أكدت ورقة بحثية لديوان المحاسبة أن مكافحة الفساد الإداري لا يمكن أن تتحقق من خلال الحلول الجزئية، وإنما ينبغي أن تكون حلولاً شاملة تتناول جميع مرتكزات الإدارة من بنيتها وهيكليتها إلى العنصر البشري العامل فيها إلى أساليب العمل السائدة فيها.
وأشارت الورقة البحثية ـ التي قدمها هاشم سالم القيواني مراقب نفقات الدولة بديوان المحاسبة أمام الندوة العلمية لمناقشة الفساد الإداري التي أقيمت بالشارقة مؤخراًـ إلى أن قضيتي الغش والفساد لا تنتعشان إلا في المناخ الذي تنعدم فيه المراعاة التامة للقواعد المشروعة واحترام القانون،
وحينما تسود المحسوبية في مفاصل الأجهزة المختلفة في أية دولة من الدول سواء كانت في الجوانب الإدارية أو المالية أو الاقتصادية أو في غيرها إضافة إلى غياب المساءلة والمحاسبة الحازمة، وغياب الشفافية والمصداقية في العمل،
مؤكداً تعاظم دور المنظمات والهيئات المناط بها الرقابة المالية في مجال إحكام رقابتها بحيث يتعين عليها أن تولي اهتمامها بتلك القضايا لخطورتها على التنمية والرقي والتطور لمختلف البلدان خاصة الدول النامية. وأوضحت أن أساليب التقنية الحديثة في الإمارات من المتوقع أن تلعب دوراً مهماً وضرورياً في مساعدة أجهزة الرقابة المالية على المستوى الاتحادي والمحلي في أعمالها الرقابية،
خاصة بعد أن اتجهت الإدارة الحكومية إلى تبني نظام الحكومة الإلكترونية في أعمالها الإدارية والمالية، منوهة إلى ضرورة أن تكون لدى المنتسبين لأجهزة الرقابة المالية إحاطة خاصة بنظم تقنية المعلومات وبمستويات الرقابة الداخلية حتى يتمكن من التغلب على الطرق والأساليب التي يقوم بها مرتكب الغش وفهم كيفية الوصول إلى البيانات التي تلاعب فيها.
واستعرض هاشم القيواني في ورقته التي جاءت بعنوان دور أجهزة الرقابة الحكومية في مكافحة الفساد الإداري (نموذج ديوان المحاسبة) أهداف ونطاق رقابة الديوان وأساليبها وعلاقة ديوان المحاسبة بالمنظمات الدولية للهيئات العليا للرقابة المالية مثل المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة (إنتوساي) والتي تضم 180 جهازاً أعلى للرقابة والمحاسبة في العالم.
وقال هاشم القيواني :إن دوافع وأسباب الغش والفساد تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والنظامية بما يصعب معه حصر تلك الدوافع بشكل دقيق، إلا أنه يشير إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية تلعب دوراً في ظهور الغش والفساد وبصفة عامة الفساد الإداري،
فسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية يؤدي إلى عجز الدولة في تلبية وإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين مما يؤدي ذلك إلى ارتكاب الأفراد أو الموظفين بصفة خاصة لسلوك غير مرضٍ مثل الرشوة أو السرقة أو الاختلاس لتلبية احتياجاتهم الخاصة.
أما عن الدوافع الإدارية فإن تداخل الظروف الإدارية في المنظمات الإدارية يؤدي إلى وجود بيئة مناسبة لانتشار الغش والفساد داخل هذه المنظمات، ومن هذه الدوافع تضخم الجهاز الإداري وتضخم عدد العاملين مع الثبات النسبي لحجم النشاط وتداخل الاختصاصات ما بين الأجهزة الحكومية والإهمال والتكاسل وانتشار الواسطة وظهور الرشوة لإنهاء خدمة ما، وانخفاض الرواتب والحوافز والمكافآت.
أما عن الدوافع السياسية فإن عدم الاستقرار السياسي وخاصة في الدول النامية يؤدي بدوره إلى اختلال الهيكل التنظيمي للأجهزة في الدولة ويؤدي إلى فوضى إدارية، فضلاً عن إبعاد العناصر الإدارية غير المرغوب فيها في كل عهد سياسي جديد.
كما أن هناك دوافع نظامية وراء ظاهرة الغش والفساد تتمثل في زيادة القيود والحدود واللوائح المفروضة على تصرفات العاملين وأفعالهم عادة ما تكون لها آثار ضارة تتمثل في تعطيل العمل وقتل روح الابتكار والتجديد وتضخم العمل المكتبي، كذلك الإسراف في إصدار الأنظمة والتعليمات الإدارية يؤدي إلى إيجاد ثغرات تستغل من قبل بعض الموظفين سيئ السلوك لتحقيق أهدافهم، إضافة إلى ذلك فإن غياب الوازع الديني ومفهوم الرقابة الذاتية.
ويوضح القيواني في ورقته أن انتشار الفساد والغش يرجع أيضاً إلى انعدام المساءلة والشفافية ونزاهة النظام في القطاع العام، وضعف الوعي بمخاطر الغش والفساد، وضعف وغياب الأنظمة واللوائح ووجود أنظمة ولوائح معقدة.
ويؤكد أن كل هذه العوامل والدوافع تجعل من دور الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبية ضرورياً وفعالاً لمنع واكتشاف الغش والاحتيال، إلى جانب اتخاذ خطوات أخرى لعلاج الظاهرة مثل تبسيط وسائل العمل وتحديد مهل انجاز المعاملات بما يساهم في تقليل النفقات وتوفير الوقت وإجراء تنقلات دورية بين الموظفين كلما أمكن ذلك للحد من حالات الرشوة.
وتشكيل لجان خاصة لوضع نظام متكامل لأداء الموظفين تقوم بإجراء تفتيش دوري بين الدوائر والوزارات وإعداد التقارير الخاصة بذلك، ووضع مصنف يتضمن تقسيم الوظائف العامة وفق طبيعة مهامها إلى فئات ورتب تتطلب من شاغليها مؤهلات ومعارف من مستوى واحد أي اعتماد معيار الكفاءة والخبرة.
وتحديد سلسلة رواتب لكل فئة من الفئات الواردة في المصنف بعد إجراء دراسة مقارنة للوظائف المتشابهة في القطاعين العام والخاص. وإنشاء نظام رقابي فعال مستقل مهمته الإشراف ومتابعة الممارسات التي تتم من قبل الوزراء والموظفين العاملين في كل وزارة ومؤسسة.
وتفعيل إدارة الخدمات بمعنى أن يطال جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات أي أن تعطي إدارة الخدمات ذات العلاقة بالجمهور الأولوية الأولى والتفعيل. والعمل على إيجاد السبل اللازمة للخروج من نفق الفساد والإرهاب دون الوقوع في حلقة مفرغة، ممثلة في البدء بإصلاح الدمار الهائل في المنظومة القيمية، وأنماط التفكير.
دبي ـ عادل السنهوري