الصورة الثالثة من صور الغش والخداع: تتعلق باللباس والزينة وطلب الحُسنِ والجمال ولو كان ذلك بالخروج على الفطرة وتَغيير خَلقِ الله الذي هو من وسائل الشيطان وإغوائه للناس «وَلآمُرَنَّهمْ فَلَيُغّيِرُنَّ خَلْقَ اللّهِ» سورة النساء آية: 119.
ويدخل في هذا الباب من أبواب الغش والخداع تشبُّهُ الرجلِ بالمرأة، والمرأةِ بالرجل، ووصلُ الشِّعْر بِشَعْرٍ مُستَعار طَبيعيّ أو صناعي، وتَفليجُ الأسنان بالمبرد ونحوه، والنَّمصُ الذي هو إزالةُ شَعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما، والوشمُ وهو النقشُ باللون الأزرق عن طريق الوخز بالإبر أو نحو ذلك، وعمليات التجميل التي تشد الجلد، وتمنعُ ظهور التجاعيد وتقدم السن، وكلها مُحرمة ملعونٌ من عملها ومن عُمِلَتْ به.
عن أسماء رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة، فَتَمرَّقَ شعَرُها، وإنِّى زَوَّجْتُهَا أَفأصِلُ فيه فقال: «لعنَ الله الواصلة والموصولة» رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات والمستوشمات والمُتنمصاتِ والمتفلّجات للحُسن المُغيِّرات خلق الله. فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعنُ من لعنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله قال الله تعالى: «وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» سورة الحشر آية: 7، والحديث رواه البخاري ومسلم.
وعن سعيد بن المسيب قال: قدمَ مُعاوية بن أبي سفيان المدينة، فخطبنا فأخرج كُبَّةً من شَعَرٍ فقال ما كُنتُ أرى أنَّ أحداً يفعلُ هذا غير اليهود، وإن النبي صلى الله عليه وسلم سماهُ الزور. رواه البخاري ومسلم، يَعْني الوِصالَ في الشعرِ.
والحكمةُ من التحريم في هذا كله أنه ضرب من ضروب الغش والخداع والتدليس مع ما فيه من إسراف وتبذير وفتنة وإغواء، وإذا ظهرتْ هذه المحرماتُ في مجتمع أفرغتهُ من مضمونه ومحتواه، وجففتْ فيه ماءَ الحياة، وفي الحديث الشريف: «إنما هَلَكَتْ بَنُو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» رواه البخاري ومسلم.
والصورةُ الرابعة من صور الغشِّ والخداع: تتعلق بالمشورة والنصيحة، والقاعدةُ العامة في هذا الباب أن كل من أشار على أخيه بغير الرشد، أو نصح له بغير صدق وإخلاص، أو زيَّنَ له غير المصلحة، أو رضي لهُ ما يكرههُ لنفسهِ كان غاشَّاً مُخادعاً.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المستشارُ مُؤتَمَنٌ، فإذا اسْتشُير فَلْيُشِرْ بما هو صانغٌ لنفسه» رواه الطبراني في الأوسط.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَقَوَّلَ عَليَّ ما لم أَقُلْ فلْيتبوأْ مقعده مِن النَّارِ، ومَن اسْتَشاره أخوهُ المسلمُ فأشارَ عليه بغير رشدٍ فقد خانه، ومن أفتيَ فُتيا بغير ثَبَتٍ فإثُمهُ علَى مَن أفتَاه» رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وأحمد والبيهقي في السنن الكبرى.
وعَنْ تميم الدَّاريِّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَصِيحَةُ» قُلنا: لِمَنْ؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمسلمينَ وَعَامتِهِمْ» رواه مسلم.
والحق أنَّ الغشَّ في المشورة والنصيحة يَخدشُ الإيمانَ الذي هو أعزُّ على المؤمن من الدنيا وما فيها، وفي الحديث «لاَ يُؤمِنُ عَبدٌ حتى يحب لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ» رواه البخاري ومسلم.
د.قطب عبدالحميد قطب