أكد مسؤول في المركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس دائرة الصحة والخدمات الطبية أن نسبة الإصابة بمرض السكري بين مواطني الدولة تعتبر الثانية عالمياً وتصل إلى 20% أي أن هناك مواطناً من بين كل خمسة مواطنين من فئة البالغين 20 إلى 40 سنة مصاب بالمرض وبمعدل 33%.
كما كشف المركز أن نسبة الإصابة بمرض فرط ضغط الدم والتي تم التوصل لها من خلال جمع الدراسات والأبحاث التي تم نشرها في المجلات المتخصصة المحلية والإقليمية والعالمية أن نسبة الإصابة بمرض فرط ضغط الدم وصلت إلى 37% الغالبية العظمى من المصابين بالمرض تتراوح أعمارهم بين 30 إلى 50 سنة.
وقال البروفيسور غازي عمر تدمري نائب مدير المركز العربي للدراسات الجينية في حوار أجرته معه «البيان»: بأن المركز العربي سيشارك مع منظمة الجينوم البشري في مشروع الجينوم البشري العالمي للمتغيرات الوراثية وهي الصفات التي يمكن من خلالها تمييز الشعوب والتي سيتم من خلالها إنتاج الأدوية التي تتلاءم مع طبيعة تلك الشعوب في المستقبل والى تفاصيل الحوار:
حصر الأمراض
* د. غازي بدأتم قبل سنوات بمشروع جمع البيانات المتعلقة بالأمراض الوراثية في دولة الإمارات بصورة خاصة والدول العربية بعامة فهل تم الانتهاء من رصد كل الأمراض الوراثية المنتشرة في منطقتنا العربية، وما هي أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً في الدولة؟
ـ انتهينا تقريباً من حصر الأمراض الوراثية المنتشرة بين المواطنين والعرب المقيمين في الدولة من خلال جمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالأمراض التي تم اكتشافها وتم استسقاء المعلومات والبيانات من ثلاثة مصادر أوثقها المنشورات العلمية المنشورة في المجلات العلمية العالمية المحكمة والمجلات العلمية المحلية والإقليمية المحكمة لأنها تحتوي على معلومات مهمة ودقيقة عن الأمراض الوراثية .
ومنها على سبيل المثال، مجلة جمعية الإمارات الطبية،حيث قمنا بمراجعة كل الأعداد التي صدرت منذ 30 عاماً ولغاية الآن لرصد الأمراض الوراثية في الدولة والمصدر الثالث للمعلومات هو ملفات المرضى في المستشفيات. وقمنا بالتركيز على ثلاث مستشفيات (مستشفى الوصل في دبي، والكويتي، والقاسمي في الشارقة).
واستطعنا من خلال المعلومات المتوفرة رصد 228 مرضاً وراثياً أبرزها الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي وامراض الهيموجلوبين، والسكري وفرط ضغط الدم والسرطان ومتلازمة داون، فيما احتلت الأمراض التي تسبب تشوهات خلقية أو تلك الناتجة عن أخطاء جينية في الكروموسومات أكثر من 50%.
وكما تذكر في أول مقابلة مع البيان « حذرنا من ارتفاع نسبة الإصابة بمرض الثلاسيميا في الدولة والحمد لله تحركت جميع الجهات في الدولة للتصدي لهذا المرض تم وضع خطة وطنية لإعلان الدولة خالية من مرض الثلاسيميا في العام 2012، وصدر قرار الفحص الإلزامي للمقبلين على الزواج ومثل هذه الخطوات ستؤدي إن شاء الله لوقف ولادات جديدة لأطفال مصابين بمرض الثلاسيميا.
الآن بعد استكمال جمع البيانات المتعلقة بالأمراض الوراثية اكتشفنا أن هناك مرضين ينتشران بنسب مخيفة بين المواطنين وهما السكري وفرط ضغط الدم حيث بلغت نسبة الإصابة بمرض السكري بين مواطني الدولة 20%، أي أن هناك مواطنا من بين كل خمسة مواطنين من فئة البالغين 20 إلى 40 سنة مصاب بالمرض وبمعدل 33% .
وهي الثانية عالميا ومن المفارقات أن الدولة التي تحتل المرتبة الأولى عالميا هي جزيرة لا يتعدى سكانها مئة ألف نسمة. أما فيما يتعلق بمرض فرط ضغط الدم فقد بينت دراسة قام بها عدد من الباحثين في إمارة الشارقة وشملت 3150 شخصاً تراوحت أعمارهم بين 30 إلى 50 سنة، أن نسبة الإصابة بفرط ضغط الدم وصلت إلى 37% .
وهي أيضا نسبة عالية ومؤشر خطير على مدى انتشار المرض، الأمر الذي يستدعي تحركا سريعا من قبل الجهات الصحية في الدولة لوضع خطة وبرامج للتوعية والفحص المجاني مع التركيز على المناطق خاصة وان هذين المرضين يعتبران من الأمراض المكلفة خاصة من ناحية المضاعفات.
المشروع يحتاج إلى 15 سنة
* ما هي الخطوة الثانية للمركز ومتى تتوقعون الانتهاء من حصر الأمراض الوراثية في الدول العربية؟ ما هي آفاق التعاون المستقبلي بين مركز الجينات والدول العربية وهل باب الاستفادة من المركز سيكون متاحاً أمام العلماء العرب؟
ـ بدأنا من أشهر بجمع المعلومات المتعلقة بالأمراض الوراثية في دولة البحرين ولغاية الآن توصلنا إلى 150 مرضاً وراثياً وبعد الانتهاء، سننتقل لدولة أخرى وهكذا، العملية ليست سهلة كما يتصورها البعض ، وانما هي عملية مضنية وتحتاج لفترة طويلة لا تقل عن 15 عاماً، بعض الدول لا تتوفر عنها أي معلومات وليس لديهم مراكز متخصصة للأمراض الوراثية.
كما ان التعداد السكاني يلعب دورا كبيرا في عامل الوقت ، فدولة مثلا تعداد سكانها خمسة ملايين نسمة لا يمكن مقارنتها مع دولة تفوق بخمسة أضعاف أو بخمسة عشر ضعفا مثل مصر، ولكن بصورة عامة تبلورت لدينا فكرة عن عدد الأمراض الوراثية المنتشرة في الدول العربية ولغاية الآن وصل عدد الأمراض الوراثية إلى 720 مرضاً.
وأضاف طبعا سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة كان له بعد نظر ثاقب عندما أعلن عن إطلاق هذا المشروع الذي يعتبر قوميا رائدا لجميع الدول العربية.
بالتأكيد باب الاستفادة من المركز سيكون متاحاً للدول العربية على كل الصعد والميادين ومنها تبادل المعلومات والخبرات والاستفادة من المختبرات المركزية التي سيتم إنشاؤها في المستقبل. العام الماضي تم تشكيل المجلس العربي للجينوم وسيضم خبراء عرباً من الإمارات والسعودية والبحرين وقطر والكويت وعمان وتونس والمغرب ولبنان والسودان.
وذلك بهدف تأسيس شبكة اتصال ضمن العالم العربي وتبادل الخبرات ضمن البيت الواحد. المركز استضاف أول مؤتمر حول الأمراض الوراثية وشارك فيه علماء من منظمة الجينوم البشري ومنظمة الصحة العالمية والعديد من المؤسسات والمنظمات العالمية إضافة للمهتمين والمختصين العرب وشهد المؤتمر حضورا كبيرا فاق كل التوقعات وكان بالنسبة للمركز نقطة تحول جذرية انطلق خلالها المركز إلى العالمية، وكان اكبر إنجاز حققه المركز هو اعتراف معظم الجهات والهيئات العالمية بما فيها منظمة الجينوم البشري بالمركز، وأصبح المركز مرجعا عالميا للباحثين العالميين كافة.
دراسة هوية الشعوب
* أشرتم في بداية حديثكم إلى أن المركز سيشارك في دراسة المتغايرات الوراثية للشعوب فهل لك أن تعطينا تفصيلاً أكثر حول هذا الموضوع؟ وما هي أهمية ذلك؟
ـ مشروع الجينوم كان مقررا أن ينتهي خلال عشر سنوات ولكنه انتهى خلال ثلاث سنوات، وتم عقد مؤتمر عالمي في استراليا شارك فيها المركز العربي للدراسات الجينية للإعلان عن الخطوة الثانية وهي الجينوم البشري العالمي للمتغيرات الوراثية، وهي الصفات التي يمكن من خلالها تمييز وتحديد هوية الشعوب عن بعضها البعض.
وهذا المشروع يحتاج كما تم الإعلان عنه خلال المؤتمر إلى 40 مليار دولار عكس مشروع الجينوم البشري الذي لم يكلف سوى ثلاث مليارات دولار، ما يعني أن الأمر قد يحتاج إلى بعض الوقت ويحتاج أيضا إلى تشريعات وقوانين من قبل الحكومات.
الطب الحديث لا يعتمد على التشخيص السريري والإكلينيكي وإنما على التشخيص الوراثي. في الدول المتقدمة أي مريض يحمل أيا من الأمراض الوراثية يعمل له هوية وراثية تكشف أسرار كل الجينوم البشري الذي يحمله وتبعا لنوعية هذه الجينات سيتم تركيب كوكتيل من الأدوية للمريض تساعده على الاستجابة بفعالية اكبر .
بمعنى آخر الطب الحديث عبارة عن مزيج من الطب الكلاسيكي وعلم الجينات وعلم الصيدلة الجينية (الدواء يركب تبعا للصفات الوراثية) التي يحملها كل فرد لم نصل بعد إلى هذه المرحلة ولكن بدراسة المتغايرات الوراثية للشعوب سيصبح ذلك ممكنا.
المركز العربي للدراسات الجينية طلب منه المشاركة في هذا المشروع لانه يمتلك قاعدة بينات كاملة عن الأمراض الوراثية المنتشرة في الدول العربية وبالتالي سيكون ممثلا لدول المنطقة كافة في هذا المشروع الكبير وهذا بحد ذاته انجاز واعتراف كبير بالمركز من قبل المنظمات العالمية.
المختبرات
* حذرتم قبل فترة من خطورة إرسال العينات إلى المختبرات فكيف يمكن استغلال تلك العينات وما هو المطلوب؟
ـ نعم كثير من العينات يتم إرسالها لمختبرات خارج الدولة للتحليل نظرا لعدم توفر المختبرات والأجهزة اللازمة لإجراء مثل هذه التحاليل وهذه العينات يمكن استغلالها في معرفة المعلومات الجينية.
وهي معلومات لا يستهان بها، بل هي معلومات تحتسب في بعض الدول معلومات إستراتيجية بالغة السرية ويجب عدم الإفصاح عنها لان بعض المتغيرات الحساسة في جسم الإنسان يمكن أن تعطي فرصاً لاكتشاف هوية شعب أو جنس كما يمكن استغلالها في تطوير مواد ممكن أن تكون فعالة أكثر على جنس من الجنس الآخر.
في بعض الدول ومنها تركيا على سبيل المثال مشروع الجينوم البشري يخضع بكامل جوانبه التمويلية والإشرافية والرقابية لوزارة الدفاع وهناك اجتماع يعقد كل ستة أشهر يضم علماء وأساتذة الجينات وضباطاً من وزارة الدفاع لدراسة كل ما يتعلق بالجينات ضمن قوانين صارمة جداً تسمح لبعض المعلومات العلمية البحثية أن تصدر والمعلومات الأخرى تحجب نفس الشيء في دولة الإمارات لا يفترض أبداً أن تذهب العينات خارج الدولة دون أي رقابة.
وأضاف صحيح أن العينات يمكن أن تتم دراستها في الخارج لأهداف آنية، لكن على المدى البعيد يمكن استغلالها لأمور حساسة. ودعني أوضح ذلك بمثال بسيط على الاستغلال، الأمراض الوراثية بما فيها الضغط والسكري والثلاسيميا لها أوجه وأنواع عدة وهناك نسبة من المرضى يستجيبون لصنف محدد من الدواء أكثر من أي نسبة أخرى لان لديها قاعدة وراثية قادرة على استقبال الدواء والتأقلم معه.
أما المرضى الآخرون الذين لا يستجيبون للدواء فيلزمهم تركيبة دوائية مختلفة وبالتالي يمكن للشركات المصنعة استغلال هذه العينات بعد تحليلها وإنتاج أدوية تخضع لبراءة الاختراع لسنوات طويلة وتبيعه الشركة بسعر مرتفع وهذا استنزاف للاقتصاد الوطني لأي دولة.
ولكن لو قامت الدولة أو أي دولة أخرى بإجراء الدراسة على العينات الوراثية بذاتها لكان بإمكانها فرض شروطها على شركات الأدوية إما من خلال حصة معينة أو نسبة من الأرباح أو سعر خاص.
وبالتالي كل ما نتمناه هو أن تتم ترجمة الأبحاث والمعلومات النظرية التي بحوزتنا الآن إلى تطبيقات عملية وهذا يتطلب تأسيس مختبر مركزي لبحث الأمراض الوراثية ولا اعتقد بان هناك عقبات تحول دون ذلك فالتقنيات أصبحت متاحة للجميع والإمكانيات المادية والطواقم الطبية والفنية متوفرة بكثرة وما ينقصنا هو فقط الإرادة.
حوار: عماد عبدالحميد