قالت لطيفة عبيد مدير المكتب الفني لوكيل وزارة التربية والتعليم أحدث قيادات الوزارة التي استقالت بعد ربع قرن من العمل، إن المؤسف في العمل التربوي أن كل فترة يصل الانجاز فيها إلى 80% من التصميم والتطوير وصياغة البرامج والمشاريع تعود لتبدأ ثانية من نقطة الصفر، مدللة على ذلك بأن هناك مشاريع تربوية لم تكتمل على مستوى فترة من التعاقب الوزاري لتولي حقيبة التربية، لأن المسؤول التربوي لا يصيغ برامجه وخططه من حاجة الميدان ولكن من استراتيجيات معدة مسبقا.

وشددت في حوار مع «البيان» على أن ظاهرة الدروس الخصوصية سوف تضمحل وتتلاشى بالتبعية مع إلغاء نظام «الثانوية العامة» هذا العام ، وهي خطوة ايجابية تسجل للدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم، مشيرة إلى أن التربية والتعليم شأن مجتمعي، فالسياسة التعليمية «ألف باء» العمل التربوي ذات أسس تربوية وأطر استراتيجية تحمل فلسفة المجتمع وأهدافه ومراميه البعيدة ثم الطرائق والأساليب المحققة لتلك الأهداف.

وفيما يلي نص الحوار:

ـ عندما نتحدث معك بصراحة عن العمل التربوي كشاهدة على ربع قرن، فنحن لا نتحدث عن أشخاص بعينهم ونفتح ملفاتهم بقدر مانتحدث عن مستقبل وطن.. ماذا تروين عن هذه الفترة؟

ـ عند الحديث عن التربية والتعليم لابد من التسليم بأنها شأن مجتمعي، فالسياسة التعليمية (ألف باء) العمل التربوي، ذات اسس تربوية وأطر استراتيجية تحمل فلسفة المجتمع وأهدافه ومراميه البعيدة ثم الطرائق والأساليب المحققة لتلك الأهداف، باختصار تحمل (صورة النظام التعليمي في الدولة)، ويجب على كل من له علاقة بالتربية والتعليم أن يكون عارفا بهذه السياسة منفذا لها، فالمعلم يجب ان يكون ملما بها ليحقق أهدافها، والمسؤول التربوي ليتابع تنفيذها.

والملاحظ أن هذه السياسة رهن الادراج بشكل عام وسر من أسرار الدولة ومعظم المنتسبين للتربية لا يعلمون عنها شيئا، من هنا يظهر خلل التربية.

والشأن التربوي في مجتمعنا الى جانب ذلك غير محظوظ، فالغالب ثقافة السوق من عناصر المال والاعمال، وعليه فالنظام التعليمي (خلف الستار) وثقافة المجتمع المال والاعمال مما يعكس عدم شعور المجتمع بالسياسة التعليمية وبالتالي لم تعد معيارا لضبط المخرجات التعليمية.

حملة تطويرية

ومن المؤسف في العمل التربوي أن كل فترة يصل الإنجاز فيها الى 80 في المئة من التصميم والتطوير وصياغة البرامج والمشاريع تعود لتبدأ ثانية من الصفر، والشاهد مشاريع لم تكتمل على مستوى فترة من التعاقب الوزاري لتولي حقيبة (التربية). فعلى سبيل المثال كانت الحملة التطويرية الثانية للمناهج التعليمية والكتب المدرسية في العام 89 ـ 90 وتمت المسوح الميدانية وتقييم وضع التربية والتعليم بالمناطق والمدارس والمناهج والمعلمين والطلبة كبيئة تعليمية.

وبعد النتائج أقر تحديث وتطوير التعليم وعقد مؤتمر عام دعي اليه من مختلف انحاء الوطن العربي وبيوت الخبرة والجامعات، وانطلقت فترة العمل التطويرية الثانية واعدت المناهج من العام 92 الى 95 ـ 96، وأجريت تجارب ميدانية في تلك الفترة اضافة الى التدريب الميداني أثناء الخدمة لذوي العلاقة، وتم الحصول على التغذية الراجعة ميدانيا، الى هنا وقف هذا المشروع التطويري ناقصا عنصر التقويم كلمسة أخيرة للعمل حتى يصبح مكتملا ما جعلنا نعيش هدرا تربويا كاملا ماديا وفكريا، وقس على ذلك بقية المشاريع مع تعاقب حقائب التربية.

نسمع كثيرا بالمنطق في الأعمال والتجارب الحديثة أن تتم التجربة مكتملة ناضجة عدا التعليمية منها، وكل مسؤول كبير يتحدث عن الهدر التربوي وضرورة ترشيد العمل التربوي والإداري والفني والمالي، ولكني أرى طوال فترة عملي عكس ذلك ، المسؤول يلغي عمل من سبقوه ويبدأ من الصفر وصارت المحصلة لاشيء.

حاجة الميدان

ـ مشكلة الوطن العربي مع المسؤول التربوي ليست فيما يعلن عنه وانما فيما لا يقوله، ويخفيه .. الى أي مدى يمكن التأكيد على صحة ذلك ؟

ـ نعم في كل شأن ، فالمسؤول التربوي لايصيغ خططه واستراتيجياته من حاجة ميدانه التربوي ولكن من خطط واستراتيجيات نظرية معدة مسبقا، فالوقوف على مشاكل الميدان وقضاياه التربوية يأتي بالدراسات الميدانية والاستبانات المسحية والتشخيص الدقيق من قبل المتخصصين وصولا الى نتائج حقيقية لهذه القضايا والهموم.

ـ النظام التعليمي في الدولة طرف في مواجهة غير متكافئة مع تحديات داخلية وخارجية ولا يمتلك وسائل تحقيقها أو التصدي لها.. كيف ترين ذلك ؟

- أنا مع ذلك وبكل أسف، صناع القرار التربوي يعترفون بذلك وعاجزون عن تحقيق الحلول الناجعة بمفردهم، ولابد من تضافر الجهود المجتمعية من البيت الى المدرسة الى الاعلام تحديدا حتى الاتصالات، فما تبنيه (التربية) في ثلاث أو اربع سنوات لترسيخ قيمة تربوية واحدة لدى المتعلم ينسفه فيلم سينمائي واحد في ساعة أو ساعتين، فكيف نصن فلذات اكبادنا أمام غث (تسونامي) العالمي الذي يجتاح الصغار من أبنائنا إلا بتوطين النفس كأولياء أمور ومعلمين ومربين ومسؤولين حافظين لرعايتهم والتأكيد على قيمنا الإسلامية وهويتنا العربية والعض عليها بالنواجز من خلال المناهج التعليمية البانية للقيم والاخلاق غير الضحلة والمهمشة.

عرض وطلب

ـ الإصلاح التربوي والتعليمي .. شعارات فارغة من محتواها في مجتمعاتنا العربية ، فالمدرس الخصوصي لايزال يطرق الباب كل يوم ويستنزف ميزانيات الأسر ... كيف تنظرين لمافيا تلك الظاهرة؟

- حقا هي فارغة من مضمونها ومحتواها لأنها عند التنفيذ لا نجد لها محصلة كمن يقول: اسمع جعجعة ولا أرى طحنا، وظاهرة الدروس الخصوصية فرضت نفسها، فثقافة الشهادات العامة وتحصيل الدرجات العلمية أوجدت الحاجة اليها، ولكنها تفاقمت مع الأيام مع ثقافة العرض والطلب وصارت مشكلة في حد ذاتها بحيث انقلب السحر على الساحر، ففي الوقت الذي كانت الأسر تطلبهم كنجدة اصبحت تستنجد بالآخرين والمسؤولين منهم.

ولكل شيء اذا ماتم نقصان، فالظاهرة سوف تضمحل وتتلاشى بالتبعية مع الغاء نظام (الثانوية العامة) هذا العام، ولعلها خطوة ايجابية تسجل لمعالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم.

حوار: يحيى عطية