تجربة رائدة أطلقتها المملكة المغربية مؤخراً، والخاصة بإطلاق جيل من الداعيات المؤهلات لنشر التعاليم الإسلامية في صفوف النساء وتعريفهن بشؤون حياتهن وآخرتهن، وهذه التجربة والتي تم تجاهلها إعلامياً دون مبرر يجب تطبيقها في جميع الدول المسلمة باعتبارها مطلباً إسلامياً عرف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم،
فقضية وجود داعيات رسميات يحد من ظاهرة انتشار غير المتخصصات والهاويات في القيام بالدعوة وسط النساء وما ينجم عنها من مخاطر تتمثل في بث معلومات مغلوطة وتشويه الفكر بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى أن النساء وحدهن تكون لديهن القدرة على تناول كثير من مشكلات المرأة الخاصة والعامة، لأنهن الأكثر معرفة وإلماماً بطبيعة هذا الجنس باعتبارهن ينتمين إليه،
تقول منى سليمان «داعية» كان برنامجي مع الدعوة من خلال تبادل المعلومات بيني وبين صديقاتي اللاتي نصحنني باحتراف العمل الدعوي لما أملكه من ملكة التحدث والإقناع، فبدأت من خلال تنسيق تبادل الكتب والتسجيلات الدينية، وبعد ذلك التحقت بمعهد الدعاة لصقل قراءاتي وثقافتي،
مشيرة إلى أنها لا تهدف إلى الشهرة، وان كنت اشتهرت بالفعل، فالمسألة تطوع وأراها قضية مهمة فقبل وجود الداعيات لم يكن للنساء مكان في المساجد. وتضيف عبير منصور: ان هناك إهمالاً لوجود مكان مخصص للسيدات بالمساجد جعلهن ينصرفن عنها للجلوس في مجالس النوادي والمقاهي وما يتبعه من نميمة، كما حال عدم وجود محفظة للقرآن لابتعادهن وعدم حفظهن للقرآن،
والذي يحتاج لاحتكاك مباشر بين القارئ والمحفظ، مما دفعني للقراءات الحرة في محاولة لتثقيف نفسي دينياً، مشيرة إلى أنها بدأت بدعوة صديقاتها للمسجد لحضور جلسات دينية خفيفة نناقش بها بعض الهموم حتى لا أخرج بهن عن جو الجلوسات النسائية التقليدية، وقالت: إنها تواجه صعوبات تتمثل في عدم الاعتراف بها كداعية وتتساءل أين المعتمدات إذن؟
من جانبه يشير الكاتب الإسلامي محمد عبدالقدوس إلى أن عمل المرأة في مجال الدعوة يعتبر انتصاراً مهماً لحواء ومبدأً إسلامياً لقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء)، بالإضافة إلى حاجة المجتمع إلى داعيات على علم بالمشكلات النسائية الحياتية والأسرية،
وغيرها في جو يخرج عن أي حرج في تناول أدق التفاصيل التي يعجز الرجل عن الخوض فيها، إما لجهل أو لحرج أو خجل، وأشاد عبدالقدوس بتجربة المغرب في إطلاق عدد من الداعيات النساء للعمل بالمساجد وسط بنات جنسهن بعد إعدادهن بمعاهد الدعاة والأوقاف واعتمادهن كمصدر رسمي للعمل بالدعوة،
وهو ما يقلل من مخاطر وجود الداعيات غير المتخصصات في بث الفكر المتشدد أو المنافي لطبيعة الإسلام السمحة ويضمن تقديم معلومات صحيحة عن هذا الدين الحنيف، مبدياً أسفه من تجاهل الإعلام لهذه التجربة الرائدة رغم أهميتها العظيمة، وطالب عبدالقدوس بتعميم هذه الخطوة التي اتخذتها المغرب في جميع البلاد الإسلامية،
وخاصة مصر بلد الأزهر التي تسمح لبنات جامعة الأزهر بدراسة علوم الدين ولا تسمح لهن بالعمل به، فبرغم كثرة عدد معاهد الداعيات بمصر إلا أن الخريجات لن يحصلن على شهادات أو تراخيص العمل وتطبيق ثقافاتهن على أرض الواقع تاركين المجال للهواة، مشيراً إلى أن التجربة المغربية تتفق مع إسلامنا،
الذي لا يميز بين رجل أو امرأة كما قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فلن يجعل الله بين الجنسين تفرقة في الدعوة إليه وهو ما يؤكد خطورة التفرقة على أرض الواقع.
دور النساء وتؤكد د. سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن الدعوة لا تقتصر على جنس دون آخر ولعل أشهر فقيه في الإسلام هي السيدة عائشة زوجة النبي رضي الله عنها، وكذلك السيدة حفصة وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وخديجة زوجته الأولى التي ساندته بدعوته، وكأنما دعت مع الرسول إلى الله بتشجيعها له،
وهو ما يعني أن دور النساء في الدعوة قديم ومعروف منذ الأزل، والغريب هو ما يحدث الآن من إغفال لدورهن لحساب الرجال، فالسيدة عائشة روت أكثر الأحاديث النبوية الشريفة الخاصة بجوانب الشخصية للنبي وعلاقاته بزوجاته ومعاملاته مع بناته وعلاقاته الاجتماعية باعتباره قدوة للمسلمين،
خاصة في جوانب ما كان غيرها يستطيع نقلها عنه، لذا فالدعوة وتدريس علوم الدين المتخصصة بالنساء والعلاقات الاجتماعية لن نجد أفضل من النساء أنفسهن للحديث عنها وبذلك سنقضي على ظاهرة فقه الرجال في مسائل نسائية واجتهادهم فيها بدون علم فليعطوا كل ذي حق حقه، وإعطاء النساء فرصة في إثبات أنفسهن في هذا المجال سيكون أفضل من إنكار حقهن فيه،
مشيرة إلى أن كثيرات من نساء الأمة مديرات بالدعوة وتدريس علوم الدين بعد تخرجهن من معاهد الدعوة وكليات الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أو الجامعات المختلفة بالدول العربية، لكن ينقصهن تطبيق ما درسوه من خلال عمل جاد وملتزم في المساجد وغيرها من مجالس العلم وتاركين المجال لهواة لا ننكر مجهودهن لا نعلم مصدر علمهن هل من مكان موثوق به أم مجرد قراءات حرة ومعاهد غير رسمية لا تعلم مضمون رسالتها التعليمية.
الدين والدعوة
وتوضح د. سوسن فايق أستاذ علم النفس الاجتماعي بمركز البحوث الاجتماعية، أن المجتمع المسلم أبداً لم يكن يوماً منحازاً للرجال على حساب المرأة في مسألة الدين والدعوة، خاصة وأنت تفضل بين الاثنين في مجالس العلم بالمساجد وأثناء الصلاة والخطب لكن العقلية الشرقية استبعدت حواء عن مجال الدعوة كمنصب قيادي فعاملتها كتابع لقائد هو الرجل رغم تفوقها بهذا المجال خاصة في المسائل الشرعية،
التي تختص بها مثل مسائل الميراث والنفقة والطلاق والحقوق الزوجية وتربية الأبناء والمعاملات الاجتماعية وصلة الأرحام، مشيرة إلى حاجة المجتمع في إعادة هيكلة لتصحيح بعض ما أصابه من جموح لجانب على حساب آخر، موضحة أنه حتى توفر لهؤلاء السيدات القائمات على الدعوة الإعداد الجيد والدراسة من مصادر موثوق منها، فلا مانع من عملهن بهذا النشاط،
ومن ثم علينا عمل توازن اجتماعي بين النشاطات التي يحتكرها الرجال دون النساء رغم احتياجنا لهن منها للاستفادة من قدرات المرأة في عملية الشرح والتحليل لبنات جنسها بشأن مشكلات اجتماعية وظواهر غريبة عن حياتنا وإسلامنا تهدد أمنه واستقراره.
القاهرة ـ غادة إبراهيم: