يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة»، ومعنى ذلك أي استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، فإنكم بالصبر على المكاره، ثم بالإسراع إلى الصلاة، تدركون حاجاتكم ومرضاتي (إن الله مع الصابرين) أي: فإني مع الصابرين أنصرهم وأرعاهم وأكلؤهم (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء) أي: لا تقولوا لمن قتل في سبيل الله هو ميت فإن الميت من لا يلتذ لذة
ولا يدرك نعيماً ومن قتل في سبيل الله فهو في حياة ونعيم، وعيش هنيء يرزقون من مآكل الجنة ومطاعمها وهم في برزخهم ينعمون (ولكن لا تشعرون) أي: ولكنكم لا ترونهم فتعلمون أنهم أحياء.ثم بعد ذلك يقول الله تعالى مخاطباً المؤمنين ـ الذين نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم حتى نحشر معهم في الجنة إن شاء الله.
( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) أي ولنختبركم ـ أيها المؤمنون ـ بشيء من الخوف الذي ينالكم من عدوكم وبشيء من الجوع بسبب القحط الذي تنالكم فيه مجاعة وشدة (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) أي: وبشيء من نقص الأموال والأولاد والثمار كل ذلك للامتحان والاختبار ليتبين الصادق في الإيمان من المنافق (وبشر الصابرين)
أي: وبشر يا محمد الصابرين على بلائي المستسلمين لقضائي بما يسرهم من المغفرة والرحمة (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) أي: القائلون عند المصيبة: إنا عبيد الله في حياتنا وصائرون إليه بعد مماتنا (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) أي: هؤلاء الصابرون لهم مغفرة من ربهم لذنوبهم ولهم رحمة من الله ورأفة (وأولئك هم المهتدون) أي: المصيبون لطريق الحق، المعتدون للرشد والصواب.
هذا.. وإذا كان الابتلاء معناه الاختبار.. فإن المراد منه هو أن يطمئن الإنسان على نفسه وهو أيضاً ـ في نفس الوقت بمثابة المرآة التي إذا نظر الإنسان فيها عرف إذا كان من المؤمنين الصادقين المبشرين بثواب الصابرين أم لا ؟ وكذلك يتبين له إذا كان من الراضين عن الله تعالى أم لا؟..
وقد قرأت حول هذا المعنى أن إحدى الصالحات ـ عليها رضوان الله ـ سمعت رجلاً يقول: «اللهم ارض عنى».. فقالت له: «لو رضيت عن الله لرضي الله عنك!! فقال لها: «وكيف أرضى عن الله؟» فقالت له: «يوم أن تفرح بالمصيبة فرحك بالنعمة، لأن كلتيهما من عند الله».
وهذا الكلام معناه: انه ينبغي ألا يكون هناك جزع بتلك الصورة التي تحدث من بعض الناس، والتي قد تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.ولهذا.. فقد رأيت ـ بعد هذه الإشارة السريعة ـ أن أقف مع الأخ المؤمن على بعض الأحاديث الشريفة التي أرجو أن تكون سبباً في تأكيد إيماننا عند الابتلاء.
فعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.. إن أصابته سراء، شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» رواه مسلم.
وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن ابني قد احتضر فأشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى كل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر
ولتحتسب «فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وأبي، وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده.
فعلى كل مسلم ومسلمة أن يلاحظا كل هذا ويذكراه.. بل وينفذاه.. إذا حدث لهما هذا الابتلاء الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفينا منه.. أو يعيننا عليه.. حتى نكون ـ إن شاء الله تعالى ـ من المبشرين بجزاء الصابرين.. بل ومن المشار إليهم في قول الله تبارك وتعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
رجاء علي