قال الشيخ: ما نتفاخر اليوم بجمعه من العلوم في الكتب أو الأقراص المدمجة أو في مواقع الانترنت كلف من أبدعه وأنجزه أكثر عمره وماله وجهده وسفره، ومع ذلك نعرض عنه وهو يقدم إلينا مجاناً أو بسعر زهيد في بيوتنا ومكاتبنا بعد أن كان أسلافنا يقطعون الفيافي والقفار لجمعه وتصنيفه.
خذ عندك مثلاً قرصاً مدمجاً يجمع مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. أنت تتحدث عما يزيد عن مئة مجلد كتبت في أسوأ الظروف وبأسوأ الأدوات. ولو قصر واحد منا حياته على قراءة هذه الأعمال لما كفته، ومع ذلك نخترع الأعذار لنتنصل من فضيلة القراءة وطلب العلم.
في عشاء حضره بعض رجالات الأعمال والأموال كنت حاضراً من باب المجاملة. ولما كنت معروفاً بميلي إلى طلب العلم عرفني صاحب الوليمة على رجل قيل له أنه صاحب قرص مدمج وموقع على الانترنت جمع أمهات الكتب في كل العلوم الشرعية ولنطلق على هذا القرص وصاحبه اسم الحافظ.
كان الحافظ رجلاً لا يختلف في حاله ومقالهِ عن بقية الحاضرين بدءاً من لباسه الأوروبي وانتهاءً بالسيجار الذي يتدلى من طرف فمه. وكانت الصاعقة - بالنسبة لي على الأقل - أنه كان ينسب نفسه لعالم جليل من علماء الشام باعتباره واحداً من أهم وأقرب مريديه، وأنه كان يدعي أنه مجاز في الذكر على الطريقة النقشبندية وأنه يملك حق أن يجيز فيها.
سألت الحافظ: سيدي كم تحفظ من القرآن الكريم؟ فأجابني أنه جمع أكثر من خمسين تفسيراً مع نص موثق للقرآن العظيم مع خمس تلاوات لكبار القراء في قرصه وموقعه. أجبت: أقصد ياسيدي كم تحفظ أنت في عقلك من القرآن فبهت وسكت، وأخذ نفثة عميقة من سيجاره الكوبي.
سألت الحافظ: سيدي هل تحفظ رياض الصالحين أو لأقل الأربعين النووية - وهي أربعون حديثاً جمعها النووي لتشمل أهم المسائل - أو لأقل الأحاديث القصار للناشئة الصغار - وهو كتيب جمع صاحبه من الحديث ما قصر متنه ليسهل على الأطفال حفظه - أجابني الحافظ: قد جمعت في قرصي الصحاح الستة مع الجامع الكبير والصغير وأهم ما كتب في الجرح والتعديل ووزن الرجال. قلت له: ياسيدي أقصد ما تحفظه أنت، فبهت وسكت وأخذ نفثة أخرى أعمق من سيجاره الكوبي.
إننا هنا أمام حالة تمثل حال الأمة بالكامل. وإنني أزعم أن الاعتماد على الكمبيوتر والأقراص المدمجة في النسخ والحفظ كان على حساب موت أجزاء من الدماغ وقوى الحفظ والفهم، ولأدلل على صحة كلامي هناك ما يعرف باسم علة المحاسبين وهي تعني عجز أكثر المحاسبين عن إنجاز العمليات الحسابية البسيطة بعد اعتمادهم على الحاسبات. وعندما كنا صغاراً كان مدرسونا يمنعوننا من استخدام الحاسبات إلى ما بعد الثانوية العامة لاعطاء العقل والقدرات الخاصة فرصة النمو والنضج.
وإذا لم نعد إلى الوراء كثيراً فقد كنا ومن سبقنا بجيل واحد نحفظ أجزاء من القرآن أو القرآن كله مع مئات الأحاديث مع منظومات العلوم الشرعية كالجزرية والبيقونية وألفية ابن مالك وألفية العمريطي. ولو وضعت منظومة في يد شاب من شباب هذه الأيام لاعتبر قراءتها وفهمها فضلاً عن حفظها ضرباً من الاستحالة.
وإذا رجعنا إلى الوراء أكثر رأينا العجب فيما خطّه علماء المسلمين وحفظوه في مختلف أبواب العلوم، وقد كانوا يجمعون أكثر من علم واحد فيؤلفون في التفسير والفقه والتاريخ آلاف الصفحات، ولم يكن بين أيديهم ما هو موجود اليوم من وسائل مراجعة كالكتب والأقراص والانترنت.
يقال إن ابن تيمية رحمه اللَّه عندما بلغ العشرين من عمره كان قد حفظ القرآن وقرأ مئة تفسير على شيوخه مما جعل معاصريه لا يجدون أكفأ منه لخلافته على كرسي أبيه بعد موته وأكثرهم يفوقونه عمراً وشهرة. فهل هناك مصلحة حقيقية في أن نترك مهمة الحفظ والفهم للكمبيوتر والانترنت ونترك أدمغتنا تضمر بعد أن تقتات على الغث والرخيص.
وهل استطاعت الأجيال الحاضرة إنجاز عشر ما أنجزه الجيل السابق الذي كان يتبادل الكتب لعدم قدرته على شرائها والذي كان يلتقط النفائس من أسواق الكتب المستعملة على الأرصفة والجدران. إنها مفارقة مأساوية أن يبلغ العلم مبلغاً يصعب الإحاطة بفرع من فروعه معه،
وأن يندر العلماء فلا نجد إلا الجاهل المتحذلق والغبي المتعالم. والأمر ليس مقصوراً على العلوم الشرعية فهو مع العلوم الدنيوية أدهى وأمر لكثرة التطورات والمستجدات والمستحدثات فيها، ذلك أن أصحاب الشهادات الجامعية عندنا يكتفي أكثرهم بما وصل إليه العلم يوم نالوا شهاداتهم ويتركون ما استجد لله والمسلمين.
في إحصائية معيبة نشرت أن مقدار ما يقرؤه العربي يومياً لا يزيد عن ست دقائق، بينما يبلغ عدد ساعات مشاهدة التلفزيون بين 3-4 ساعات، وعدد ساعات الترفيه المنزلي أو خارج المنزل من 2-3 ساعات. أليس في هذا ما يشير إلى قرب قيام الساعة.
ماهر سقا أميني