تعليم من أجل نهضة مجتمعية شاملة.. شعار يتبناه مجتمع الدولة كبقية البلدان العربية، عند تأمله نجد أنه يوحي إلى فرضية مؤداها أن التعليم هو العامل الأكثر تأثيراً في حركة المجتمع وبرامجه التنموية المختلفة، ويبدو أننا تبنينا هذا الشعار وتغنينا به لعقود طويلة دون الإلمام بتفاصيله. وإذا سلمنا أن التعليم عامل حاسم في تقدم المجتمع، فإن هناك سؤالاً غاب عنا :

هل يمكن للمدرسة أن تقدم وحدها تعليماً يصنع المستقبل ويحقق نهضة المجتمع؟تؤكد الدراسات العلمية في إجابتها عن التساؤل أن التعليم الجيد بيد أطراف أخرى تعرف بمراكز الدعم التربوي والتعليمي متمثلة في الأسرة وجماعة الرفاق والإذاعة المرئية والشارع وبيئات مراكز التسوق التي يتربى فيها الأطفال، وتنافس المدرسة في تشكيل شخصياتهم.

تحقيق ـ يحيى عطية:

إذا كانت الأبحاث تؤكد هذه الحقيقة فإن ترجمة هذه النتيجة إلى خطة مجتمعية لتطوير التعليم ينبغي بالضرورة أن تتضمن محورين رئيسيين للتطوير أولهما : محور الإصلاح الداخلي لمؤسسات التربية والتعليم لنتحكم بنسبة الـ 9 % في أحسن الأحوال، وثانيهما : خارجي شاق وعسير لنتحكم بنسبة الـ 91 %..

ترى ما رأي من بيدهم الحديث عن نسبة الـ 9 %؟

يقول عارف فضل مدير مدرسة محمد نور للتعليم الأساسي في دبي: المدرسة الإماراتية ليست لديها القدرة على تقديم تعليم جيد لأنها مكبلة بقيود وزارة التربية والتعليم، وهي مرتهنة بقراراتها بدءاً من إصلاح المكيفات وانتهاء باختيار المناهج والمعلمين.

فالمدرسة ليس بإمكانها فعل شيء في ضوء ذلك، ودورة التطوير ممتدة في الوزارة وتحتاج إلى سنوات طوال حتى تدور عجلتها، مشبهها بحركة «الديناصور»، مشيراً إلى حاجة المدرسة الإماراتية للتمتع بالرشاقة التنظيمية والقدرة على معالجة العنصر الأول في تطوير التعليم وتحقيق تنمية المجتمع من خلال المعلم.

وأكد فضل أن كل ما ذكر عن إعطاء مزيد من الصلاحيات للمدارس ما هو إلا إصلاحيات ورقية فقط، وتابع مستطرداً : هناك مجموعة من المعلمين متدنية تقاريرهم ولا يستطيعون تقديم خدمة متميزة للتعليم.

ولا تستطيع الوزارة استبدالهم بآخرين متميزين من خريجي الجامعات الحاصلين على مؤهلات تربوية والسبب أنها غير قادرة على دفع رواتب ومكافآت أكثر مما كانت تدفع من 25 سنة، موضحاً أن مجموعة من المعلمين أبدت رغبة صادقة في الرجوع لبلدانهم العربية لأن ثلاثة أرباع رواتبهم تذهب للسكن، مطالباً بتعديل وضعهم من حيث الراتب وتقييم الأداء والحوافز التي تقدم للمتميزين منهم.

دراسة متأنية

ويرى الدكتور هاشم دويدري منسق اللغة العربية أن هناك واقعاً غير مناسب يرتبط بالنظرة التي تركز على دور المدرسة في المجتمع، فالجميع يعلم أن وزارة التربية والتعليم تركز أصلاً على جانبين، التربية وهو الأساس، والتعليم وهو رديف، وكل تعليم لا يصب في حقل التربية لا يكون تعليماً صحيحاً.

وقال : إذا ما بحثنا عن الجهات التي يمكن أن تساهم في بناء جيل يمتلك مقومات التربية الصحيحة نجد أن المدرسة في الوقت الحالي هي جهة قد تكون رئيسية من تلك الجهات ولكنها ليست الجهة الوحيدة التي يفترض أن نعول عليها، فالمؤسسات المجتمعية كاملة بدءاً من الأسرة ووصولاً إلى الأسواق العامة مروراً بأجهزة الإعلام والنوادي والمنظمات الشبابية والهيئات جميعها مسؤولة وبشكل مباشر عن تربية الأبناء.

وعليه أذا امتلكنا هذه النظرة الشمولية للإشراف التربوي لن نلوم المدرسة وحدها ونتهمها بالتقصير كما يحلو لكثيرين أن يقولوا دائماً، ففي هذا الرأي نحمل المدرسة ما لا تحتمل.

ولكن هذا لا ينفي الدور الرئيسي الذي يعول على المدرسة ما يدفعنا إلى التطلع إلى ضرورة تطوير المدرسة الإماراتية وإخراجها من واقعها الراهن الذي نتهمه معها بأنها مدرسة تقليدية لا تواكب القفزات السريعة التي يعيشها عصرنا الحاضر مع ملحوظة مهمة أن التطوير في التربية لا يأتي من فراغ .

ولا يكون عبثياً فوضوياً قائماً على قرارات إدارية مرتجلة وإنما يفترض أن يكون حصيلة دراسة متأنية واعية واستثماراً للخبرات الأصيلة المتوفرة في الميدان التربوي.

معايير معلنة

عائشة إسحاق موجهة الإدارة المدرسية في تعليمية دبي قالت : نعم يمكن للمدرسة الإماراتية أن تقدم تعليماً جيداً يلبي طموحات المجتمع شريطة سعينا لتوسيع أفق مفهوم التعليم الجيد لأن هذا المفهوم قد يتباين من شخص لآخر، مرتئية أن التعليم الجيد هو الأكثر جودة وبالتالي يحتاج ذلك لوضع معايير معلنة يؤمنها التدريب الجيد والمتابعة والتقييم، كما يشكل نوعاً من التوأمة مع الجامعات والكليات لاسيما المرحلة الثانوية، ويحتاج لإعطاء دفعة قوية من الثقة لإدارات المدارس بدلاً من توجيه أصابع الاتهام إليها.

ويرى شريف سباق مدير المدرسة الإسلامية للتربية والتعليم في دبي أن المدرسة الإماراتية لا تلبي حاجة المجتمع لأسباب عدة منها : أن الطالب لا يحصل على التعليم الجيد، فالمهارات الأساسية لا يتم التأكيد عليها من خلال التدريب اللازم لتحقيقها والتطبيق، إلى جانب تذبذب المناهج والمقررات وتضخمها في بعض الأحيان بما لا يتيح للمتعلم التمكن من القدر المهم لبنائه العلمي والثقافي.

فيما تفتقر المساحة الزمنية اللازمة لتنمية العلاقة بين المعلم والمتعلم مما يؤثر سلباً على سلوك الطلبة ويجعلهم يفتقرون للقدوة الحية وعدم ممارستهم للمهارات التقنية المعاصرة أو الأشغال اليدوية ما يفقدهم القدرة على الاستفادة مما تعلموه في الحياة اليومية ويضعف إقبالهم على الأعمال التي من شأنها تلبية حاجة المجتمع، مرتئياً من بين الأشياء التي تستحق الإشادة جهود المؤسسة الرسمية في تنمية شخصية الطالب وتواصله مع مختلف مؤسسات المجتمع والاستفادة من الوقت وتقليص فترة الانقطاع عن المدرسة.