رغم أن مرتبه لم يتجاوز الثلاثة آلاف درهم، إلا أنه كان قانعاً بها كان «ص» يجد ويجتهد ويترك الباقي على الله، هذه كانت قناعاته التي عاش عليها أن عرف الدنيا وشقاءها، عندما كانت تعترضه مشكلة ما كان يذهب إلى المسجد فيصلي صلاة الاستخارة وكان على يقين تام بأن الله لن يتخلى عنه،

كانت له فلسفة خاصة، فقد كان يقول إذا كان الله سبحانه وتعالى كان يرزق فرعون الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى فكيف ينسى رجلا يقول سبحان ربي الأعلى. أما زوجته «خ» فقد كانت قضية هي الأخرى وكانت علاقاتها بالناس قليلة جداً.

أما علاقتها بالله فقد كانت في أحسن مظهرها وحالها، كان الكل يحترم عائلة «ص»، فهي عائلة بسيطة وتقية وتحترم الناس جميعاً، وخلال وجودهم في المنطقة التي هم فيها لم يسبق وأن اشتكى أحد منهم. كانت عائلة «ص» تعيش في بيت شعبي، كانت قد استأجرته من صاحبه قبل اثني عشر عاماً،

وخلال تلك الأعوام لم يحدث أن تأخر «ص» عن دفع الأجرة لصاحب المنزل، كان «ص» عندما يتسلم راتبه المتواضع كان أول ما يقوم به دفع إيجار المنزل ثم فاتورة الكهرباء والهاتف، وما تبقى كان يقسمه بين المواصلات واحتياجات منزله. كان ل«ص» ثلاثة أبناء كان أكبرهم عمره ثماني سنوات أما الطفلان الآخران فكانت أعمارهما خمس سنوات وثلاث سنوات.

قرار غير متوقع

في أحد الأيام بينما كان «ص» جالساً مع أسرته جاءه صاحب المنزل وأخبره بأن إيجار البيت قد زاد بنسبة 25%، وأن عليه أن يدفع الفرق في الزيادة اعتباراً من الشهر المقبل، وقع الخبر على رأس (ص) كالمصيبة فمرتبه لا يكاد يفي المتطلبات الأساسية لأسرته، فكيف يستطيع أن يتدبر أمر هذه الزيادة الجديدة، في اليوم التالي ذهب (ص) إلى صاحب البيت في مكتبه

ومطلب منه أن يعفيه من هذه الزيادة شارحاً له أوضاعه المالية وظروفه السيئة إلا أن صاحب البيت رفض أي عذر قائلاً له بأن موجة الغلاء أصبحت تعم كل العقارات وهذه فرصته ليأخذ المزيد من المال، حاول (ص) أكثر من مرة إلا أنه لم يجد من صاحب البيت إلا الرفض والصد، وأخيراً قال له صاحب البيت إن كنت لا تستطيع أن تدفع الأجرة مع الزيادة الجديدة سأمهلك شهراً حتى تترك البيت

وعندها ليس لك خيار فإما أن تدفع ما عليك مع الزيادة أو أن تترك البيت، رجع (ص) مهموماً إلى بيته لا يعرف ماذا يصنع فتوجه إلى الله طالباً منه العون والمساعدة، حاولت زوجة (ص) أن تهدئ من حزن زوجها، فما كان منها إلا أن تركت زوجها يذهب إلى عمله حتى ذهبت إلى السوق وباعت ما لديها من ذهب كان (ص) قد اشتراه لها عند زواجهما.

عندما عاد (ص) من عمله أعطته زوجته المبلغ الذي حصلت عليه من قيمة الذهب حيث أخذه منها وعيناه تدمعان، وذهب به إلى صاحب البيت وأعطاه إياه رغم أن (ص) كان متألماً لأن زوجته باعت شبكتها إلا أنه أحس ببعض السعادة لأن مشكلته قد حُلت لكن كلما تذكر أنه سيضطر إلى دفع هذا المبلغ مرة أخرى العام المقبل، كان يشعر بغصة تصيبه في قلبه،

حاول (ص) طوال العام أن يدخر شيئاً من مرتبه لكن ذلك لم يكن ممكناً حتى تلك الدراهم المعدودة التي كان يحاول ادخارها كانت تذهب بسرعة عندما كان أحد أطفاله يمرض حيث يضطر إلى أخذه إلى المستشفى حتى انه في كثير من المرات لم يتمكن من شراء الدواء لأحد أبنائه لأنه لا يمتلك ثمنه.

اليوم الموعود

لم يتمالك (ص) نفسه من الصراخ الذي تختلط به بحة البكاء عندما جاءه صاحب البيت ليذكره بأن العقد الجديد سيحين موعده بعد شهرين وأن الأجرة ستزيد 10%، قال لصاحب البيت بأنه لا يستطيع أن يدفع له أي زيادة لأنه لا يمتلك ما يدفعه ثم قص عليه كيف أن زوجته باعت كل ما لديها من ذهب حتى يتمكن من دفع الزيادة التي فرضها عليه العام الماضي، فكيف يستطيع أن يدفع الزيادة الجديدة،

قال له صاحب البيت إن الأمر في يدك فإما أن تترك البيت وسأقوم بتأجيره بمبلغ كذا أو أن تدفع لي الزيادة، وحتى لا أظلمك فإنني أعطيتك مهلة شهرين حتى تفكر في الأمر. مرّت الأيام ثقيلة على «ص» حتى إنه لم يستطع الدوام، فهو لا يستطيع أن يدفع الزيادة التي يطلبها صاحب البيت وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يترك البيت لأنه لن يجد أرخص منه،

لذا فكر أن يذهب إلى البلدية كما نصحه بعض الأصدقاء لعله يجد حلاً لمشكلته عندما ذهب «ص» إلى البلدية أخبره المسؤول بأن البلدية لا تستطيع أن تعمل له شيئاً وأن صاحب البيت حُر في عقاره، حاول «ص» أن يشرح لهم ظروفه إلا أن المسؤول قال له إنه لا يستطيع أن يعمل له شيئاً وإن صاحب البيت محق في طلبه.

عاد «ص» مهموماً لا يدري ماذا يصنع، فاقترح عليه أحد الأصدقاء أن يذهب إلى إحدى الجمعيات الخيرية لعله يحصل على مبلغ يساعده على دفع إيجار البيت وبعد شرح طويل لظروفه وإحضار شهادة بالراتب الذي يأخذه من عمله أعطته الجمعية 500 درهم، وعندما قال لهم إن هذا المبلغ لا يكفي، قالوا له إنهم لا يستطيعوا أن يعطوه أكثر من ذلك لأن هناك آخرين يحتاجون إلى المساعدة مثله.

عاد الرجل إلى بيته لا يدري ماذا يصنع في الوقت الذي بدأت المهلة المعطاة له تنفد والشهران أصبحا شهراً، والشهر أصبح أسبوعين حتى جاء اليوم الذي انتهت فيه المهلة. في صباح ذاك اليوم جاء صاحب البيت إلى «ص» يسأل عنه فقالت له زوجته إن «ص» ذهب إلى المسجد لأداء صلاة الفجر ولم يعد،

وأضافت أن زوجها متعود أن يذهب إلى الصلاة ويبقى في المسجد حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين وبعدها يذهب إلى عمله، لم يقتنع صاحب البيت بما قالته له زوجة «ص» لذا بقي ينتظر أمام البيت لعل «ص» يرجع فيطالبه بالمبلغ (الزيادة) الذي طلبه منه،

لكن «ص» لم يرجع حيث ذهب إلى عمله بعد أن صلى ركعتي الشروق بدأت الدماء تغلي في عروق صاحب البيت ولهذا قرر أن ينتقم من «ص» ومن أسرته، حيث دق باب البيت وعندما فتحت له زوجة «ص» طالبها بالمال فقالت له إنها لا تملك، فبدأ يهدد ويتوعد،

وعندما رأى أولادها ما يحدث من صاحب البيت أخذوا في البكاء، فطلبت السيدة من صاحب البيت أن يرحم هؤلاء الصغار وأن يتركهم. فقال لها لن أترككم حتى آخذ الفلوس التي أريدها وإلا فالويل لكم جميعاً، حاولت المرأة أن تهدئ من روع أولادها وبدأت تجهزهم للذهاب إلى المدرسة في هذه الأثناء كان صاحب البيت قد استدعى ثلاثة من العمال الهنود الذين يعملون في مكتبه

وطلب منهم أن يحضروا لوحين من الخشب ومسامير وأن يغلقوا بهذين اللوحين باب بيت (ص) بدأ العمال بوضع اللوحين وأخذوا يضربون المسامير فيهما وعندما حاولت زوجة (ص) أن تستطلع الأمر نهرها صاحب البيت فعادت إلى الداخل

وهي تشعر بخوف شديد، بدأ الأولاد يبكون من جديد ومع كل طرقة مسمار على باب بيتهم كانوا يشعرون بأن الأرض تتزلزل من تحت أقدامهم حاولت الأم أن تهدئ من روعهم وخوفهم في الوقت الذي كانت تحتاج فيه لمن يهدئ من روعها وخوفها، حاولت السيدة أن تقنع الرجل (صاحب البيت)

بألا يغلق الباب حتى يستطيع ابناها الذهاب إلى المدرسة لكن جوابه كان قاطعاً بأن هذا الباب لن يفتح حتى يأخذ فلوسه جميعها، أنهى صاحب البيت إغلاق الباب وأصبح من المستحيل على من في الداخل الخروج منه نهائياً،

عندما تيقنت زوجة (ص) بأن صاحب البيت والعمال الذين معه قد ذهبوا بدأت تنادي لعل أحد يسمع نداءها إلا أن أحداً لم يسمعها عندها أخذت أولادها ووضعتهم حولها وأخذت تجهش ببكاء مملوء بالآلام والحسرة والخوف في حين بدأ أولادها يشاركونها البكاء

لسبب هم لا يعرفونه في هذه الأثناء كان زوج (ص) قد وصل إلى عمله وبدأ يزاوله كالمعتاد وبالطبع فإنه لم يتمكن كالعادة من الاتصال بزوجته في البيت لكي يطمئن عليها والسبب هو أن هاتف البيت معطل لأن (ص) لم يتمكن من دفع فاتورته التي لم تتجاوز الـ (320) درهماً.

من عادة (ص) أنه لا يعود إلى بيته إلا بعد انتهاء عمله الساعة الخامسة بعد الظهر فرغم أن هناك فترة غداء من الساعة الواحدة إلى الثالثة إلا أنه تعود أن يقضي هذا الوقت في مكان عمله بدلاً من أن يتكلف أجرة المواصلات ذهاباً وإياباً،

بقي (ص) كالعادة حتى الساعة الخامسة في عمله وعندما عاد إلى بيته تفاجأ بالباب مغلقاً من الخارج بلوحين خشبيين كبيرين في البداية ظن أنه أخطأ الطريق وأن هذا ليس بيته فعاد إلى الشارع لعله يتأكد من أنه لم يخطئ

وعندما تأكد أن البيت بيته وقف أمام البيت المغلق وبدأ ينادي على زوجته وأولاده ومن وراء الباب المغلق والدموع تملأ قلبها وعينيها وكل كيانها والخوف يتقطع جسدها وأحاسيسها ومشاعرها بدأت زوجة (ص) تقص على زوجها ما فعله بها صاحب البيت.

في مركز الشرطة

حاول «ص» ان يفتح الباب لكنه لم يتمكن فما كان منه الا أن توجه إلى مركز الشرطة طالبا المساعدة في فتح الباب وتخليص أسرته من هذا الظلم الذي وقع عليها دون ذنب اقترفته، لم تتأخر الشرطة التي حضرت وهي غير مصدقة،

لكن الحقيقة التي رأوها على أرض الواقع أثبتت بأن ما قاله «ص» كان صحيحا ثم فتح الباب بمعرفة الشرطة وما كاد الأطفال يرون والدهم حتى رموا أنفسهم في حضنه وهم يبكون محاولين طلب الحماية منه أما زوجة «ص» فقد كانت في وضع نفسي سيء للغاية حتى أنها لم تتمكن من الوقوف على قدميها فقدمت عليها نحو اثنتي عشرة ساعة من الرعب والخوف عليها وعلى أولادها.

على الفور قامت الشرطة باستدعاء صاحب البيت الذي لم ينكر أنه هو الذي قام باحتجاز العائلة كرهائن مؤكدا بأنه سيقوم بالعمل نفسه مجددا ان لم يدفع «ص» الزيادة التي طلبها منه أو ان يترك البيت، حاولت الشرطة ان تجد حلاً من خلال إقناع صاحب البيت الا يطالب بالزيادة الثانية لأجرة البيت حتى انتهاء العقد وبعدها إما أن يدفع «ص» الزيادة الجديدة أو ان يترك المنزل ويبحث عن منزل آخر.

وفي لقاء مع البيان قال «ص» بان المشكلة التي بدأت أسرته تعاني منها هي الخوف حيث ان زوجته وأولاده لم يعودوا يشعرون بالأمان فهم يتصورون بأن صاحب البيت سيعود إليهم من جديد وسيحتجزهم خلف الجدران ثانية خاصة وانه هدد بأنه سيقوم بإغلاق الباب عليهم مرة ثانية.

إعداد: أحمد سلطان