المسحراتي هو الشخص الذي كان يوقظ الناس خلال شهر رمضان المبارك ليتناولوا السحور قبل أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
ومما لا شك فيه أن المسحراتي كان يتكبد المشاق في دجى الليل من أجل مساعدة الصائمين على أداء فريضة الصيام. فقد كان يستيقظ قبل طلوع الفجر ويمشي راجلاً في السكيك يقرع الدفوف وينادي بصوت عذب داعياً الناس لتناول السحور.
ويقول عبد الله حميد: كان المسحراتي مهنة تطوعية ظهرت عندما كان المجتمع يعيش حياة بدائية، يعتمد المرء فيها على قدراته الجسمانية في تصريف شؤون حياته البسيطة أصلاً، حيث لا كهرباء ولا سيارات ولا فلل سكنية ولا طرق معبدة.
وتابع حميد: من بعد صلاة التراويح كان أهل الفريج يخلدون إلى الراحة والنوم وقبل صلاة الفجر كان المسحراتي يبدأ عمله فيطوف بين البيوت والسكيك داعياً الناس بوسائله المختلفة إلى هجر النوم وتناول السحور.
وخلال مروره عليهم لا يبخل الأهالي على المسحراتي بالأكل والشرب فهم يقدمون له الأرز والسمك والتمر والحليب والماء. بالتأكيد فإن مرور المسحراتي بين البيوت كان يمثل يومذاك ظاهرة رائعة تكسب شهر رمضان العظيم نكهة خاصة فهو إلى جانب أنه يعين الناس على أداء السحور كان يمتعهم كباراً وصغاراً بصوته الشجي.
وإذا ما انقطع عنهم يوماً بسبب المرض أو لأمر آخر فإن أهل الفريج جميعاً يذهبون لمنزله ويسألون عنه. ونتيجة للمتغيرات العصرية المتسارعة التي طرأت على المجتمع وغيرت كل مظاهر الحياة لم يعد للمسحراتي موطئ قدم في ليالي رمضان الجميلة الآن بل صار جزءاً من ذكريات الماضي البعيد.
مهنة شعبية
ومن جانبه يؤكد الباحث بمركز الدراسات بالديوان الأميري مصطفى عزت هبره أن المسحراتي كان يساعد الناس على العمل بالحديث النبوي الشريف «تسحروا فإن في السحور بركة».
ويمضي هبرة يقول: إن المسحراتي كانت مهنة شعبية تمارس في شهر رمضان المبارك وبالرغم من عصر تقنيات الإعلام والعولمة ظل المسحراتي الذي يوقظ الناس وقت السحور ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياتنا.
وبالرغم من أن مهنة المسحراتي بقيت حكراً على الرجال إلا أن تركيا سمحت للنساء بالعمل فيها، لإقناع الدول الأوروبية على المساواة بين الرجل والمرأة بحسب هبرة.
وفي مصر كانت الأسر تتوارث مهنة المسحراتي إلى الحد الذي يمكن أن تؤول إلى المرأة إذا لم يكن في الأسرة رجل يقوم بها.
ومضى هبرة قائلاً: «في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفون وقت السحور بأذان بلال بن رباح، ويمتنعون عن الطعام بأذان «عبدالله ابن أم مكتوم»، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا متى يؤذن ابن أم مكتوم.
ظهور المسحراتي
وفي عهد الخليفة المنتصر بالله في عهد الدولة العباسية قبل نحو 12 قرناً ظهرت مهنة المسحراتي.
لكن المؤرخين ذكروا أن المسحراتي ظهر إلى الوجود عندما لاحظ والي مصر عتبة بن إسحاق أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور ولا يوجد من يقوم بهذه المهمة آنذاك فتطوع هو بنفسه لهذه المهمة فكان يطوف شوارع القاهرة ليلاً لإيقاظ أهلها وقت السحور وكان ذلك عام 238ه.
وفي عصر الدولة الفاطمية أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمراً لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا على الأبواب بهدف إيقاظ النائمين للسحور، ومع مرور الوقت تم تخصيص رجل للقيام بمهمة المسحراتي، كان ينادي بصوت مسموع، يا أهل الله قوموا تسحروا.. وغالباً ما تكون تلك النداءات مصحوبة بالدق على أبواب المنازل بعصا كاثر يحملها في يده. لكن مع مرور المسحراتي حرصوا على تعيين رجل بأجر راتب يختص بهذه الوظيفة.
ويقول هبرة: من بعد ذلك تطورت مهنة المسحراتي على يد أهل مصر الذين أدخلوا عليها الطبل والعصا والأشعار الشعبية مثل:
«اصح يا نايم... وحد الدايم». وفي رأس الخيمة كان في كل فريج سكني رجل يتولى مهمة المسحراتي، فعلى سبيل المثال كان المسحراتي في المعيريض يدعى عبيد الشريف وشخص آخر يدعى خميس.
وقال ناصر الكاس: كان الأطفال يتبعون المسحراتي مستأنسين بكلامه ويشاركونه النداء.
وفي رأس الخيمة القديمة كان يقوم بمهمة المسحراتي رجل من أصل بلوشي يتحرك على ظهر حمار وينادي في الناس.
«اصح يا نايم ... وحد الدايم».
وذكر جاسم القصاب أن المسحراتي كان يحصل على الفطرة وهي التمر.