قال الشيخ: كثيراً ما تطرح قضية العقل والنقل للنقاش والأخذ والرد في الكتب والمؤتمرات دون تحديد دقيق لمعنى هاتين الكلمتين ودون فهم صحيح لأصول إعمال العقل في النقل، بل لعلي أقول أن مساهمات صدر أكثرها عن سوء نية وخبث قصد،
ظهرت وتظهر في هذه الأيام وهي تحاول تبرير الانفلات من النصوص والخروج عنها وإبداع أو خلق إسلام بديل عن الإسلام الحقيقي يتماشى مع الأهواء الأيديولوجية وغيرها وكل ذلك باسم العقل وتحت لواء إعماله في النقل.
والمقصود بالنقل هو القرآن العظيم الذي تعهد الحق سبحانه وتعالى بحفظه والذي ثبت تاريخياً وصوله إلينا دون تحريف أو تبديل أو حذف أو زيادة، والأحاديث النبوية الصحيحة التي أبدع المسلمون في إيجاد طرائق علمية لا يرقى إليها الشك لوزنها والتثبت من صحتها،
ثم أقوال الصحابة والتابعين ممن أخذوا عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وتلامذته فهمهم للإسلام فكانوا أقرب منا إلى النبع النقي الصافي.أما العقل فلا يسهل إيجاد تعريف واحد بسيط له. إذ أننا بمجرد تجاوز المقولات والبديهيات العقلية الأولى نجد أنفسنا بصدد (عقول) لا عقلاً واحداً،
وهي عقول تتصل بمرجعيات مختلفة بدءاً من المنطق والفلسفة اليونانية ومروراً بالمدارس الفلسفية والكلامية والإشراقية المختلفة وانتهاءً بالمفاهيم والاتجاهات الأيديولوجية المتنوعة وآخرها ما يقال عن الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة والمعلوماتية وغيرها.
ومن الجلي الواضح أننا قد أمرنا بمنطوق القرآن العظيم أن نعمل العقل ونلاحظ ونتدبر في الكون والإنسان «آيات اللَّه في الآفاق والنفس» وأن نكون مسلمين عن وعي وقناعة ويقين لا بالتقليد والمحاكاة والعدوى الفكرية أو النفسية. والقرآن العظيم يمتلئ بحوارات عقلية أقامها مع المشركين وأهل الكتاب والمنافقين
وهي حوارات تتسم بالعمق والبساطة بحيث تقنع الإنسان البسيط وفي الوقت نفسه تعبر عن «حقائق» و«يقينيات منطقية» تقبل الصياغة بأي مستوى من التعقيد اللغوي أو المنطقي أو الفلسفي، وقد أبلى صاحب «قصة الإيمان» الشيخ نديم الجسر بلاء حسناً في عرض الآيات القرآنية التي تمثل شواهد أو أدلة عقلية على ثوابت الإيمان من إيمان بالله ورسله وكتبه وأهمها القرآن الذي سلم من عبث العابثين.
وتمدنا اليوم العلوم التطبيقية بحقائق وشهادات تمكننا من إعادة صياغة اليقينيات الكبرى في العقيدة الإسلامية بلغة معاصرة كأن يقيّم وجود الكون المنظم إلى حدود بالغة في الدقة الغائية بميزان الاحتمالات حيث يبدو الاعتقاد بالوصول إلى التنظيم والدقة البالغين في البناء الكوني عن طريق الصدف والعشوائيات المتراكبة ضرباً من الاستحالة.
أما العلوم الإنسانية وأكثرها لم يتحرر من المدارسية الأيديولوجية فيفيد بعضُ ما جاء فيها من إلقاء الأضواء على بعض المفاهيم والمعاني الأصيلة في النصوص مع ضرورة الحذر الدائم من طبيعة هذه العلوم بتحيزها الغالب وبسرعة التحولات والانقلابات فيها مع تقديم دائم للنص على مقولات هذه العلوم المتلونة والمتغيرة باستمرار.
إن ما نريد أن نشير إليه هو أن كثيراً من الدراسات المعاصرة التي تنادي بأولوية العقل وبهاجس التقدم اقترفت وتقترف جرائم بحق الموضوعية والتجرد والحرص على الحقيقة مدفوعة بأهواء سياسية أو فلسفية أو غيرها، وقد سمحت لنفسها بأن تهدم كل شيء وصولاً إلى تعريفات وأفكار غرائبية تصدم المتلقي عندما تشعره بتهافت أي ثوابت كان يركن إليها أو يتصور أنها أمور قد بُتَّ فيها ولم تعد قابلة للمناقشة.
إن هذا العقل الذي يراد فيه وبه تفجير النقل ونسف ثوابته ليس عقلاً إلا بالمعنى الذرائعي المنفعي، وإلا بالمعنى المؤدلج المتحيز. وكل الدراسات التي تتم باسمه تنادي بأنه يُعاد تعريف أبجدية المفاهيم المتنفق عليها بدفع هاجس الإبداع والمخالفة والسير باتجاه يعاكس التيار،
ويبدو أن »همَّ« تدمير كل الجهاز المعرفي وإعادة تشييد بناء معرفي جديد يتنصل من الذاكرة والتاريخ والتطور الفكري والمعرفي همّ يراد تعميمه ونشره بعد أن تم نقله عن هلوسات ما بعد الحداثة. ومن الواضح أننا هنا لسنا بصدد نشاط عقلي أو بحثي محترم بقدر ما نحن بصدد عبث يتخذ من الحيلة والخداع البهلوانية والذرائعية سبيلاً لنشر البدع التي لا نظنها قادرة على مواجهة السبر والنقد الموضوعي المجرد.
ماهر سقا أميني