انطلق قطار «دبلوماسية الأسرى» بين إسرائيل وحزب الله اللبناني مرورا بعدة عواصم منها روما وبرلين ودمشق وبيروت، وعلى أكثر من مستوى وهو ما أكده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي استبعد استئناف الحرب، واعتبر أن على اسرائيل التفكير ألفي مرة قبل الاعتداء على لبنان، وأوضح أن حزبه ما كان ليخطف الجنديين لو عرف أن الرد الإسرائيلي كان سيأخذ المدى الذي انتهى إليه، معلنا عن اتصالات للتحضير للقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي يزور لبنان اليوم، لكنه شدد على أن «الإشكال الوحيد أمني».
كما أعلن أنه لن يشارك في الجولات المقبلة من الحوار الوطني اللبناني «حفاظا على سلامة وأرواح المتحاورين» من قادة التيارات السياسية. وهاجم نصر الله قصور الدولة اللبنانية في المواجهة مع اسرائيل وفي إعادة الإعمار، لكنه منحها حق مصادرة السلاح الظاهر.
وقال أمين عام حزب الله في مقابلة مع تلفزيون «الجديد» اللبناني بثت مساء أمس، إن قيادة حزب الله «لم تتوقع ولو واحد في المئة أن عملية اسر الجنديين الاسرائيليين ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم، لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعا». وقال إن «لا جولة ثانية من الحرب» مع إسرائيل، لافتا إلى أن حزب الله يحتفظ بحقه في المقاومة طالما هناك احتلال و«أنا لا أعطي أي تطمينات لأي أحد».
واعتبر نصرالله أنه «لو لدى الإسرائيليين
نية جديدة بجولة ثانية فعليه أن يعزز مواقعه وتواجده في النقاط المتواجد فيها حاليا، لا أن يسحبها، ثم هناك عودة النازحين لديهم، وقد بدأوا بإعادة إعمار الشمال.. والذي يتعاطى بهذه الطريقة لا يبدو أنه ذاهب إلى حرب. لسنا متوجهين إلى جولة ثانية».
وردا على سؤال عن الاستفزاز الإسرائيلي من انزالات وخطف وخروق جوية، قال «الحرب المفتوحة توقفت في 14 أغسطس، ولكن إسرائيل استمرت في استفزازنا حتى نستدرج إلى مواجهة، وإذا رددنا على الاستفزاز نكون خرقنا القرار الدولي 1701 وهذا قد يفتح النقاش على قرار ثان يسعى له (الرئيس الأميركي جورج) بوش له علاقة بنزع سلاح المقاومة ونحن ضبطنا أنفسنا ولم نستدرج، ولا سيما أن القرار يعطي لإسرائيل حق الدفاع عن النفس وهذا ما تحفظنا عليه».
مؤكداً أنه «طالما هناك احتلال فنحن لدينا الحق بالمقاومة، وإذا، حتى الآن، صبرنا فليس معناه أننا سنصبر على طول الخط، ونحن نحتفظ بهذا الحق، ويمكن أن نمارسه بأي وقت، وبالتالي أنا لا أعطي تطمينات لأي أحد».
وشدد القول على «إن كل من يقول أن سبب هذه الحرب الأسيران مخطئ، فكل المعطيات التي تم التوصل إليها أن قرار الحرب كان متخذا ونحن فاجأنا الإسرائيلي بالتوقيت. هو وقع في الفخ وليس نحن.. بذريعة أو من دون ذريعة الإسرائيلي كان سيعلن الحرب أواخر سبتمبر أو بداية أكتوبر»، وشدد على أن «أي أحد من اليوم وصاعدا يفكر بفتح حرب على لبنان سيعمل ألفا وألفي حساب».
وبين نصرالله أن حزب الله أطلق على إسرائيل خلال المواجهة «أكثر من أربعة آلاف صاروخ، وهذا أقل بكثير من 50 في المئة من قدرتنا العسكرية». وعما أعلنته إسرائيل عن أسر أحد عناصر حزب الله من الذين شاركوا في عملية خطف الجنديين الإسرائيليين، قال «الموضوع بحاجة إلى تدقيق، لأن من شارك في العملية هم من الشباب الذين قاتلوا على الخطوط الأمامية طيلة فترة العدوان، لذلك من الممكن أن يكون أحد المشاركين في العملية قد أسر».
وفي ما يتعلق باقتراح حزب الله مبادلة الجنديين الإسرائيليين بأسرى لبنانيين في إسرائيل، قال نصرالله إنه منذ «فترة وجيزة بدأت الاتصالات للتفاوض، ويبدو أن إيطاليا تحاول الدخول في الموضوع، والأمم المتحدة مهتمة، والتفاوض يتم عبر الرئيس نبيه بري».
ورداً على ما صرح به تيري رود لارسن ممثل أمين عام الأمم المتحدة لتطبيق قراري مجلس الأمن 1701 و1559 عن هشاشة الوضع في الجنوب واحتمال العودة إلى العنف، قال إن هذه التصريحات «تخدم الإسرائيلي بالدرجة الأولى، ولا أعلم إذا كان الإسرائيليون طلبوا منه أن يأتي ليخوف اللبنانيين».
واعتبر نصرالله أنه منذ توقف المعارك في 14 أغسطس الجاري أن «هناك محاولة لفرض مطالب إسرائيلية جديدة. على سبيل المثال: نشر اليونيفيل في المطار والموانئ وعلى الحدود الشمالية (مع سوريا)، وقد هولوا بجولة ثانية لكي يخضع لبنان لهذه الشروط ».
وعن تحرك حزب الله ميدانيا مع انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، قال نصرالله: «إذا انتشرت اليونيفيل والجيش اللبناني فمن المفترض أن لا يبقى إسرائيليون وبالتالي فلا مبرر لأن أعمل عملية حيث لا إسرائيلي لأقاتله هناك، وأي نقطة يبقى فيها الإسرائيليون فمن حقنا أن نقاتلها».
وأضاف «أما عن علاقتنا مع الجيش، فهو سيلقى منا كل تسهيل وكل الدعم والمساندة، وأي شيء ممكن أن يحرج الجيش لن نفعله. المقاومة ستكون مؤازرة للجيش وداعمة له. ولا مشكلة أيضا مع اليونيفيل طالما أن مهمتها ليست نزع سلاح المقاومة».
وعن مطالب إسرائيل بانسحاب مقاتلي حزب الله إلى شمالي نهر الليطاني قال «الإسرائيلي كذاب من الدرجة الأولى، فهم يقولون إنهم لن يسمحوا لحزب الله بالعودة إلى الجنوب. ولكن، هل نحن خرجنا من الجنوب كي يسمحوا لنا بالعودة؟ نحن لم نخرج حتى نعود إلى جنوب النهر».
وأضاف «ولكن بالتأكيد لن يكون هناك مظاهر مسلحة لحزب الله في الجنوب، سواء بالاستنفار أو تشييع الشهداء، وهذه سياستنا بأننا نتجنب المظاهر المسلحة. وإذا لاحظ الجيش اللبناني غدا أي مسلح فمن حقه الطبيعي أن يصادر له سلاحه».
وردا على سؤال عن موقف حزب الله من مسألة مزارع شبعا المحتلة قال أمين عام حزب الله أن «أي أرض تقول عنها الدولة اللبنانية أنها أرض لبنانية وتبقى تحت الاحتلال فواجب ومسؤولية المقاومة أن تقاتل لتحريرها، أما كيفية ممارسة المقاومة مهامها الدفاعية عن هذه الأرض المحتلة فهو حق تحتفظ به المقاومة لنفسها، وليس مفروضا علينا تقديم تطمينات أو حتى تهويل».
ورفض نصر الله الاتهامات الموجهة للحزب باستعجال عملية البناء والإغاثة لأنه المتسبب بالعدوان الإسرائيلي على لبنان، مؤكداً أن سبب الإسراع في عملية الاعمار هو عدم إمكانية الدولة لضعفها والفساد المستشري في أروقتها البيروقراطية.
وأشار نصر الله إلى وجود من يتعمد البطء في الاعمار من قبل الجهات الحكومية لإبعاد المواطنين عن المقاومة، وزيادة النقمة ضدها، وكشف نصر الله أن بعض القوى في لبنان حاولت استخدام ورقة النازحين ضدنا.
واستهجن نصر الله ما أسماه بصمت المواطنين على ضعف الدولة سواء في المواجهة مع اسرائيل أو القيام بواجباتها تجاه المواطنين، مشيراً إلى ان سلوك الحكومة وتقاعسها هو الذي كان يدفع حزب الله إلى القيام بدور اجتماعي واقتصادي جماهيري وليس لأنه يسعى ليكون دولة داخل دولة.
وأكد أن «كل عائلة لبنانية في الضاحية أو بعلبك أو الجنوب اللبناني ستحصل على التعويضات في غضون أسبوعين، وسيعاد بناء جميع البيوت التي هدمت في الفترة المقبلة، ولو قالت الدولة إنها غير ملتزمة بإعادة البناء، وهو ليس من حقها، فإننا ملتزمون بإعادة الاعمار، ولم نطلب مساعدة الدولة ولكن طالبنا الحكومة بتحمل مسؤوليتها فقط، وإذا ما أسهمت في الاعمار فإنا نرحب بتعاونها معنا».
وعن قتلى حزب الله في المواجهة مع إسرائيل، قال نصرالله: «القيادات المعروفة من الحزب بألف خير، كذلك الكادر السياسي التنفيذي، التنظيمي والإعلامي والقيادات الأمنية، فعلى المستويين التنظيمي الأول والثاني لا شهداء، ومن المستوى الثالث عندنا ثلاثة شهداء إضافة إلى أربعة أو خمسة شهداء من مسؤولي قرى ومناطق .. حتى الآن لم يتم إحصاء لعدد الشهداء المجاهدين».
وكشف نصر الله عن «بعض الاتصالات للتحضير للقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي يزور لبنان اليوم، لكنه شدد على أن «الإشكال الوحيد أمني».
من جانب آخر، أعلن نصرالله أنه لن يشارك في الجولات المقبلة من الحوار الوطني اللبناني «حفاظا على سلامة وأرواح المتحاورين» من قادة التيارات السياسية.
وعلى صعيد بند تبادل الأسرى الذي قال نصرالله إن روما تسعى للقيام بدور فيه، رجحت مصادر إسرائيلية أن تطلب إسرائيل من المخابرات الألمانية، الخبيرة في ملف تبادل الأسرى بين الحزب وإسرائيل، أن تساهم في جهود الوساطة.
وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة شؤون الدفاع في مجلس الشيوخ الايطالي سرجيو دي غريغوريو، إن إيران تريد من ايطاليا المشاركة، موضحاً أن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ابلغه شخصيا بأنه سيطلب من حزب الله التفاوض مع ايطاليا.
وتوقع غريغوريو في تصريحات إلى وكالة «رويترز» أن تبدأ المحادثات هذا الأسبوع، وذكر أن الأسيرين الإسرائيليين «لا يزالان على قيد الحياة لحسن الحظ» لكنه رفض الخوض في تفاصيل بشأن حالتهما. وقال إن «ألمانيا أيضا تريد المشاركة لذا علينا أن نتحقق وما سيتقرر على المستوى الأوروبي».
في هذه الأثناء، رجحت مصادر إسرائيلية أن تلتقي وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني خلال زيارتها لألمانيا بمدير المخابرات الألمانية ارنيت أورلاو المتوقع أن يساهم في جهود الوساطة الرامية إلى الإفراج عن الجنديين.
وفي ظل تعدد الوساطات، قال رئيس كتلة حزب الله في مجلس النواب اللبناني النائب محمد رعد إن «لا معطيات لديه» عن إمكانية التوصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى اتفاق حول عملية تبادل للأسرى قريبة كما أفادت إحدى الصحف المصرية الرسمية. وتابع القول إن كل «ما نسمعه من الإسرائيليين هو أن هناك جنرالا متقاعدا ألمانيا يعمل على تهيئة فريق لخطة التفاوض».
إلى ذلك، كانت العاصمة السورية دمشق محطة للبحث في موضوع التبادل، فقد استقبل الرئيس بشار الأسد القس الأميركي وداعية الحقوق المدنية جيسي جاكسون الذي ترددت أنباء عن قيامه بجولة شرق أوسطية تشمل لبنان وإسرائيل في إطار مسعى لتبادل الأسر.
وذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أنه جرى خلال اللقاء «تبادل الآراء بشأن إمكانية تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط والمحافظة على الأمن والاستقرار في هذه الظروف الحساسة».
بيروت ـ علي بردى:
عواصم ـ وكالات:
