أرسى الإسلام مبادئ شاملة لرعاية الطفولة تمثلت في الحرص البالغ على تكوين الأسرة الصالحة في ظل الطهر والشرعية باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع المسلم، وحصنها ضد مزالق الانحراف ومخاطر التمزق، وحث الإسلام على عناية النشء في جميع مراحله فضلاً عن إحسان الأب والأم معاملة الأبناء وتوفير الأمن النفسي لديهم وتحسين أخلاقهم.

هذه المسؤوليات الجسام التي فرضها الإسلام على عاتق الآباء لا لشيء إلا لتكوين أسرة مسلمة قوية تسعى لتكوين مجتمع قادر على مواجهة مصاعب الحياة.. وقد كان للإمام أبو حامد الغزالي رأي يقول فيه: مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح ويمدح وبين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة،

فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك سره ولا يكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد ثانياً، فينبغي أن يعاقب سراً، ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود لمثل هذا،

وأن يطلع عليك في مثل هذا، فتفتضح بين الناس، ولا تكثر عليه العقاب في كل حين فإنه يهوي عليه سماع الملامة وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه، فلا يوبخه إلا أحياناً والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح،

فثمة فروق فردية بين الأطفال في طباعهم ومزاجهم وميولهم وأخلاقهم، فمنهم من تكفيه الإشارة ومنهم من لا تروعه المقالة ومنهم من يتألم إذا عوقب في هذا الحجز، ومنهم من يحزن لطرده يوماً.. وهكذا. بعد هذا الكلام الواضح لأبي حامد الغزالي، نتعرف من خلال هذا التحقيق على الطرق التي يمكن من خلالها تربية الأطفال تحت مظلة الإسلام.

يقول المفكر الإسلامي د. محمد عماره: الطفل في الإسلام حقوقه مرعية، وتوجيهات الإسلام في شأن الطفولة تدعو إلى رجولة مبكرة بما يضمن مستقبلاً أعظم وأقوى للأمة، والمناخ السوي الذي عاشه أطفال الإسلام في الصدر الأول وما بعده أثمر أعظم الثمار،

وأخرج منهم الأئمة والقادة ورواد العلم والمعرفة، فالإسلام وفر للطفل الأمن النفسي ولذا أمر بتأديبه وتحسين أخلاقه، وأن يحسن الأب والأم في المعاملة بين أولادهم ذكوراً وإناثاً، فقد حث الإسلام الآباء للسعي في سبيل حاجة الأولاد وجعله جهاداً في سبيل الله،

وجاء في الحديث الشريف: «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله من أحسن إلى عياله». ويوضح د. عماره أن الإسلام اهتم بالطفل اليتيم وحث على رعايته والحفاظ على ماله لقوله تعالى: «وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً»

ويقول تعالى: «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير»، وإذا كان الإسلام قد عني عناية خاصة بالأب والأم فإنه من باب أولى اهتم بثمرة هذا الزواج، وهو الطفل حيث أكد حقه، في أن ينشأ في بيئة صالحة، ومن حقه على أبيه أن يحسن اختيار أمه.

ويشير د. عماره إلى أن عناية الإسلام تمتد بالطفل وهو مازال جنيناً إذ يحرص على صحة الحامل والمرضع وإعفائها من الصيام إذا تحقق أضراره بالجنين، كما نهى النبي عن «الغيل» وهي أن ترضع الأم وهي حامل، وطالب بحسن اختيار اسم الطفل

كما يوصي النبي «ص» بأن يؤذن في أذنه اليمنى، وأن يهمس في أذنه اليسرى، بكلمات إقامة الصلاة إضافة إلى التصدق، وأكد أن الإسلام ضمن للمرأة وللطفل من الحقوق ما لم يتيسر مثلها في تشريع قبله ولن يفعل مثل ذلك تشريع بعده.

تربية روحية

الشيخ عطية صقر يتحدث عن التربية الروحية بشكل خاص فيقول: التربية الروحية هي طريق التعرف على الله سبحانه وتعالى، والاتصال به لتحقيق هدف الإنسان في الأرض، فالله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس لعبادته، وهذه العبادة لابد وأن تكون عميقة ذات أثر واضح في حياة الإنسان وفي سلوكه.

ويرى الشيخ صقر أن الإسلام عمل على تربية القوة الضابطة في المسلم وتنميتها منذ الصغر، فالإسلام يريد أجساماً قوية يمكن أن تؤدي واجبها في المجتمع الإسلامي، ولذلك كان المؤمن القوي خيراً وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف،

وحينما أباح الإسلام الطعام بين المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان بحيث يستفيد الجسم منه الفائدة الكاملة، وبحيث لا يزيد عن حاجته، فينتج عنه الضرر، وبين أن الغذاء وسيلة لا غاية.. وسيلة تنبه المسلمين إلى العناية بالأساليب التي تقوي وتهيئ المسلم لرسالته في هذه الحياة..

كما طلب الإسلام من المسلم أن يهتم بالرياضة كالسباحة والفروسية والرماية «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل» كما طلب منه أن يتعود على الخشونة «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم». ويؤكد الشيخ صقر أن الإسلام اعتنى بتربية الإنسان المسلم عناية كبيرة حتى من قبل ولادته،

وذلك بإعداد البيئة المناسبة التي يتكون فيها ويتربى بين أحضانها أي البيئة التي تهيئه ليكون فرداً سوياً يقوم بواجبه نحو نفسه ونحو أسرته ونحو مجتمعه ونحو البشرية كلها ونحو ربه الذي خلقه وأنشأه وبذلك يستشعر الرضا والسعادة.

وتوضح د. سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع: أننا مازلنا نقف عند مستوى الحفظ والتلقين والترهيب، وهي أدنى مستوى من مستويات النضج العقلي، ومستوى التربية الإسلامية في المدارس والمؤسسات التربوية والإعلامية لا يرقى بالطفل العربي لكي يستقبل القرن الحادي والعشرين بتحدياته.

وتضيف د. سامية وإذا عدنا إلى تاريخ الأمم نجد أن هذا الأسلوب لا يستمر طويلاً، ويؤدي حتماً إلى التدمير الحقيقي للأمة، وأن نجاحه المؤقت ليس دليلاً على صلاحية الترهيب خصوصاً في مجال التربية، ذلك لأن الترهيب يمثل درجة عالية من الخوف أو عدم الثقة بالنفس مما لا يحمد عقباها، فالإنسان الحر ذو الشجاعة الأدبية ذو العقل الراجح هو القادر على الإبداع والتفكير والبناء.

وتقول د. سامية: هناك العديد من مواقف الترهيب التي تصل في بعضها إلى حد القتل المعنوي للطفل تمارس داخل مؤسسات رعاية وتربية الأطفال في دور الحضانة لمرحلة ما قبل الدراسة بما يسيء إساءة شديدة للتربية الإسلامية التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم «واضربوهم عليها العشر» فعندما نزرع الخوف والرعب في نفس الطفل باسم برسم الدين

فإن النتيجة الحتمية هي سلب الشخصية والإرادة والحرية، ويؤكد د. كامل على ضرورة عدم إدخال الأطفال وإخضاعهم بالترهيب إلى دائرة التحريم، لأن اتساع دائرة التحريم في الأعمار الصغيرة بدون فهم ووعي وتدبر يؤدي إلى ضعف المقاومة الذاتية أمام متغيرات العصر المقبل.

أسرة صالحة

ويقول المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين: حفظ الله تعالى للطفل حقوق النفقة والصحة والتربية البدنية والنفسية والتعليم والتربية الملتزمة بالقيم الدينية والأخلاق الرفيعة على الصعيدين الفردي والاجتماعي، سواء فيما بينه وبين نفسه، أو بينه وبين خالقه جل وعلا ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «علموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم».

تنصح د. نجلاء محمد جمعة أستاذ الدراسات الإنسانية بعدم الإسراع في عقاب الطفل إلا بعد معرفة الأسباب ثم تعريف الطفل بالخطأ الذي عوقب عليه، وأن يعاقب المربي الطفل، وهو في حالة نفسية هادئة بمعنى ألا يعاقبه وهو في حالة الغضب والانفعال، ومتابعة الطفل بعد عقابه لمعرفة أثر العقاب عليه، وإذا اقتضت الضرورة ذلك فإنه ينبغي مراعاة منتهى الحيطة والحذر، فلا يؤخذ الولد أولاً بالعنف،

وإنما بالتلطف، ثم تمزج الرغبة بالرهبة وتارة يستخدم العبوس أو ما يستدعيه التأنيب، وتارة يكون المديح والتشجيع أجدى من التأنيب وذلك وفق كل حالة، ولكن إذا أصبح من الضروري الالتجاء إلى الضرب ينبغي ألا يتردد المربي، على أن تكون الضربات الأولى موجعة، لأن الصبي يعد الضربات كلها هينة وينظر إلى العقاب نظرة استخفاف،

أما الالتجاء إلى الضرب فلا يكون إلا بعد التهديد والوعيد وتوسط الشفعاء لإحداث الأثر المطلوب في نفس الطفل، ولقد حدد الإسلام واجب الآباء ومن إليهم نحو أسرهم، واستودعهم أنفس الأطفال الطاهرة، وأرواحهم البريئة النقية، وحتم عليهم تعهدها والمحافظة عليها، وصيانتها من السقوط في مهاوي الرذيلة، والخروج على أوامر الدين. مسؤولية جسيمة

ويقول الداعية الإسلامي محمد الراوي: لا شك أن هذه مسؤولية من المسؤوليات الجسام التي تلقى على عاتق الآباء، ويجب أن نتنبه هنا إلى أن بعض الآباء تنصرف هممهم، وما يفهمونه من واجب نحو الأبناء.. لا يكاد يعدو تهيئة الوسائل التي توفر لهم متعة الحياة وتمكنهم من إدراك مآربهم الجسمية فقط، أما التربية الدينية التي تكون للطفل درعاً يقيه في المستقبل الانحدار في هاوية الرذيلة،

وأداة تحفظ عليه كيانه المعنوي، وتصون ما بينه وبين ربه من علاقة تتوقف عليها سعادته بعد الحياة، فلا يعطيها حقها ويؤكد الداعية «محمد الراوي» أن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع، وهي باختصار مجموعة من الأفراد يعيشون تحت سقف واحد،

ونتيجة لهذا الاجتماع تحت سقف واحد في الأسرة تتحقق فوائد عديدة، سواء لكل فرد من أفراد هذه الأسرة، وللمجتمع الكبير الذي تنتمي إليه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» صدق رسول الله.

(وكالة الصحافة العربية)