في تحليل لهروب أعضاء الهيئات التدريسية أو تسربهم من مهنتهم الحارقة بعد تلقي إدارة التخطيط والموارد البشرية في وزارة التربية والتعليم 185 اعتذارا واستقالة، علينا أن ندرك ان هناك ظاهرة أخرى تمثل الوجه الآخر لعملة الباحثين عن حفنة دراهم مقابل جهد وعناء أقل حيث يعتبر بعضهم المهنة «ترانزيت» يتحرك منها إلى محطة الرفاهية في شركات البترول أو مؤسسات وهيئات تدفع أكثر.
وبذلك يمكننا القول: إن العوامل التي تمثل مصدرا لإبقاء من يعمل في مجال التعليم أضعف بكثير من عوامل الطرد التي تتمثل في عدم تناسب الرواتب مع طبيعة العمل التربوي التي تتسم بطبيعتها الحارقة مقارنة بغيرها من المهن.
متابعة: عبدالرزاق المعاني
قال الدكتور عيسى السويدي الرئيس التنفيذي للعربية لتطوير التعليم انه لا يمكن تطوير التعليم والنهوض بمستواه دون تعديل كادر المعلمين ليصبح مساويا للمهن الأخرى، حيث إن المعلم يتقاضى الآن راتبا أقل من أقرانه في القطاعات الحكومية الأخرى، رغم كثرة أعبائه وصعوبة المهنة.
وأوضح أن عزوف العنصر المواطن عن مهنة التدريس له أسباب عامة للذكور حيث ان امامهم فرصا كبيرة في قطاعات أخرى، مشيراً إلى أن المزايا التي يحصل عليها الموظف في أي وظيفة أو قطاع أفضل بكثير من العمل بقطاع التعليم،
خاصة انه يحظى بدرجة أعلى من الدرجة التي يحصل عليها المعلم حتى ولو تساوى معه المعلم في الدرجة العلمية وفي سنوات العمل، كما أن الموظف في القطاعات الأخرى تتم ترقيته باستمرار ويحصل على علاوة تشجيعية في كل ترقية، بينما لا يجد العديد من العاملين في التربية المزايا نفسها، ولهذا أصبحت التربية تعاني من مشكلة تسرب المواطنين إلى قطاعات أخرى.
وأشار د. السويدي إلى تجربته كمدير لتعليمية أبوظبي خلال فترة سابقة، وقال خلال منتصف التسعينات منحت علاوات خاصة للمعلمين لاستقطاب العنصر المواطن إلى هذه المهنة، ولكن بقي العزوف موجودا، بسبب وجود وظائف مغرية في قطاعات أخرى من حيث الراتب وقلة الأعباء وبالذات في إماراتي أبوظبي ودبي، ومازالت هذه القطاعات تستقطب المواطن وهي أكثر دخلا واقل عبئا.
وفيما يتصل بالإناث أوضح د. السويدي أنها مازالت تمثل المهنة الأولى لاستقطاب المواطنات للعمل في التدريس، لكن بمجرد توفر وظيفة تتلاءم والعادات والتقاليد تنتقل إليها لأن أعبائها اقل وخاصة بين المعلمات القديمات لأن هذه المعلمات يشعرن بشيء من الإحباط، حيث إن المسؤوليات تزيد عليهن داخل المدرسة وخارجها، كما أن الحوافز كما هي لا تتغير.
وتساءل د. السويدي عن كيفية استقطاب العنصر المواطن للالتحاق بهذه المهنة، وجعلها بيئة جاذبة، مؤكدا أن الحل يكمن في إعادة النظر في نظام الحوافز والترقيات، والتقدير المعنوي الذي يجب أن يحصل عليه المعلم من القيادات التربوية،
بحيث يحصلون على الثناء الذي يستحقونه وان يتم التعامل مع مشاكل المعلمين في وسائل الإعلام بحساسية عالية، بخاصة تضخيم المشكلات المتعلقة بتقصير المعلمين وتعميمها على الكل مما يؤدي إلى حالة من الإحباط بين المعلمين.
وأوضح د. السويدي أنهم يتخذون من هذه المهنة وظيفة عبور «ترانزيت» لوظائف أخرى، لأنها أسرع الوظائف التي يمكن أن يلتحق بها المواطن مشيرا إلى أن هذا التصرف من البعض يؤدي إلى إشكالات كبيرة داخل المدرسة وتؤثر بشكل مباشر على الطالب، لأن المعلم يتغيب فجأة ويترك مكانه شاغرا.
وطالب د. السويدي بضرورة إصدار تشريعات وقوانين تحد من هذه الظاهرة ومنها على سبيل المثال انه من يتم تعيينه لا يسمح له بالعمل في وظيفة أو الالتحاق بأخرى.وأكد عيسى السري رئيس جمعية المعلمين بالدولة أن الحد من تسرب العنصر المواطن وقلة الإقبال على مهنة التعليم مرهونان بالمتوفر لوزارة التربية والتعليم على مختلف الصعد.
وربط السري عدم الإقبال على المهنة ببيئة العمل في الدولة والقوانين المحيطة بمهنة التعليم والفرص خارج المهنة لافتا إلى ان مهنة التدريس صعبة وعليها تبعات كثيرة، حيث إنها تمثل بيئة غير جاذبة بسبب الجوانب التنظيمية والقانونية الخاصة بها من جميع جوانبها، وهي غير مهيأة لاستقطاب الكفاءات التربوية الجيدة.
وقال السري: خارج مهنة التدريس هناك وظائف كثيرة تستقطب المواطنين أفضل من مهنة التعليم من حيث القوانين والأنظمة، معتبرا ذلك خللا مرده عدم وجود الحوافز المالية المشجعة للإقبال على الوظيفة وطالب بتحسين مستوى الراتب ليناسب ما يبذله من جهود وتحسين واقع المعلم اجتماعيا.
وأضاف الجميع يعلم حجم ضغوط العمل بالنسبة للمعلمين وكثرة المتابعات الإدارية والفنية وعدم توفر الإمكانات من قبل وزارة التربية والتعليم للمعلمين، حيث يوقع كل ذلك المعلم في صعوبات جمة قل يصمد أمامها معلم أو معلمة مواطنة.
ولفت رئيس جمعية المعلمين إلى بيئة التدريس حاليا لا تساعد الإنسان المبدع من حيث الحقوق والواجبات مشيرا إلى أنها متساوية بالنسبة للمتميز والمقصر، حيث إن المتميز لا يجد طموحه ولا يكافئ على جديته واجتهاده وتميزه، والمقصر لا يؤخذ على يده، قال إن بيئة التدريس أصبحت طاردة و ليست بيئة عطاء، ولا يبقى في مجال المهنة إلا قلة قليلة من الذين يشعرون أنهم يؤدون رسالة مجتمع وهؤلاء يعانون الأمرين في الوظيفة.
وأوضح السري أن المؤسسة الرسمية المعنية بالأمر لا تحرص على الكفاءات والطاقات الموجودة من المواطنين في هذه المهنة، مشيرا إلى ان المعلم يبقى الى الابد في وظيفة التدريس دون ترقيات وأيضا دون تطور في الجانب المادي في حين أن اقرانه من الذين تخرجوا من الجامعة تتحقق أهدافهم في عمر وظيفي اقل مع العلم أن المعلم يمثل العنصر الرئيسي الذي يصنع تنمية حقيقية هو المعلم، لأنه يتعامل مع الثروة البشرية وهي أغلى ما نملك.
وشدد السري على أن تجارب العالم أثبتت انه راهن على مهنة التعليم وجعلها في مصاف مهن الصدارة في المجتمع، مشيرا إلى ان تلك الدول نجحت نجاحا ملحوظا تعدى حدودها الإقليمية إلى العالمية.
