات، ولذا ينتزع القداسة بكل صرامة عن كل الظواهر بما في ذلك الإنسان، ويراها باعتبارها مادة استعمالية) فلا يهمه انتهاك حرمات الغير وهضم حقوق الآخرين كإشاعة الظلم وهجر مبدأ العدل بين الناس وتحقيق الأمن فهو خارج عن هذا الإطار
ففي نظر بعض الماديين كل تلك الأعمال إذا لم تعارض المصالح الفردية جائز تجاوزها في حق الآخرين بحسب المصلحة المترتبة على ذلك ولو كلف ذلك ذواتهم الشخصية وأملاكهم الفردية أو الجماعية والأمثلة كثيرة على ذلك لا يمكن حجبها عن العقول بسبب تطور وسائل الإعلام الحديثة.
والعقل المادي أيضاً لا يهتم بمصيره النهائي ومصير الحياة المعاصرة فتفكيره سطحي في بعض الأفعال والأقوال، (فهو لا يمكنه أن يسأل أيَّا من الأسئلة الكلية والنهائية الكبرى (ما الإنسان؟ ما مصيره في الكون؟
كيف يواجه الموت؟ ما نطاق حدوده وشموليته؟ ) فهذه الأسئلة وغيرها لا معنى لها من منظوره، وتعتبر قضايا فارغة، على حد قول الوضعيين، لا يمكن البرهنة على صدقها أو كذبها) وهذا المنهج بطبيعة الحال ناتج عن قصور الفهم العميق للدين الصحيح فأدى بهم هذا الطريق المعوج إلى الفشل الحتمي في (تفسير إصرار الإنسان على أن يجد معنى في الكون ومركزاً له،
وحينما لا يجد معنى له فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثل الحيوان الأعجم، وإنما يتفسخ ويصبح عديماً ويتعاطى المخدرات ويشيع الشذوذ الجنسي وينتحر ويرتكب الجرائم المختلفة دون سبب مادي واضح. فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء آخر غير مادي).
فنتيجة عزل الدين عن الدولة وسائر أجزائها المرتبطة بها كالشؤون المعنوية والاجتماعية والسياسية بما فيها العلاقات الخارجية فقد جاءت النتيجة عكسية فكان مصيرها الفشل التام عن التحكم في مجريات الحياة التي يستطيع الإنسان إدارة شؤونها في حالة استمساكه واسترشاده بالدين القويم،
يقول علي عزت بيجوفيتش: (إن الدين والفن مرتبطان بالإنسان منذ أن وجد على وجه الأرض، أما العلم (المادي) فهو حديث، وفشل العلم المادي الذي يدور في إطار نماذج مادية في تفسير الإنسان والتحكم فيه هو دليل فشله في إدراك الظاهرة الإنسانية
وإدراك أن الحلول التي يأتي بها حلول ناقصة) وهذا ما نلمسه في واقعنا المعاصر لهذا العقل فهو عاجز عن إيجاد الحلول العادلة بين الشعوب وسائر الأديان السماوية أو الأرضية فهو ينحاز إلى طرف معين دون الاكتراث بآخرين ليحقق مآربه فقط فكثرة موجات العنف بين الشعوب خصوصاً تفشي ظاهرة الإرهاب في بعض أقطار دول العالم
فقد فشلت دول العالم الصناعي من دحر هذه الموجة العارمة وهي في حالة تنامي مستمر فاقتصرت هذه الدول على معالجة ظواهر هذه الأحداث دون معالجة أسبابها والمحلل المتبصر لهذه الوقائع يجدها من صنيع العالم المادي
سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وحول هذا الموضوع يوضح لنا الفيلسوف الفرنسي المعروف جاك دريدا عن ذلك بقوله ( إن أي محاولة لتحديد موقع وخلفية الإرهاب هي محاولة هشة،
باعتبارها لا تأخذ في عين الاعتبار التغير الجذري الذي مس العلاقة بين الأرض والإقليم والرعب نتيجة لانبثاق النظام التقني ـ الصناعي الجديد الذي ضرب في العمق التميز المألوف بين الحرب والإرهاب. فالولايات المتحدة وأوروبا هما أيضاً مراكز تصدير وإيواء الإرهاب ومواقع تكوين الإرهابيين،
كما ظهر خلال أحداث 11 سبتمبر) فالظلم يقف في مقدمة أول هذه الجوانب وثانياً: عدم تحقيق العدالة الاجتماعية بين الشعب وغيرها من الأسباب....التي تؤدي إلى سفك أرواح الأبرياء؛ ولمساندة ذلك وكشف ملابساته جاء على لسان مئتي أستاذ ورجل دين (لاهوتي) ينتمون إلى عدد كبير من التجمعات الإيمانية في العالم أبان إعلان نحو أخلاق عالمية عام 1993 م
فقد استاءوا من الأحداث الراهنة فقالوا (إننا نرى قادة وممثلي الديانات، مرة بعد مرة يحرضون على العنف والتعصب والحقد والتخويف من الآخر، بل إنهم يشجعون على الصراعات الدموية العنيفة ويشرعونها.
وغالباً ما يستغل الدين لأغراض السلطة والسياسة إننا حقاً شديدو الاشمئزاز) وهذا الأمر الواقع فالعالم المادي يسعى الآن بجهده على تفكيك الشعوب بخلق المشاكل الكثيرة في الدول فأدى ذلك إلى الاضطرابات السياسة والاجتماعية والاقتصادية وانفجار دوامة العنف.. في أرجاء مختلفة من العالم
بقلم : إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي