هجرت قريتنا الصغيرة على الشاطئ الفلسطيني وأنا ابن الثامنة عشرة قاصداً بلداً عربياً طالما أحببته من حبي لشعبه ورئيسه وكانت محطتي الأولى في قطار الغربة بعيدة عن أهلي ومعارفي وأصدقاء دراستي الذين انتشروا في بلاد الله الواسعة باحثين عن العلم بسبب عدم وجود جامعات في تلك الفترة من بداية الستينات في فلسطين فكانت الأقرب لنا والأعز مصر العروبة مصر «جمال عبد الناصر» مصر التي كانت ومازالت السند لفلسطين وشعبها.
منذ اللحظة الأولى لوصولي مصر استأجرت غرفة كغيري من الطلبة والتحقت بالجامعة وباشرت الدوام كأي طالب قدم لغرض الدراسة ودارت عجلة الأيام سريعا ولم يمض على دراستي سوى بعض أشهر حتى تعرفت على صاحبة البقالة التي كانت أسفل سكننا،
فعرضت علي بعد أن عرفتني صادقا في تسديد أثمان الحاجيات التي أبتاعها بشكل منتظم كلما كانت تصل نقود الأهل لغايات الدراسة، تسهيل مهمتي وتساعدني في إعداد الطعام، وتنظيف الحجرة، وغسيل ملابسي وكيها، فوافقتها الرأي ورشحت لي إحدى كريماتها لهذه المهمة.
ومرت الأيام والأشهر وبدأت تلك الفتاه تغزو تفكيري وتسيطر على خواطري في قاعات المحاضرات وبدأت أبادلها الابتسامات وكلمات وأشعار العشق والغزل والإعجاب الذي بات يشغل تفكيري عن المهمة التي قدمت من أجلها ألا وهي الدراسة.
وفي ذات يوم امتلكت شجاعة غير مسبوقة وبكلمات انطلقت كالرصاص صوب تلك الفتاه عارضا عليها الزواج وأنا ما زلت في أولى سني الدراسة الجامعية فوافقتني الطلب وأهلها فزفت إلي، وكان زواجي منها بداية مرحلة تركت على أثرها الدراسة وعدت من حيث أتيت بزوجة وطفلة للبدء في مرحلة جديدة من الحياة من أجل الحصول على العمل لغايات تأمين مصاريف الحياة الزوجية، ورعاية طفلة في المهد وأنا ما زلت دون سن العشرين.
الحصول على فرصة عمل لمن هم مثلي لا يحملون أية شهادات لم يكن سهلا فجلست سنوات عانيت فيها آلام ولوعة الحصول على ما أنفق به على أسرتي الصغيرة، وبدأت أتطلع للسفر لدول الخليج للخروج مما أنا فيه، وزوجتي وطفلتي وعائلتي، من ضائقة مادية وشاء لي القدر أن يعمل أحد أشقائي في الإمارات بوظيفة مكنته من تسهيل قدومي إليها وبدء مرحلة جديدة من حياتي العملية وتكوين ثروة من المال تحولت من نعمة إلى نقمة علي وأبنائي فيما بعد.
وصلت الإمارات وبدأت رحلتي العملية في دائرة محلية بإمارة أبوظبي استطعت من خلالها تكوين رصيد كبير من المعارف والمصالح الشخصية من خلال استغلال وظيفي وفرض شروطي على من يرغب العمل معي وتحولت في زمن قياسي لرجل أعمال ومقاول من الدرجة الأولى حيث ساهمت في تشييد العديد من البنايات بفضل التسهيلات التي وفرتها لي وظيفتي.
ومع مر الأيام وانشغالي في الوظيفة العامة والأعمال الخاصة وجمع ثروة طائلة من المال كانت العائلة تكبر وأصبحت أبا لأحد عشر فردا في أعمار مختلفة منهم 7 فتيات و4 شباب ولكسب رضاهم كنت أغدق عليهم من المال بلا حساب وأخصص لهم رواتب
وهم لا يزالون على مقاعد الدراسة تزيد في بعض الأشهر على رواتب مدرسيهم بأضعاف، وتناسيت أمام هذا المال تربيتهم وكان جل همي أن أمنحهم المال دون حساب، لدرجة أن معظمهم انحرف عن طريق الصواب وتحول لدروب وعرة جرت عليهم وعلي الويلات ومعظمهم لم يكملوا دراستهم.
أنفقت على أحدهم ملايين الدراهم من أجل دراسة الطيران لكنه فشل وإخوانه على شاكلته ابتعت لكل منهم ذكورا وإناثا المركبات الفارهة والنتيجة كانت الفشل في الحياة الأسرية والعملية، أعمار بعضهم تجاوزت الثلاثين عاما ولا عمل لهم وجل همهم مجاراة أولاد الذوات في متع الدنيا والإنفاق على الشهوات والنتيجة أنا الخاسر دوما للمال والصحة والحياة الكريمة.
زوجت إحدى كريماتي لشخص لم تدم معه طويلا فأغدق عليها من المال والشراء وكانت النتيجة الطلاق وزوجتها من آخر وكانت النتيجة أيضا الطلاق الذي تحول علي إلى نقمة فهذه الفتاة تشتمني وتتلفظ علي بألفاظ نابية وتشيع على الملأ بأنني أب غير سوي كل همي الإنفاق على النساء والمتع الشخصية والسير في دروب الحرام لدرجة أنها في ذات يوم هددتني وشتمتني وأهانتني
وحاولت ضربي في المنزل الذي تقطن فيه مع والدتها وأشقائها وشقيقاتها وتطاولت علي بكأس زجاجية كادت تلقيها في وجهي طالبة مني مغادرة المنزل والذهاب لمن تأويني من النساء غير السويات. انها قصتي أرويها لكم للعبرة والعظة فالمال ليس وحده الذي يربي وينتج الذرية الصالحة.
فقبل نحو 13عاما ألم بي المرض وسافرت بتوجيهات من أحد الشيوخ في الدولة للعلاج في احد المستشفيات الأوروبية ومنذ رحلتي مع العلاج بدأت أوضاعي مع أسرتي تسوء حيث تعرضت زوجتي «أم الأولاد» في ذات الفترة لوعكة صحية أثرت على قلبها مما حرمني من معاشرتها معاشرة الأزواج منذ ذلك التاريخ وصبرت على هذا الوضع
ولكن أولادي لم يقدروا ما أعاني وبدأوا يشيعون عني القصص والروايات التي تسيء لي لدرجة أنهم أطلقوا عليّ مسميات ( متحرش النساء و فاقد الصواب والبخيل ومبذر المال والثروة على... ) وانتقاما لنفسي وخروجا من هذا المأزق الذي أعاني ممن سخرت نفسي لسعادتهم
حتى كبروا دون أن أسمع منهم كلمة واحدة تعوض ما فقدت كان قراري قبل نحو ثلاثة أشهر بالانتقام منهم ووالدتهم بالزواج من اثنتين معا كل منهما لم تتجاوز الثلاثة والعشرين ربيعا وأنا رجل تجاوزت الستين بسنوات.
أنها قصتي أرويها للناس لتكون عبرة لمن يعتبر وأقول المال لا يربي ولا يخرج العظماء وصدقوني إن قلبي ما زال حزينا عليهم وأمهم وكانت آخر مشاداتي معهم قبل أيام قلائل عندما طلبت منهم الرحيل لمنزل آخر كنت قد استأجرته لهم لغايات السكن يتوافق ودخلي وظروفي الجديدة فما كانت منهم إلا أن تمردوا علي وعلى وكيل البناء السابق رافضين الرحيل بحجة أن المكان (الفيلا) التي يقطنون أوسع ولا يرغبون الرحيل لشقة.
حاولت جاهدا معهم بأن أقنعهم بان أجرة الفيلا التي يقطنونها أصبحت بإيجار يفوق إيجارها القائم وإمكانياتي المادية لا تسمح بدفع مبلغ سنوي بالرقم الجديد وناشدتهم الانتقال للمسكن الجديد فما كان منهم إلا الاتصال مع وسائل الإعلام والصحافة والادعاء بأني طردتهم في الشارع دون رحمة
وسبق لهذه الحادثة أن أسكنتهم في فيلا خارج مدينة أبوظبي ولكنهم رفضوا المكوث فيها كونهم اعتادوا العيش في أبوظبي والمنزل الذي يقطنون. أقولها لكم بصراحة ان أولادي يشكلون علي عصابة همها إفلاسي فهم جميعا عالة علي ولا أحد فيهم يعمل وأنا الآن إنسان غادر الوظيفة الحكومية لتجاوز الستين
وعاطل عن العمل وكفالتي على إحدى كريماتي المتزوجة من مواطن وفي كثير من الأحيان ينتابني شعور الانتقام منهم والقيام بإلغاء إقامتهم ولكني اعجز عن ذلك رأفة بالذين لا زالوا دون الثامنة عشرة منهم رغم أنهم يحاولون الحجر علي وعلى أموالي انتقاما مني ومن زوجتي الجديدتين اللتين لم يمر على زواجي منهما سوى بضعة أشهر وكل منهما تريد أن تكسب رضاي.
أقولها لكم بصراحة إنني بنيت نفسي بنفسي وتحملت قسوة الحياة ولكن عندما كثرت أموالي وصداقاتي ومصالحي تجنيت على بعض عباد الله مستغلا أناسا كانوا أصحاب قرار وسلطة فكانت النتيجة أنني خسرت أولادي
وفي ختام قصتي دعوني أروي حادثة صغيرة ففي ذات يوم أوقفت إدارة المدرسة ابني عن الدراسة وانتقاما منهم سخرت نفوذي وانتقمت منهم ولا زلت نادما على هذه الفعلة وما كان لها من أثر على الذين تضرروا منها من مدير ومعلمين وصدقوني ان ابني كان طالبا غير سوي في سلوكه وتصرفاته.
إعداد: إبراهيم السطري