قال الشيخ: لابد أن نتساءل عن «ماهية» العقل الذي يصلح للتصدي لقضايا النقل والذي يمكن الركون إليه والاطمئنان إلى نزاهته وموضوعيته في النتائج التي يتوصل إليها، ذلك أننا رأينا كيف أن أكثر «العقول» المعاصرة التي تدّعي أنها تتعرض للنصوص بالدراسة والتمحيص إنما هي عقول «متحيزة» تحركها «دوافع» وحوافز مغرضة،
وهي عقول تفترض وتتصور نتائج تميل إلى الوصول إليها، ثم تبدأ حركتها في الملاحظة وتجميع الوقائع وبناء الاستنتاجات بانتقائية غريبة وبوسائل ملتوية بما يتناسب مع النتائج المرغوبة أو المراد - بصورة قبلية - الوصول إليها.
إن «العقل» المرشح للتعامل مع النصوص، هو العقل «النزيه» الذي لا يخترع نتائجه قبل بدء حركته ومسيرته، وهو عقل مستعد للاعتراف بكل الاحتمالات والبدائل، لا يميل إلى استبعاد نتائج أو إطلاق أحكام قبل جمع كل الملاحظات والإفادة من كل التراكم المعرفي عبر العصور، وإكمال وظائفه الاستقرائية والاستنتاجية وصولاً إلى الحقيقة مهما كانت وعلى أي شيء استقرت.
ولبيان ما نريد نقول مثلاً إن كثيراً من «التطوريين» استبعدوا احتمال «الخلق» قبل أن يبدأوا بحثهم ودراساتهم، ثم راحوا يسلكون كل السبل الممكنة والمستحيلة، والمقبولة والمرفوضة قطعاً، لإثبات التطور على الرغم من امتلاء هذه السبل بالفجوات والفراغات التي يصعب سدها وبالمغالطات والتجاوزات التي يصعب القفز فوقها.
لقد كان همّ هؤلاء التطوريين أن يثبتوا التطور كاحتمالٍ وحيد مقبول لديهم مستبعدين فكرة «الخلق» تماماً، وقد كبدهم هذا الهم مشاق ومتاعب كثيرة إذ كان عليهم أن يلاحظوا ما يتناسب مع غرضهم وأن يغمضوا العيون عن كل ما لا يتناسب معه، فلما جمعوا ملاحظاتهم المنتقاة رأوا أنفسهم أمام سلاسل رخوة غير متماسكة وهي لا تصمد أمام النظر العقلي الموضوعي.
ومع ذلك لم تزدهم هذه النتيجة إلا إمعاناً في المغالطة وإصراراً على «التطور» باعتباره الوحيد القادر على تفسير مظاهر الحياة المختلفة. ولما وقف لهم من يشير إلى مواقع ضعفهم راحوا يدلسون الحق ويملأون فجوات سلاسلهم بأدلةٍ من وضع أيديهم. وقد كشفت الأيام عن «فضائح» علمية من هذا النوع عند كثيرين ممن حرصوا على إثبات التطور مهما كان حجم التعامي والغش في مساعديهم وجهودهم. وكل ذلك مآلهُ إلى «عقل» يمشي على رأسه، ويبدأ بالنتائج ثم يخترع من الوسائل ما يتناسب معها.
لقد طرح «الشك» في عصور النهضة الأوروبية باعتباره بداية حميدة لإرساء بنيان علمي موضوعي نزيه متماسك، وكنا نتمنى لو التزم الباحثون هذا الشك الذي يطيح بكل المسلمات والبديهيات والبداءات والمعارف القبلية غير المختبرة أو المفحوصة بنور العقل المجرد،
ولكن أصحابنا من «العقلاء» الذين يتباهون بدعوتهم إلى أولية العقل لم ينطلقوا من «الشك في كل شيء» وصولاً إلى الحقائق، بمقدار ما انطلقوا من «احتمالات» وتفسيرات مرجحة واحتمالات وتفسيرات مستبعدة ومستحيلة. والاستبعاد والاستحالة هنا هما أقرب إلى الحالة النفسية والاقتضاء المزاجي منهما إلى التوقع العقلي والافتراض العلمي.
ومن الواضح أن «عقلاً» كهذا لا يصلح للتحكيم في أمور «النقل» وغيره لأنه عقل في الأصل غير مستعد لقبول احتمال - مجرد احتمال - أن يكون النص سماوياً موحى به من خالق وحيد للكون وما فيه وعالم بما يصلح به وله، إنه عقل يبدأ برفض النقل فكيف يحكّم به وبمناسبته للخير العام وللحق العام وللجمال العام.
لقد ألقي القبض على هذا «العقل» بالجرم المشهود في أكثر مساراته نحو تفسير الوجود والحياة وحياة الفرد والأمم، والجرم المشهود هنا هو انتقائية غريبة وبهلوانيات عجيبة في إثبات ما يراد إثباته، لا إثبات ما يمكن إثباته. ومن الطبيعي القول ان هذا «العقل المخادع» لا يستحق الاعتراف أو السعي للحكم على انسجامه أو تعارضه مع النقل.
بقي أن نقول ان هذا «العقل» وبناءً على البداية التي ارتضاها لنفسه وعلى المسالك التي حصر حركته بها أصيب بأمراضٍ وأدواء تحولت شيئاً فشيئاً إلى سرطان خبيث يهدد الجهاز المعرفي كاملاً والحضارة الإنسانية التي أسس ويؤسس لها وهو حديث يحتاج إلى مجلس آخر نسأل اللَّه عز وجل أن ييسره لنا.
ماهر سقا أميني