أكد المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أن أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم كانت إحدى انعكاسات الصور السيئة للإسلام والمسلمين في الصحافة الغربية، وأشار د. أبو المجد إلى أن المسلمين لهم كامل الحق في أن يغضبوا وأن يثوروا، وأن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج حين تمس سيرة نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم وأن المشاعر المتأججة التي عمت الشارع الإسلامي مؤخرًا ما هي إلا ثأر للإهانة التي وجهت لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وتابع د. أبو المجد بأن حق المسلمين في التعبير عن مشاعرهم تجاه ما نشرته بعض الصحف الغربية ليس وحده كفيلاً بمنع تكرارها ما حدث في المستقبل لأن الصورة السيئة للإسلام والمسلمين لدى الصحافة الغربية ولدى رجل الشارع الغربي بشكل عام لم تتغير، وأن ذلك يستدعى منا عودة إلى الوقوف طويلاً على أهم أسباب تكوين هذه الصورة السيئة،

وحلل د. أبو المجد نماذج التفكير الإسلامي المرفوضة اليوم، والتي ساهمت بشكل كبير في صناعة هذه الصورة السيئة، وذكر منها سيطرة المنهج الغيبي على أسلوب تفكيرنا والفهم الحرفي للتكاليف والتشدد على الناس والعنف والعزلة. جاء هذا في الندوة التي عقدها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمسجد النور بالقاهرة تحت عنوان « صورة الإسلام والمسلمين في الصحافة الغربية »،

وشارك فيها د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف و د. أحمد عمر هاشم رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب، والأستاذ محمد أبو الحديد رئيس مجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر و د. محيي الدين عبد الحليم والكاتب الصحافى السيد عبد الرؤوف رئيس لجنة الإعلام بهما، ذلك لأننا نتحدث عن أزمة في صورة المسلمين، وهي الأولى لكن الأزمة الأشد هي واقع الصورة وواقع الأمة الإسلامية.

عصور الازدهار

نحن نحارب التجني والافتراءات، ولكن ينبغي أن نسلم أن الصورة التي تنطبق في عقول كثير من المنصفين للمسلمين صورة سلبية لأن أوضاع المسلمين مليئة بالعنف، وأوضح د. كمال أبو المجد أن كل عصر يفرز فقهه ويفرز سلوك الناس فيه، في عصور الازدهار يكون الفقه فقه الاجتهاد وتحريا للمصالح وتتبعا لمقاصد الشريعة

ومدا لآفاق العلوم وضربا في الأرض لنكشف سنن الله ونتعامل معها ونسيطر عليها ويكون المؤمن القوي هو كل المؤمنين وتصلح علاقة المسلمين بغيرهم لأن عقدة النقص تزول ولأن سوء الظن يتراجع ويبقى نداء القرآن « لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم»، وحتي يصلح أمر المسلمين يرى د. أبوالمجد أن هناك خمس صور للفكر الإسلامي تحتاج إلى مراجعة الصورة الأولى هي ما عرف الآن بالمنهج الغيبي،

ويحذر د. أبو المجد من أن يخلط الناس بين الإيمان بالغيب والمنهج الغيبي، فالإيمان بالغيب هو أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى وأن نؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدق تبليغه ربه وليس بين يديك إلا قوله وشهادة الحق تبارك وتعالي، الذي آمنت به ثم صدقت برسوله، ولكن في أمور الدنيا وفي أحوال الناس

وتنظيم المجتمعات ابتداء من تنظيم أمر نفسك إلى تنظيم المجتمعات ابتداء من تنظيم أمر نفسك إلى تنظيم أمر أسرتك إلى تنظيم أمتنا، فأنت مطالب أن تعرف أن الله يتعامل مع عباده ولا يحاسبهم في الدنيا، والآخرة « كن فيكون » إنما يحاسبهم بالأسباب « إنما هي أعمالكم ترد إليكم»، «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره»،

وحث د. أبو المجد الأمة الإسلامية على إحياء قيمة العمل وإعلاء شأن العقل لأن أكثر المسلمين يرون الكون أشياء طائرة في الهواء ووقائع متفرقة وانحطاطًا عن السنن وخرقًا للسنن مع أنهم لو تأملوا لأدركوا أن حتى المعجزة لا تكاد تساوي شيئًا إذا قورنت بالنواميس لأن المعجزة كسر للناموس في لحظة،

أما الناموس فهو دليل على المشيئة الإلهية وعند استبداد الرابطة المنطقية بين المقدمة والنتيجة طول الوقت ،فالقوانين أدل على وجود الله من المعجزة. ويوضح د. أبو المجد بأن تطبيق المنهج الغيبي في سلوك المسلمين يحل التواكل محل التوكل وإحلال الجهل مكان العلم وإحلال الخرافة مكان الإيمان بالعقل الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.

الفهم الحرفي وينتقل د. كمال أبو المجد ليشرح الشكل الثاني من أشكال الفهم الخاطئ للمسلمين اليوم، وهو الحرفية في فهم التكاليف مع أن في الإسلام فقهًا كاملاً يسمى فقه المقاصد لأن الله تبارك وتعالى حينما شرع ما شرع من الأحكام في قرآنه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته لتتحقق أمور معينة في مجتمع المسلمين ليجري الوفاء بعدد من المصالح الكبرى منها حفظ العقل والمال والعرض وتجميع الأمة والانتفاع بقوة الأمة.

واستنكر د. أبو المجد كثرة المترددين من النساء والرجال والشباب على المفتين يسألون في أمور بديهية أو أمور ثانوية وشكلية لا تمثل قيمة إسلامية، وهذا من دلائل الأشياء التي تحزن وتضعف الأمة، وقال: إننا في حاجة إلى استنشاق تدين صحيح لأن الأمة إذا جاعت وإذا خافت فرت إلى العجز واتهمت نفسها.

ويندد د. أبو المجد بمن يحاولون تحويل العرف إلى دين وتحويل التقاليد إلى شيء مقدس ومن يناقش الناس ويقول لهم أنا أكثر منكم تقوى، ثم ينتقل د. أبو المجد بعد ذلك إلى صورة أخرى من صور الفكر المرفوض، وهي التشديد على الناس والتسهيل على نفسه،

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ولنتعلم من بعض الصوفية الذين يقولون: حسن الصحبة ظاهره أن لا تدخل على أخيك بما لك ولا تطمع في ماله وأن تتحمل فيه الجفوة ولا تجفه أبدًا وأن تنصفه ولا تطلب منه الإنصاف،

وينتقل د. أبو المجد إلى الصورة الرابعة وهي العنف والذي حثنا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقال: صلى الله عليه وسلم الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.

وختم د. أبو المجد حديثه عن هذه الصور بالعزلة وهي خطيئة وخطأ حسب قوله يقع فيه كثير من المصلحين ،حين يستقر بهم المقام في بلاد الآخرين ينعزلون في خوخه لا يكلمهم أحد ولا يعرفهم أحد، نحن في أزمة تواصل رغم ما قيل عن حوار الحضارات، فالحوار الحقيقي هو الذي يقوم على الكلمة الطيبة التي مثلها كمثل الشجرة الطيبة هذا النوع من الحوار يحتاج إلى آليتين،

الأولى مرآة غير معوجة نرى فيها صورتنا على حقيقتها لا كما ندعي أننا عليها ولا كما نتمنى أن نكون عليها بنقصنا وكمالنا وخيرنا وشرنا، والثانية: نحتاج معها إلى نافذة مفتوحة على مصراعيها نرى فيها الآخرين على حقيقتهم لا على الصورة التي نرسمها لهم.

المناهج التعليمية

د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري تعرض في كلمته لصورة الإسلام والمسلمين في الصحافة الغربية فهو يرى أن نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم أحد مظاهر الحملة الغربية الشرسة على الإسلام والمسلمين، وليست الحملة كلها وأن هذه الرسوم سبقتها في الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم وبقرون طويلة كتابات المستشرقين في العصور الوسطى ،

والتي كانت في معظمها أسوأ مما ينشر اليوم، وتطرق د. زقزوق إلى سبب آخر خطير ومباشر من أسباب الصورة السيئة للإسلام والمسلمين في الغرب وهي المناهج التعليمية الغربية التي توضع لأطفال الغرب متضمنة كراهية الإسلام والمسلمين بما تحويه من مغالطات وتحريفات للثوابت لهذه المناهج وفق ما يرى د. زقزوق أنها تجعل من هؤلاء الأطفال تربة مهيأة مستقبلاً لتبني أفكار عدائية ضد الإسلام والمسلمين،

وينصح د. زقزوق بضرورة التوعية داخل العالم الإسلامي كله بقيم الإسلام الصحيحة مثل الرحمة والتسامح والعدل والحلم والحرية والمساواة.. وهي القيم التي نشأت عليها الحضارات الإسلامية وازدهرت ما يقرب من ثمانية قرون،

ويتوقف د. زقزوق أمام رغبة المسلمين في عدم معاداة أحد ورغبتهم أيضًا في التعايش الإيجابي مع الآخرين لأن الآية الكريمة تحض المسلمين على ذلك في قوله تعالي: « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين».

د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق أشار إلى أن الذي يسيء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس لشخصه الشريف وحده، ولكنها إساءة بأن يؤمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبكل الرسل ثم طبق الله هذا العهد والميثاق عمليًا في ليلة الإسراء والمعراج في المسجد الأقصى،

وقد تولى رب العزة الدفاع عن رسوله الكريم وحاق بمن سخروا منه أشد العذاب ولقد رفع ذكره في العالمين، لا يذكر اسم رب العزة إلا وذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. «وكالة الصحافة العربية»