هيمنت قضايا الشرق الأوسط على الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي خاطبها الليلة الماضية كل من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والرئيس الأميركي جورج بوش ونظيره الفرنسي جاك شيراك، حيث ركز ثلاثتهم على ملفات إيران والقضية الفلسطينية وأزمة إقليم دارفور السوداني، وكان لافتاً في خطاب بوش وصفه للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين بأنه «إذلال» لكنه طالب الفلسطينيين بتقديم التنازلات.

ودعوته للأمم المتحدة للتحرك في حال استمرار رفض السودان للقرار الأممي بنشر قوات دولية في دارفور وهو ما أيده الرئيس الفرنسي جاك شيراك إضافة إلى أولوية الحوار في الأزمة النووية الإيرانية.

وفي بداية المناقشات السنوية التي تشارك فيها الدول الأعضاء في الجمعية وعددها 192 دولة وأمام زعماء نحو 90 دولة ودع عنان الجمعية العامة للأمم المتحدة بنداء عاطفي للسلام في الشرق الأوسط ودفاع حار عن منظمة الأمم المتحدة التي قادها لمدة عشر سنوات.

وقال عنان (68 عاماً) إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل واحداً من أهم التحديات الأمنية التي تواجه المجتمع الدولي. وقال «لا يوجد نزاع آخر يحمل هذا القدر من البعد الرمزي والعاطفي بين شعوب بعيدة عن ساحة المعركة».

وأضاف انه «طالما بقي الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال ويتعرضون للإحباط والإذلال اليومي، وطالما بقي الإسرائيليون يتعرضون للتفجيرات في الحافلات وقاعات الرقص، ستظل المشاعر في كل مكان ملتهبة». كما أكد عنان على استمرار الأمم المتحدة في مساعدة العراق وأفغانستان.

واعتبر عنان ان اكبر تحد للمنظمة الدولية يأتي من دارفور «حيث يتواصل طرد الرجال والنساء والأطفال من منازلهم عن طريق القتل والاغتصاب وحرق قراهم، في استهزاء بمزاعمنا كمجتمع دولي بتوفير الحماية من أسوأ الانتهاكات».

وفي خطابه الذي أعقب عنان مباشرة دعا الرئيس الأميركي جورج بوش إيران إلى وقف تخصيب اليورانيوم. وأشار إلى ان بلاده تسعى إلى حل دبلوماسي لأزمة البرنامج النووي الإيراني. وحث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على تهميش العناصر المتطرفة كي يستطيع العالم العيش بسلام.

واعتبر «ان العقبة الكبرى أمام مستقبل أفضل لإيران تتمثل في ان حكامها اختاروا حرمان الشعب من الحرية واستخدام موارد البلاد لتمويل الإرهاب، وتأجيج التطرف والسعي لامتلاك أسلحة نووية».

وأضاف «تبنت الأمم المتحدة قراراً واضحاً يطالب النظام في طهران بتنفيذ التزاماته الدولية.

يجب على إيران ان تتخلى عن طموحاتها لامتلاك أسلحة نووية. العالم لا يعترض على سعي إيران نحو امتلاك برنامج نووي سلمي حقيقي». وقال بوش «نحن نعمل على حل دبلوماسي لهذه الأزمة، ونحن نتطلع إلى اليوم الذي يستطيع الشعب الإيراني العيش فيه بحرية وان تصبح أميركا وإيران أصدقاء جيدين وشركاء قريبين في قضية السلام».

وأشار بوش إلى هجمات 11 سبتمبر 2001، ودعا إلى «عالم لا يقبل الإرهاب، وهو ما يمكن تحقيقه إذا عملت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة معاً». وأضاف «العالم منهمك الآن في نضال عقائدي كبير بين المتطرفين الذين يستخدمون الإرهاب كسلاح لخلق الخوف، وبين المعتدلين الذين يعملون في كل مكان من أجل السلام».

وأشار بوش إلى التغييرات التي حدثت خلال السنوات الخمس الأخيرة في الشرق الأوسط بعضها بسرعة وبعضها الآخر تثبت جذورها وتتقدم. وقال الرئيس الأميركي «كل دولة تسلك طريق الحرية تتحرك بخطوات مختلفة لكن المحطة الأخيرة واحدة: مجتمع حر يعيش بسلام مع الآخرين».

وأضاف ان الآراء القديمة بأن الشرق الأوسط كان «مستقراً كانت وهماً، ترك الجيل الحالي في حالة وهم وخلق بيئة خصبة للإرهابيين».

واعتبر الرئيس الأميركي أن شعوب الشرق الأوسط ضللها المتطرفون الذين يعيشون بينهم. وقال انه يرغب في إيضاح موقف واشنطن وهو «أن بلادي ترغب في السلام».

وأعرب بوش عن أمله في نشر الديمقراطية والحرية في دول العالم ولاسيما الشرق الأوسط وضرب مثلاً أفغانستان بعد الإطاحة بنظام حكم طالبان والعراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين. ودعا بوش دول الشرق الأوسط إلى مواصلة عملية الإصلاحات من اليمن وحتى مصر.

وقال إن فكرة أن الديمقراطية تساهم في عدم الاستقرار فكرة مغلوطة، وأكد على أن الإصلاح والديمقراطية سوف يستمران كما سيستمر دعم الولايات المتحدة لذلك.

وبخصوص لبنان دعا الرئيس الأميركي الحكومة اللبنانية إلى العمل على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وعدم السماح لأي جماعة (في إشارة إلى حزب الله) إلى أن تنشئ دول داخل الدولة. وقال إن حزب الله يعمل على عدم الاستقرار في المنطقة ويساعد في جعل لبنان أداة في يد إيران.

وتطرق الرئيس الأميركي إلى الأزمة الحالية التي نشبت في أعقاب تصريحات البابا عن الإسلام والتي أثارت موجة غضب في أنحاء العالم الإسلامي، وإن كان لم يأت على ذكرها بالاسم حين قال إن هناك من يروج لدعاية أن الإسلام يتعرض لحرب من قبل الغرب.

وقال إن هذه الدعاية مغلوطة وهي تبرر الإرهاب. وقال إن الغرب يحترم الأديان ويشجع على التسامح وإنه يحترم الإسلام، مضيفاً بالقول: «سنحمي شعوبنا ممن يسيء إلى الإسلام».

وأعرب بوش في خطابه عن ثقته في إمكانية إيجاد حل سلمي لقضية الشرق الأوسط، مؤكداً ان كلا الزعيمين الفلسطيني محمود عباس والإسرائيلي ايهود اولمرت ملتزمان بالسلام. وقال بوش إن الشعب الفلسطيني أرغم على تحمل «إذلال يومي» بسبب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وقال بوش «بعث العالم برسالة واحدة إلى قادة حماس: «اخدموا مصالح الشعب الفلسطيني وتخلوا عن الإرهاب واعترفوا بإسرائيل واحترموا الاتفاقيات المبرمة سابقاً واعملوا من اجل السلام». وأشار إلى أن وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ستترأس بعثة لمساعدة الفلسطينيين على إصلاح أجهزتهم الأمنية ولدعم الجهود الدبلوماسية.

من جهة أخرى دعا بوش الأمم المتحدة إلى العمل على إقناع الحكومة السودانية بالسماح لقوات حفظ السلام الدولية بالانتشار في إقليم دارفور المضطرب.

وأعلن بوش عن تعيينه المدير السابق للوكالة الأميركية للتنمية الدولية اندرو ناتشيوس مبعوثاً أميركياً خاصاً لترؤس الجهود الأميركية لحل أبرز نقاط الصراع في دارفور والمساعدة في جلب السلام إلى تلك المنطقة. ودعا بوش العالم إلى ضرورة وقف المجازر الجماعية التي ترتكب بحق سكان الإقليم على أيدي ميليشيا الجنجويد التي تدعمها الخرطوم.

وقال إن «مجلس الأمن وافق على قرار يحول القوة التي أرسلها الاتحاد الإفريقي إلى قوة أكبر وأكثر قوة من القبعات الزرق ولكن النظام الحاكم في الخرطوم يعرقل نشر هذه القوات». وأضاف «إذا لم توافق الحكومة السودانية على نشر قوة حفظ السلام بسرعة يجب على الأمم المتحدة أن تتصرف».

بدوره جدد الرئيس الفرنسي التأكيد من على منصة الأمم المتحدة على ضرورة تغليب الحوار مع إيران وإجراء محادثات للبدء بمفاوضات حتى يتخلى هذا البلد عن طموحاته النووية. وقال في كلمته «في الأزمة مع إيران تأثرت الثقة بسبب وجود برامج سرية».

ومضى الرئيس الفرنسي يقول «لقد قمنا حيال هذا البلد بعروض تعاون طموحة شرط ان يعيد إقامة الثقة عبر تعليق نشاطاته التي تثير خلافاً» أي تخصيب اليورانيوم في إشارة إلى عرض الدول الست الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا والصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا). وأضاف «يجب تغليب الحوار. يجب ان نجري محادثات للدخول في مفاوضات» في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة حتى يقر مجلس الأمن قريباً قراراً ينص على فرض عقوبات على طهران.

وكان شيراك أعلن في وقت سابق أمس في ختام لقاء جمعه مع بوش ان لدى فرنسا والولايات المتحدة «المقاربة نفسها تماماً» من الملف النووي الإيراني. وأكد بوش من جهته ان الولايات المتحدة مستعدة للانضمام إلى المفاوضات مع إيران إلى جانب الأوروبيين ما ان يتم التحقق من ان طهران علقت تخصيب اليورانيوم.

وعلى صعيد القضية العربية الإسرائيلية حث الرئيس الفرنسي الأمم المتحدة على تنظيم مؤتمر دولي لإحياء جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وقال «ان الوضع الحالي لم يعد يطاق» في وقت تشهد فيه عملية السلام مأزقاً. وأضاف شيراك «أمام هذه الجمعية أدعو العالم إلى الالتزام بإعادة توفير أجواء الثقة».

وقال «يجب ان يعقد اجتماع سريع للجنة الرباعية لبدء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي. اقترح ان يحدد هذا المؤتمر مسبقاً الضمانات التي نحن مستعدون لتوفيرها إلى الأطراف ما ان تتوصل إلى اتفاق».

وأكد الرئيس الفرنسي ان «جريمة ضد الإنسانية هي قيد الإعداد» في إقليم دارفور، ودعا الحكومة السودانية ان تقبل «بلا تأخير» نشر قوات دولية في الإقليم. وأوضح شيراك «في دارفور ملايين الأشخاص يتعرضون للتهديد». وأضاف إن «فرنسا تحث المجتمع الدولي على تجنب كارثة إنسانية أخرى».