استعادة الحضارة الإسلامية مكانتها وطبيعتها على الخريطة الحضارية العالمية مرة أخرى، أصبح محور الحديث عند العديد من مفكري وعلماء المسلمين، وبشكل خاص بعد ما تعرض الإسلام، ومسلموه للعديد من الهجمات المتتالية، والتي يرى البعض أنها ليست وليدة اللحظة الآتية،
ولكنها تعود إلى فترة خروج المسلمين من بلاد الأندلس ـ أسبانيا حاليا ـ الأمر الذي وقع العديد منهم للبحث من جديد عن أسباب الانكسار الذي يعود إلى ثمانية قرون أو أكثر بإسهام منهم في إعادة الأمجاد الإسلامية مرة أخرى في شتى المجالات
سواء كانت علمية أو ثقافية أو دينية أو جغرافية استنادا إلى وقائع منها أن أوروبا حتى الآن تعترف بفضل المفكرين المسلمين عليها وعلى رأسهم بن رشد في مجال الفلسفة وابن الهيثم وغيرهم من علماء القرون الأولى للإسلام.
إعادة الحضارة الإسلامية لوضعها الطبيعي على الخريطة العالمية، أصبح يمثل هدفًا جديدًا في القرن الحادي والعشرين من جانب العلماء، والمفكرين الإسلاميين، بشكل خاص بعد ما تعرضت للعديد من الهجمات، التي شككت في مدي إسهاماتها في المنظومة الحضارية العالمية، إذ طرح العديد من المفكرين المسلمين طرقًا عدة من خلال هذا التحقيق.
يقول د. عبد الله صالح الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية، جاءت حضارة الإسلام بعد بزوغ نور البعث في مكة لتجتاز مرحلة الدورة السلالية المتمركزة حول تمجيد القبيلة والعشيرة إلى دورة ثقافية وحدت بين هذه القبائل،
وجعلتها تلتقي حول قيم ومثل مشتركة، وهي قيم الدين الإسلامي لتنتقل إلى دورة حضارة عملاقة تجاوزت حدود جزيرة العرب إلى ما حولها حتى وصلت إلى بحر الصين وجبال البرانس.أضاف: وقد شغلت هذه الحضارة حيزًا زمنيا انفردت به عن الحضارات الأخرى، حتى تراجعت عن مجدها لتحل محلها الحضارة الغربية،
ويرى المفكر الإسلامي أن عناصر التصدر أو القوة موجودة لدي الشعوب الإسلامية، في موقعها الجغرافي التحكمي في الكون، وفي ثروتها البشرية المدعمة بقدرات عضلية وذهنية بحالتها المرجعية التاريخية العملاقة.
وأكد صالح أنه لا توجد موانع أو معوقات تحول بين الحضارة الإسلامية واستعادة دورها فصفحات التاريخ لا تذكر أنه حينما تمسكت الأمة بالإسلام عانت منه وتخلفت، بل التاريخ ملئ بالصفحات المعتمة التي أزاح عنها الإسلام الظلام والضياع، وما كان الإسلام عبر التاريخ حينما يلتزم به أهله إلا طريقًا للإنقاذ، والفئات البشرية التي تراجعت وانهارت كانت تلك التي ضاع فيها الإسلام.
فضل المسلمين د. محمد شامة نائب الأمين العام للمسلمين للشؤون الإسلامية بمصر سابقًا، يقول: إن التقدم الذي وصل إليه الغرب إنما هو بفضل الحضارة الإسلامية عليهم، وعلي تقدمهم ولقد بدأ الكثيرون منهم يدركون أن المسلمين لم يكونوا وثنيين أو بدائيين،كما كانوا يظنون،
وإنما هم سادة وقادة في كثير من صور الحضارة والأخلاق، وهذا مهد الطريق أمام بعض المفكرين الغربيين ليدخلوا الإسلام، فتدارسوا هذا الدين واستجابوا لمشاعرهم،فاعتنقوا الإسلام وأثنوا عليه وتوقعوا أن يكون دين العالم أجمع.
ويرى أن الإسلام قد دخل إلى أوروبا مع الثقافة الإسلامية، فلقد اقتبست أوروبا الحضارة الإسلامية حين ذلك عن طريق البعثات، التي أرسلت إلى الأندلس وصقلية، والتحقت بالجامعات الإسلامية، ونقل هؤلاء الطلاب كثيرًا من المنجزات الإسلامية في مجال الطب والرياضة والفلك
وغيره من العلوم إلى أوروبا وكان من بين المبعوثين بعض الأمراء والأميرات، وكذلك ترجمتهم للكتب من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، وأوضح أن الحضارة الإسلامية هي ما قدمه الإسلام للمجتمع البشري من مآثر وأفضال، وأن الحضارة الإسلامية منبعها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وأكد أن المسلمين يواجهون الآن قوي عاتية وتحديات عنيفة، ولكننا نقابلها بجمود وعدم مبالاة بخطورتها، ولم نعد العدة لها رغم إمكانيات الأمة الهائلة، التي تمكنها من مواجهة هذه التحديات، فالإسلام يواجه كتلة تعمل على هدم كلمة الإسلام ونهضة المسلمين، ونحن لا نفعل شيئًا أبدًا لهذه المواجهة،
ولقد أثبت التاريخ القديم والحديث قدرة المسلمين على المواجهة، فلو أن الأقدار شاءت أن تتغلغل الحضارة العربية في أوروبا حتى تشملها كلها لتغير وجه التاريخ ولكان للإنسانية بفضل المبادئ الإسلامية شأن آخر.
حال تقريبية ويقول المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد: في عصور تراجع الحاضرة يكثر ما يمكن أن نسميه التقريبية وهي حالة منتشرة لدينا نحن العرب وتعني الأمة، التي تثبت أفعالها أنه بينها وبين التقدم خلاف، وأضاف أن النهضة لها قوانين،
وبغيرها لا وصولا إلى نهضة حقيقية، وكما قال رسولنا الكريم: «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل»، وكذلك قوله عن قوم يحسنون الظن بالله، ولا يعملون بما أمروا وبما نهو «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل».
ويرى د. أبو المجد أن أولى خطوات النهضة هو أن نصارح أنفسنا بأننا نتراجع ولا نتقدم، وبنظرة صغيرة إلى النمور الآسيوية تجدهم يتعبدون بالعمل، كما نتعبد نحن بالبطالة والكسل، وعلنيا أن نبدأ بتحليل واقع الأمة، لأن الطاقة تجيء على قدر التحدي، فنحن المسلمين منهجنا ومصادرنا يجب أن تكون في إطار القرآن الكريم مفسرًا بقواعد اللغة الصحيحة والسنة الصحيحة،
مؤكدًا أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية حقيقية، لأن عقلنا الثقافي مصاب بعاهات تستطيع أن تقتل أي أمة فالمسلم المعاصر مطالب بأن يحيط بكل ما حوله، كما يجب أن ندرك أننا نتعامل مع عالم متحرك في اتجاهنا أو في الاتجاه المضاد.
التنوير الفكري أما د. جعفر عبد السلام الأمين لرابطة الجامعات الإسلامية فقال: إذا كان الغرب قد عرف في فترة العصور الوسطي رياح التخلف الحضاري، فإن الحضارة الإسلامية في مسيرتها قد عرفت قرونًا وعصورًا من التنوير الفكري والعطاء العلمي في ظل العقيدة،
التي أعطت العقل المسلم قناعة الإيمان الواضح، والأخلاقية الإيمانية الملتزمة بتعليم الإسلام ومبادئه، والتي أعطت العقل المسلم النهج والوسائل الموضوعية في تطبيق هذه القيم والمبادئ العقيدية والأخلاقية بما يضمن استمرارها في بناء صرح الأمة المتكافلة وصيانة مكتسباتها الحضارية دون استغلال أو طغيان للشعوب والحضارات التي احتواها الفتح الإسلامي.
وأضاف: أن الإسلام سخر المادة من أجل الرقي الحضاري فدعوته الشاملة تؤكد استخدام العلم من أجل عمارة الحياة، ففي سورة الحديد آية كريمة تؤكد نزعة التحضر والبناء، التي جاء بها الإسلام لكي يجعلها جزءًا أساسيا من أخلاقيات الإيمان وسلوكياته في قلب العالم،
وهذه الآية تعرض خام الحديد كنعمة كبري أنزلها الله لعباده، فيقول سبحانه وتعالى: «وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره». ويوضح المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أن القضية ليست في موقفنا وخطابنا نحن، بل في الآخر وموقفه منا، فهو لا يعترف بنا مهما تغير خطابنا، بل يريد لمشروعه أن ينفي مشروعنا وذاتيتنا، وهو ما نأمل ونسعى لتغييره مهما تشبث به الآخر..
وتساءل: من قال إن خطابنا الحضاري الحالي فاشل؟ وكيف نستطيع أن نحكم عليه بالفشل، وهو ليس واحدًا، بل خطابات عدة متباينة التوجه والأسلوب؟ نعم بعضها فج لا يقبل داخليا أو خارجيا.. بينما بعضها الآخر يحاول أن يجد له أذنًا صاغية لدي الغرب.
وأكد د. عمارة أن الساحة الدولية تعج الآن بالكثير من عوامل التقبل للإسلام وخطاباته بعد تراجع الموجه المادية الشمولية في الفكر الغربي، واهتزاز ثقة العقل الغربي في الغرور، الذي كان يصور له أنه وحده مالك الحقيقة،
فليس هناك مشروع حضاري أبدي يتسع لنهضة الأمم وحضارتها، لذلك كان التطور في المشروع الحضاري لأية أمة سنة دائمة لجهة ديمومتها الحضارية، فنحن نحتاج حاضرًا إلى المشروع الحضاري الجديد لنبرهن على نهضة أمتنا وصحوتنا من المأزق الحضاري.
فضل الحضاري الإسلامية ويشير د. محمد عبد الغني بجامعة الأزهر إلى أن الحضارة الإسلامية، وإن كانت تشكل أساس هويتنا فهي في نهاية المطاف حضارة إنسانية كبرى أدت خدمات جليلة للبشرية، ومن ثم فهي ليست ملكًا خالصًا لأحد يحتكره دون سائر الناس،
وثانيها أن الحضارة الإسلامية بلغت أوجهًا عندما استوعبت مختلف الحضارات، التي سبقتها في الأراضي الشاسعة التي قدر لها أن تحكمها ثمرات تعيد تشكيلها وتعطيها صورة جديدة رسمتها لنفسها ولونتها بألوانها، وقد ضعفت هذه الحضارة عندما عجزت عن استيعاب المتغيرات في العالم حولها.
وأضاف أن الحضارة الإسلامية إنما وصلت إلى أوج سموها حين وعت إمكانات غيرها، واستوعبتها محولة إياها إلى ما يفيد وينسجم مع قوالبها، وهذا يتطلب الاهتمام بتدريس اللغة وأن ننشيء مراكز لدراسة الحضارة الإسلامية في جامعاتنا،
كما هو الحال في معظم الجامعات الكبرى في الغرب، فبناء الحضارة الإسلامية ينهض على الوعي والبصيرة، التي أساسها الإيمان بالإسلام كمنهج للعلم والعمل، ومن هنا يكون للمسلمين دور مؤثر وفعال في استعادة أمجادهم الغابرة.
نظام شامل ومتكامل إن الحديث عن الجوانب الاقتصادية أمر لابد منه عند تناول أسس البناء الحضاري لأي مجتمع من المجتمعات، ذلك لأن الاقتصاد يتميز عن غيره من العلوم الاجتماعية بعلاقاته الشديدة بحياة الأفراد والمجتمعات
هكذا أوضح د. محمد عبد الحليم عمر رئيس مركز صالح كامل للاقتصاد بجامعة الأزهر الشريف، نظامًا وشاملاً ومتكاملاً يعالج جميع شئون الإنسان، ويتدخل في كافة المجالات التي هي ضرورية للحياة، ويضع الحلول المناسبة التي تعين الإنسان في تحقيق قيم العدل والمساواة، التي هي من أساسيات البناء الحضاري لأي مجتمع يستثمر هذه القيم من أجل فاعلية حركة الإنسان الحضارية،
وعلم الاقتصاد يشترك مع العلوم الأخرى من وجهة النظر الإسلامية بحركته بين مجالين اثنين الأول وهو المبادئ الأساسية والقواعد الرئيسية،التي أصلها الشارع الحكيم في الكتاب المبين، وبينتها السنة النبوية الشريفة،
والثاني وهو ما تضمنه عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» رواه مسلم، وتقع في هذا الإطار العلوم الاقتصادية الدنيوية المقصود بها تلك الناحية الفنية في الاقتصاد، والتي تنمو وتتطور مع العلم والتقنية الحديثة، فالاقتصاد الإسلامي يرتبط ارتباطاً وثيقًا بدين الإسلام عقيدة وشريعة، حيث لا يستطيع الدارس للمفهوم الإسلامي الخاص بالجوانب الاقتصادية أن يدرسه مستقلاً عن عقيدة الإسلام وشريعته.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية