لا بُدَّ لكلِّ مجتمعٍ من قانونٍ ينظّمُ العلاقةَ بين أفرادِهِ، وينظِّمُ العلاقةَ بينَ الدولةِ وبين المجتمعِ، ويضعُ حدوداً تحقّق الأمنَ والعدلَ وتحولُ دونَ العدوانِ والظلمِ والانحرافِ، لكنّ هذا القانونَ بنصُوصِه وحدَها- مهما كانت سلامة هذه النصوص
وسموِّ مبادئِهِا - لا يكفلُ تحقيقَ هذهِ الأهدافِ ما لم يصْحَبْ ذلكَ سلامةُ التطبيقِ من جانبِ القائمين على تنفيذِهِ، والشعورُ بحرمةِ القانونِ من جانب أفرادِ الشعبِ، والإحساسُ بالرقابةِ الإلهيةِ، ووجود الالتزام الداخلي لدى الأفرادِ، ذلكَ أنَّ الرقيبَ من البشرِ قد يغفلُ وقد يسهو فكَمْ من جرائم تُرتَكَبُ وتُقَيَّدُ ضد مَجْهولٍ،
وكَمْ مِن مُجرمٍ أفلتْ من يدِ العدالةِ لعدمِ كفايةِ الأدلةِ، لذا نقول :إنَّ الذي يضمنُ سلامةَ القانونِ هو استشعارُ كلِّ فردٍ الرقابةَ الإلهيةَ وإحسَاسُه أنَّ اللهَ مطّلِعٌ عليهِ وأنّه سبْحَانَه «يعْلَمُ خائنةَ الأعينِ ومَا تُخْفِي الصُّدُور»، «إنَّه يعلمُ الجهرَ ومَا يَخْفَى»، «مَا يكونُ مِنْ نَجْوى ثلاثةٍ إلا هو رابعُهُم ولا خمسة إلا هو سادسُهم ولا أدنَى مِنْ ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم يُنَبّئُهُم بمَا عملوا يوم القيامة إنَّ الله بكلِّ شيءٍ عليم» .
إنَّ الشعورَ بأنَّ اللهَ رقيبٌ علينا.. مطلعٌ على أعمالنا.. عليمٌ بسرائرنا.. له الرقابةُ المطلقةُ على عبادِهِ - ونحن منهم - مُتَّصِلٌ بالإيمانِ الفِطْرِيّ بالثوابِ والعقابِ، بالدافعِ لفعْلِ الخير وبالزاجرِ عن ارتكابِ الآثامِ وفِعْلِ الشّرِّ وتَجَاوُز حدودِ المسموحِ بهِ في القانون، ليس هذا فحسب، بل مُتّصِلٌ أيضاً بالعدالةِ الإلهيةِ، فقد قال الله تعالى :«فمَنْ يعملْ مِثْقَالَ ذرةٍ خيراً يره، ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ شراً يره»،
فلو استشعرَ الفردُ في المجتمعِ تلكَ الرقابةَ الإلهيةَ وتمثَّلَهَا في ضميره ثُمَّ نَصَّبَ ضميرَه قاضياً يُحَاسِبُهُ على ما يفعلُ فسيلتزمُ - بلا أدنى شكٍ - بحدودِ القانونِ وسيتَجَنَّب الوقوعَ في بِرَكِ الآثامِ ومستنقعاتِ الزَّلاّت، وإنْ زلّت قدَمُهُ يوماً - حيثُ إنّ «كلَّ ابنِ آدم خطّاء» - فهو الذي سَيُسَلّم نفسَه للعدالةِ ويطلبُ تطبيقَ أحكامِ القانونِ عليه ولسانُ حالِه :«تبتُ إلى الله وندمتُ على ما فعلتُ وعزمتُ على ألاّ أعودَ إلى شيءٍ يغْضِبُ اللهَ سُبْحَانه وتعالى»،
ولعلّ في القصّة التالية خيرَ مثالٍ وخيرَ دليلٍ على ما نقولُ ،فقدْ حدَثَ على عهْدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ شاباً من صحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم أصابَ مِن امرأةٍ قُبْلَةً فَتَحَرّقَ قلْبُهُ بنارِ المعصية وتَمَثَّلَ له ضميرُه قاضياً يُحَاسِبُهُ فَقَادَهُ إلى النبيّ عليه الصلاةُ والسلامُ وسلّم نفسَه إليه ليُطَبِّقَ عليهِ القانونَ حتى يريحَ نفْسَهُ مِن عذابِ الضميرِ وإليكم القصة
كما وردت في صحيح مسلم فعن ابن مسعود قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالَ :«يا رسولَ الله إنّي وجدتُ امرأةً في بستانٍ ففعلتُ بها كلَّ شيءٍ غير أنّي لم أجامِعْهَا، قبّلتها ولزِمْتُهَا، ولم أفعلْ غيرَ ذلك فافعلْ بي ما شئتَ».
فلم يقلْ الرسولُ صلّى الله عليه وسلم شيئاً فذهبَ الرجلُ. فقال عمر:«لقدْ سَتَرَ اللهُ عليه لو سترَ نفسَه». فأتبعه رسول الله صلّى الله عليه وسلم بصرَه، ثم قالَ: «رُدّوه عليّ». فردوه عليه فقرأ عليه: «وأقمْ الصلاةَ طرفي النهارِ وزُلَفاً من الليل إنّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ ذلكَ ذكرى للذاكرين»
فقال معاذ (في رواية عمر) :«يا رسول الله ألهُ وحده، أم للناسِ كافة؟» فقال: «بل للناس كافة». والشَّاهدُ في القصةِ استشعارُ الرجلِ رقابةَ الله وحسابه نفسَه ولومه إياها .. وخوفه من عذابِ اللهِ فضاقت عليه حياته وأحاطتْ به خطيئتُه حتى أحرقَ الذنبُ قلْبَه فذهبَ بنفسه إلى النبي لتنفيذ أحكام القانون والشرع عليه وقال :«افعل بي ما شئت».
قصة ماعز
وهذا نموذجٌ آخر خلّده التاريخُ الإسلامي كمثالٍ لعذابِ الضميرِ وتَحَرُّقِ القلبِ من ارتكابِ الذنبِ واقترافِ الجُرْمِ، فقد جاء أحدُ الصحابة وهو ماعز رضي الله عنه قائلاً للنبي: «طهِّرْني يا رسولَ اللهِ». فأعرضَ عنْهُ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلم قائلاً له: «ويحك، ارْجِعْ فاستغفرْ اللهَ وتُبْ إليه».
وقدْ كانَ بإمْكَانِ ماعز أنْ يَتَكَتَّمَ أمرَهُ حيثُ إنّه لمْ يره أحدٌ من البشرِ حينَ ارتكبَ الجرْمَ لكنَّ نفسَه تُبادِرُ إلى الإبلاغِ عنْ هذه الجريمةِ فكان يُصِرّ على التطهُر ويطلبه، وليس أدل على ذلك من أنه كرّر طلبَه للمرةِ الرابعةِ وحينها سأله الرسولُ صلى الله عليه وسلم :«فيم أُطَهِّرُكَ؟»، فقال ماعز: من الزنى يا رسول الله.
كان ماعز متزوجًا، أي محصنًا، وعقاب الزنى للمحصن هو القتل رجماً، وكان يعلمُ ذلك علمَ اليقين لكنّ قلبه كان يحترقُ بنارِ المخالفةِ لأمرِ اللهِ ومعصيته، ولكي يبقى هذا الأمر منقوشاً في الأذهان حتى يوم القيامة فقد التفتَ المبعوثُ رحمةً للعالمين إلى مَنْ حولَه سائلاً: «أبِهِ جنونٌ؟» فأُخْبِر أنّه ليسَ بمجنونٍ. وفي رواية: «ما نعلمه إلا وفيّ العقل، مِنْ صالحينا فيما نرى».
فسأل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «أشَربَ خمراً؟» فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريحَ خمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز: «أزَنيتَ؟» فقال: نعم. فأمر برجمه، فسيق ماعز إلى المصلى لرجمه، فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لحي جمل فضربه فصرعه، فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فرارُه. فقال:«فهلاّ تركتموه».
فكان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئة، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة. فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوسٌ، فسلّم ثم جلسَ فقال :«استغفروا لماعز بن مالك» فقالوا: غفرَ الله لماعز بن مالك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم». وما قصة الغامدية وإصرارها على إقامة الحدّ عليها بأقل شأناً ممّا ذكرنا لكنّ المقامَ لا يتَّسع لتفصيلها وحَسْبُنَا من قصّتِها أنّ ضميرَها الحيّ قادَها إلى النبيّ ليطبّقَ عليها الحدَّ،
فيردّها النبيّ، وتُصِرّ هي على أن تتطهّر من الذنبِ، فيُمهِلُهَا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم تسعة أشهر إلى أن تضعَ وليدَها ولم يَمُتْ ضميرُها ولم يتحركْ قلبُها بدافعِ الأمومة والحرصِ على وليدها إلى نسيانِ الأمر ولو لم تذهبْ لما أُقيم عليها الحد،
حيث إنه لم يكن من شاهدٍ عليها من البشر، فذهبت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليقيم عليها الحد لكنه الرحمة المهداة - بأبي هو وأمي - يمهلها سنتين لتتم رضاعة وليدها، فتصرّ على تطبيق حُكم الله عليها وإقامة الحد وتنفيذ القانون «وهو الرجم حتى الموت»
فتذهب بعد سنتين إلى النبي ومعها طفلُها وقدْ أتتْ بالدليل المادي على أنَّها أتمَّتْ رضاعَتَه فأتتْ به وفي يده خبزٌ ليُقام عليها الحدُّ، ولعلَّنا نتساءلُ :لماذا كلّ هذا الإصرار؟! والجواب :إنه الضمير الحيّ واستشعار الرقابة الإلهية، فيقيم النبي عليها الحد وتموت رجماً بالحجارة بعد أن ضمن من يكفل الطفل.
يَقْظَةُ الضميرِ تُؤَدِّي لأمْنِ المجتمع
فلو خضع كلٌّ منا لرقابةِ الضميرِ الحيّ وراقبَ اللهَ في السرِّ والعلنِ، في القولِ والفعلِ، ولو أقام كلٌّ منّا مِن نفسِه حارساً على القانون، رقيباً على التزام حدودِ الله أميناً في أداء واجبِه مؤمناً بالجزاء العادل لصار المجتمع إلى أفضل حال وتحقّقَ فيه الأمنُ والآمانُ والاستقرارُ.
محمد علي الأطرش