الله تعالى لم يخلق الإنسان في هذه الحياة عبثاً أو لمجرد أن يأكل ويشرب وإنما خلقه لرسالة يؤديها هي أن يكون خليفة الله في هذه الأرض يدرس ويجاهد وينتج ويعمّر عابداً شاكراً ليقابله في نهاية المطاف بقلب سليم ونفس مطمئنة.
قال تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) الجمعة 10، ويقول صلى الله عليه وسلم (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ويقول «من أمسى كآلاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» وورد في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم رأى يداً ورمت من كثرة العمل فقال (هذه يد يحبها الله ورسوله).
وفي تفسير القرطبي فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض: هذا أمر إباحة كقوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا المائدة: 2. يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرُّف في حوائجكم...
وابتغوا من فضل الله أي من رزقه. وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى (وابتغوا من فضل الله) إنه العمل في يوم السبت. وعن الحسن بن سعيد بن المسيَّب: طلب العمل. وقيل: التطوُّع. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى...
واذكروا الله كثيراً.. أي بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما بهِ أنعم عليهم من التوفيق لأداء الفرائض. لعلكم تُفلحون.. كي تفلحوا. قال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يُطعهُ فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح.
وأكثر من ذلك اعتبر الإسلام السعي إلى الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة، فقد ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم رجل كثير العبادة فسأل من يقوم به فقالوا: أخوه فقال اخوه أعبد منه.
إن التنمية الاقتصادية في الإسلام فريضة وعبادة، بل هي من أفضل ضروب العبادة والمسلمون قادة وشعوباً مقربون إلى الله تعالى بقدر تعميرهم للدنيا وأخذهم بأسباب التنمية الاقتصادية وقد لخّص سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظرة الإسلام إلى الإنتاج والتنمية بقوله (والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منّا يوم القيامة).
إن الإسلام العظيم في اعترافه بالملكية سواء كانت عامة أو خاصة وفي نظرته إليها وتنظيمه لها إنما أقام بذلك وسيلة إنمائية أي حافزاً من حوافز التنمية بحيث تسقط الملكية إذا لم يحسن الفرد أو الدولة استخدام هذا المال استثماراً أو إنفاقاً في مصلحة الجماعة،
وقد عبر عن ذلك أبلغ تعبير سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لبلال رضي الله عنه، وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم أرض العقيق (ان رسول الله لم يقطعك لتحجز عن الناس وإنما أقطعك لتعمل فخذ ما قدرت على إعماره ورد الباقي).
أحمد عبدالمجيد: