شهدت العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية خلال الساعات الماضية تطوراً مفاجئاً بقرار الخارجية الأميركية خفض وجودها الدبلوماسي في دمشق، رغم محاولتها التشديد على أن بواعث القرار أمنية فقط، في وقت أعلنت إسرائيل طي ملف التفاوض مع سوريا ورجح تقرير لاستخبارات جيش الاحتلال تسخين جبهة الجولان ما قد يدفع إلى حرب بين البلدين .
وبعد 48 ساعة على إحباط الهجوم المسلح على مقر السفارة الأميركية في حي المالكي السوري، اتخذت الولايات المتحدة أمس خطوات لخفض وجودها الدبلوماسي في سوريا من خلال عرض رحلات جوية مجانية على الدبلوماسيين الذين يعد وجودهم غير ضروري لاستمرار العمل وأفراد أسر .
واشنطن تخفض العاملين لمغادرة البلاد طوعا. وأعلنت الخارجية الأميركية عن هذه الخطوة محذرة المواطنين الأميركيين من «بواعث قلق أمنية متزايدة في سوريا» بعد هجوم الثلاثاء، وقالت في بيان «تحذر وزارة الخارجية المواطنين الأميركيين وتطلب منهم تأجيل السفر لغير الأسباب الضرورية إلى سوريا.
وينبغي للمواطنين الأميركيين الموجودين في سوريا حاليا أن يقيموا وضعهم الأمني بعناية وان ينظروا في مغادرة البلاد». لكن مسؤولاً أميركياً، طلب عدم الكشف عن اسمه، قال ان القرار لا يعبر عن أي تدهور جديد في العلاقات، وشدد على أنه «لا يعبر بكل تأكيد عن أي تغيير في علاقاتنا الدبلوماسية أو أي شيء من هذا القبيل. إنه مجرد استجابة للوضع الأمني».
وجاء هذا التطور، بعد أنباء عن لقاء مفاجئ مساء الأربعاء بين الرئيس بوش ووزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي كانت في اجتماع مع مستشار الأمن القومي ستيف هادلي، وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن ليفني خرجت راضية من المحادثات التي استغرقت نحو 45 دقيقة.
ونقلت عن مصادر أميركية أن جدول أعمال محادثات ليفني مع أركان الإدارة الأميركية تصدرته ملفات لبنان وإيران وفلسطين، وأن الأميركيين شرحوا لليفني أن الحفاظ على مكانة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ومكانة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) يحتل مرتبة عالية في سلم الأولويات الأميركية.
وقالت أن بوش راض عن التقدم الدبلوماسي في لبنان ويرى في استقرار حكومة لبنان اختبارا مهما لسياسته في الشرق الأوسط. وقال مسؤول كبير في الخارجية الأميركية إن على إسرائيل أن تستكمل سحب قواتها من لبنان «وفقا للظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن هناك تقدما واضحا في المداولات على حماية الحدود السورية اللبنانية من تهريب السلاح إلى حزب الله، وشدد على أن هذه المسألة «في غاية الأهمية» في نظر الرئيس.
في هذه الأثناء، نشرت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية ملامح تقرير الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال، التي حملت توقعات غير متفائلة للعام 2007، وتحدثت عن احتمال استئناف القتال في الجبهة الشمالية بالتوازي مع ما تصفه تل أبيب بـ «تعاظم تهديد الإرهاب العالمي».
وأظهر التقرير أن التهديد بحرب أخرى قائم عمليا رغم أن أحد الأهداف الأساسية في الحرب الأخيرة على لبنان كان استعادة قوة الردع حيال الدول العربية، ويعتمد هذا الاحتمال على أساس الجهود التي تبذل من جانب إيران وسوريا لتجديد مخزون الصواريخ بعيدة المدى لدى حزب الله، مثل «فجر» و«زلزال».
وتبرز التقديرات الإسرائيلية المخاوف من أن تحاول سوريا في العام المقبل محاكاة النموذج اللبناني واستخدام منظمات لتنفيذ عمليات ضد قوات الجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان التي بقيت هادئة على مدى أكثر من 30 سنة، ما يعني أن هذا الأمر قد يتطور إلى حرب شاملة مع وسوريا. كما تتوقع الاستخبارات العسكرية سخونة على جبهة المواجهة بين الغرب وإيران مع ما يستتبع ذلك من احتمال إطلاق صواريخ إيرانية على إسرائيل.
إلى ذلك، نقلت وكالة «يونايتدبرس انترناشيونال» عن مصدر في الخارجية الإسرائيلية إن تل أبيب تأخذ «على محمل الجد» تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد المتعلقة بتحرير الجولان من خلال مقاومة شعبية على غرار حزب الله.
وبعدما قال المصدر إن «التفاوض مع سوريا ليس مطروحا الآن على أجندة الحكومة الإسرائيلية»، أشار إلى أن ثمة مؤشرات ميدانية «مقلقة» لوجود محاولات لتنظيم مقاومة في الجولان «لكننا لا نفعل شيئا في هذه الأثناء، باستثناء اليقظة واتصالات مع دول أخرى، لأن الوضع ليس واضحا تماما».
واعتبر أنهإذا اراد الأسد التوصل إلى سلام مع إسرائيل والخروج من عزلته فإن عليه أن يقوم بعدة خطوات خصوصا تجاه الولايات المتحدة. وفي الشق السياسي، قال المصدر الإسرائيلي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، انه حتى لو كان الدخول في مفاوضات مع سوريا مطروحا «فإن الولايات المتحدة وفرنسا تعارضان ذلك في الوقت الراهن».
واعترف المصدر أنه كان هناك «تفكير في إسرائيل» للعرض على سوريا مع بداية الحرب على لبنان «دور ايجابياً» مقابل العودة إلى مسار سياسي، معتبراً أن السوريين «لم يرسلوا مؤشرات في هذا الاتجاه وإنما دعموا حزب الله ولذلك تم إسقاط الفكرة».
وقلل المصدر في وزارة الخارجية من أهمية تصريحات أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس ووزير الأمن الداخلي آفي ديختر باتجاه تأييد فتح مسار سياسي بعد انتهاء الحرب في لبنان. وقال إن «الأمر الواضح بالنسبة لنا الآن هو أن سوريا لا تعتزم إجراء مفاوضات»،
واعتبر أن الحديث عن أن سوريا ترغب بتجديد المفاوضات مع إسرائيل نابع من كون الأسد يرزح تحت ضغوط في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005. وقال أن الرئيس بشار الأسد «معزول دولياً، فلماذا علينا إعطاءه حبل النجاة الآن».
وأوضح المصدر أن هناك أسباباً عدة لإسقاط الحكومة الإسرائيلية احتمال التفاوض، بعضها يتعلق بالوضع الداخلي في إسرائيل وبعضها خارجي. ولفت إلى أن من أول هذه الأسباب أن الحكومة الحالية «ضعيفة»، خصوصا بعد حرب لبنان والانتقادات التي تتعرض لها بسبب إخفاقها في إدارة الحرب، وشدد على أنها لن تكون قادرة على الدخول في عملية سياسية كبيرة مثل مفاوضات مع سوريا.
وقال إنه حتى لو أرادت إسرائيل، نظرياً التوجه إلى مفاوضات فإن الثمن الذي عليها دفعه مقابل التوصل إلى اتفاق سلام معها معروف وهو الانسحاب من هضبة الجولان «لكن لا يوجد تأييد واسع في إسرائيل لتنفيذ خطوة كهذه».
وأشار إلى أن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا تعارضان مثل هكذا خطوة في الوقت الراهن، وقال إن إسرائيل «لن تتلقى دعما دوليا لخطوة باتجاه سوريا وسيعمل الرئيس بوش والرئيس الفرنسي جاك شيراك على منع التفاوض وحتى من إجراء اتصالات مع دمشق، مشيراً إلى أن الأمر بالنسبة لشيراك «أصبح مسألة شخصية وموقفا شخصيا من سوريا والأسد».
واشنطن، القدس المحتلة ـ «البيان» والوكالات