تعتبر محطة التلفزيون الأميركية (CNN) هي السبّاقة في ابتكار فكرة أن تتبنى شركة أو مؤسسة تجارية برنامجاً تلفزيونياً معيّناً يكون تحت رعايتها وتقوم هذه الفكرة على أن تدفع الشركة الراعية جميع تكاليف البرنامج وجزءاً من مرتبات المذيع والمعد والمخرج مقابل ذكر اسمها على البرنامج،
وانتظرت شركات أخرى إنتاج البرنامج فقط دون دفع أي مرتبات لطاقمه، وفي النهاية فإن هذه المسألة تخضع لماهية اتفاق بين الشركة ومحطة التلفزيون أو الإذاعة، ولقد وجدت هذه الفكرة رواجاً كبيراً، حيث عمدت الكثير من محطات التلفزة والإذاعة في أنحاء العالم كافة إلى تقليد الـ (CNN) واتخاذ فكرتها هذه أسلوباً لها في معظم برامجها،
حيث حققت من وراء ذلك الكثير من المصالح، منها أن محطة التلفزة التي تقوم بهذا العمل لا تدفع تكاليف البرنامج من حيث المصاريف والرحلات، إن كان البرنامج يتطلب ذلك، أما إذا استضاف البرنامج أشخاصاً فإن الشركة الداعية له هي التي تتكفّل بدفع استضافة الضيوف وتذاكر سفرهم.. إلخ.
أي أنها تغطي نفقات البرنامج بصورة كاملة، ولكن في المقابل تحظى برعاية كبيرة، إضافة إلى ذلك فإن مثل هذه البرامج تشكّل همزة وصل بين المحطة «إذاعة أو تلفزيون» والمستمعين أو المشاهدين، أما اسم الشركة أو منتجاتها فتتكرر مرات عدة في مقدمة البرنامج وفي نهايته.
في بداية القرن الحالي بدأت الكثير من المحطات الإذاعية والتلفزة العربية تحذو حذو مثيلاتها الغربية والأميركية، وبدأت تتبنى أسلوب الـ (CNN) حيث احتضنت شركات مختلفة معظم البرامج التلفزيونية والإذاعية مقابل دفع مئات الآلاف من الدولارات حتى وصلت الأمور إلى أبعد من ذلك منذ بدأنا نسمع ونشاهد محطات تلفزة وإذاعة تجارية تسمح لشركات أن تتبنى نشرات الأخبار ومواجيز الأنباء.
ولقد وصلت هذه العدوى إلى إحدى الإذاعات العربية، حيث اعتمدت بصورة كبيرة على الشركات والمصانع لتمويل برامجها الترفيهية وذلك بحجة أنه لا يوجد لديها رأسمال أو مخصصات كافية للموظفين، في أحد الأيام أعلنت هذه الإذاعة عن رغبتها في انضمام مذيعات إليها، حيث تقدمت «س» إلى الامتحان وحصلت على وظيفة مذيعة،
كانت مهمة «س» العمل في الإذاعة رغم عدم قناعتها بالمرتب الذي خصص لها لكنها اضطرت إلى الموافقة لأن وراءها مسؤوليات كبيرة من أهمها أن أخيها كان يدرس في الجامعة وهي التي تتكفل بمصاريف دراسته بعد موت أبيها، بعد انضمامها إلى الإذاعة بستة أشهر تمكنت «س» من إقناع إحدى الشركات الكبرى بتبني ورعاية برنامج ترفيهي غنائي على أن تقوم الشركة بدفع تكاليف البرنامج
إضافة إلى دفع مبلغ للإذاعة وإلى كادر البرنامج الذي يتألف من ثلاثة أشخاص هم: «س» المذيعة ومعدة البرنامج والمخرج. وبدأت «س» تقدم البرنامج بأسلوب رائع حتى أن الشركة استمرت تدعم البرنامج لمدة ثلاث سنوات متواصلة.
توقف البرنامج
بعد ثلاث سنوات من تألق البرنامج في تلك الإذاعة رأت الشركة الراعية له أن تتوقف لمدة ستة أشهر، وكان الهدف من ذلك هو أن تطرح الشركة الراعية له برنامجها بشكل جديد وبأفكار أكثر عصرية خاصة أن استمراره لمدة ثلاث سنوات بالأفكار ذاتها يُعتبر مدة كافية لنمط معيَّن من البرنامج، لذا طلبت من شركة متخصصة في الدعاية والإعلان عمل دراسة لفقرات البرنامج وتحديد أوقات بثه
بحيث يكون قبل نشرات الأخبار أو بعدها أو أن يكون صباحا أو مساء.. الخ اتصل مدير الشركة الراعية للبرنامج بالمذيعة «س» قائلا لها إن الشركة ستوقف البرنامج لمدة ستة أشهر وستستأنف تمويلها له بعد وضع قالب جديد للمقدمة الموسيقية «التتر» إضافة إلى دراسة الأوقات التي سيتم بثه فيها وأكد المدير خلال الاتصال ثقته بالمذيعة «س» وبفريقها الذي أثبت قدرته المتميزة في الأداء.
وعندما سألته إن كان جاداً في كلامه من حيث رغبته في استئناف تمويل البرنامج أم لا أخبرها بأنه جاد جدا في ذك ولكي يطمئنها طلب منها أن تحضر هي وفريق عملها في البرنامج الاجتماعات التي تعقدها شركته مع شركة الدعاية لأن حضورهم سيكون مفيداً للبرنامج.
قامت (س) بإبلاغ هذا الأمر إلى مدير الإذاعة فقال لها إنه لا يعارض في ذلك طالباً منها أن تطلب من مدير الشركة التي ترعى البرنامج زيادة مخصصات الإذاعة وأن تحاول الشركة اختصار المدة من ستة أشهر إلى شهرين أو ثلاثة. نقلت (س) هذين الاقتراحين إلى مدير الشركة
حيث وافق عليهما فوراً مؤكداً لها أن جميع طلبات الإذاعة ستكون مجابة عند استئناف البرنامج بشكله الجديد، استمرت (س) في عملها المعتاد في الإذاعة حيث كانت تقوم بمذيعة ربط إضافة إلى قراءتها لنشرات الأخبار والمواجيز،
كما بدأت تشارك في البرنامج الصباحي الذي تقدمه الإذاعة والذي يستقبل اتصالات المستمعين وآراءهم، بعد شهرين من توقف البرنامج طلب مدير الإذاعة من (س) عمل ما في وسعها لاستئناف البرنامج إلا أن «س» أخبرته بأن ذلك غير ممكن لأن شركة الدعاية التي تقوم على تطوير البرنامج لم تنته من إعداد تصورها النهائي له،
بعد شهر على ذلك اخبرها مدير الإذاعة بأنه إذا لم تستأنف البرنامج وبتمويل كبير من الشركة الراعية له فإنها لن تستمر في عملها حيث سيقوم بإنهاء خدماتها، هنا احتجت «س» على ذلك قائلة للمدير بأنها موظفة في الإذاعة وإنها تقوم بواجبها على خير وجه وأن العقد الذي بينها وبين الإذاعة لا ينص على أن تقوم هي بتقديم برنامج ترعاه شركة كذا «.»
مؤكدة أن تقديمها للبرنامج برعاية شركة ما هي إلا مسألة ثانوية وليست إلزامية كما أنها ليست من شروط العقد. إلا أن هذا الكلام لم يقنع المدير بل زاد إصراراً على رأيه، واستمرت المناوشات الكلامية بين (س) ومدير الإذاعة وفي كل مرة تحاول فيها (س) إقناعه بأن أمر استئناف البرنامج ليس في يدها وأن هذا في الأصل ليس من مهامها كان مدير الإذاعة يثور في وجهها ويصفها بالإهمال.
صدمة للجميع
في أحد الأيام استدعى مدير الإذاعة (س) إلى مكتبه ودار بينهما نقاش حول استئناف البرنامج، وكعادتها حاولت (س) خلاله إقناع المدير من جديد بأن توقف البرنامج لن يستمر طويلاً وأنه سيعود بعد فترة قصيرة قد لا تتجاوز الشهرين أو الثلاثة،
إلا أن المدير لم يقتنع فقالت له هذا كل ما عندي واستأذنت منه وتوجهت نحو الباب، وفي هذه الأثناء قام المدير عن مكتبه وتبع (س) وقبل أن تصل إلى الباب قام بضربها بقدمه (بالشلّوت) على مؤخرتها حيث وقعت (س) على إثر هذه الضربة على وجهها، هذا التصرف غير المسبوق أصاب (س) وجميع من يعملون في الإذاعة بصدمة كبيرة جلست (س) تبكي في الاستديو
في حين ترك مدير الإذاعة مكتبه وعاد إلى بيته، كان على (س) أن تقرأ نشرة الأخبار ولكن احتجاجاً على ما حصل من المدير رفضت أن تقرأ النشرة واستمرت الأغاني بعد موعد نشرة الأخبار بنحو خمس دقائق، وأثار عدم قراءة النشرة الكثير من التساؤلات لدى المستمعين حيث انهالت الاتصالات على الإذاعة لمعرفة السبب وكان من ضمن المتصلين شخصية كبيرة جداً،
طلب هذا المسؤول الكبير التحدث إلى مدير الإذاعة فأخبروه بأنه غير موجود وعندما استفسر عن سبب عدم إذاعة نشرة الأخبار قال له المخرج إن المذيعة رفضت قراءة النشرة احتجاجاً على ضرب المدير لها وأنها تنوي إثارة هذه القضية لدى الشرطة وفي وسائل الإعلام، عندها طلب المسؤول الكبير من المذيعة أن تمهله فترة من الوقت حتى يتصل بمدير الإذاعة ويتأكد من الخبر،
بعد نحو خمس دقائق اتصل المسؤول الكبير بالمذيعة طالباً منها أن تستأنف عملها واعداً إياها بأنها ستأخذ حقها من مدير الإذاعة، كما طلب منها أن تأتي إلى مكتبه غداً الساعة العاشرة صباحاً. وفي الموعد المحدد ذهبت (س) إلى مكتب الشخصية الكبيرة حيث كان في المكتب هو ومدير الإذاعة،
استقبل هذا الشخص الكبير المذيعة بالترحاب وأبدى لها أسفه كما قام بتأنيب مدير الإذاعة على تصرفه غير الأخلاقي هذا، وطلب منه الاعتذار إليها فما كان من مدير الإذاعة إلا أن قدم لها أسفه معللاً تصرفه بأنه كان في غير وعيه، عادت (س) إلى عملها لكن المدير بدأ يتصيد لها الأخطاء ويهاجمها بسبب أو بدون سبب
كما أصبح يتعمد أن يضعها في الدوام الليلي، عرفت (س)بان هذه المضايقات هي لدفعها للاستقالة فالمدير لا يستطيع أن ينهي خدماتها حتى لا يفسر ذلك بأنه موقف انتقامي منها ويصل هذا الخبر إلى الشخصية الكبيرة جدا سيسبب له المشاكل،
أصبحت مضايقات المدير تضغط على أعصابها لذا فكرت أكثر من مرة في الاستقالة لكنها كانت تتذكر أن أخاها يدرس في الجامعة وانه بحاجة إلى مصروف شهري إضافة إلى أقساط الجامعة وما زاد من مشاكلها أنها أخذت قرضا من البنك وهذا يتطلب قسطا شهريا يجب دفعه كل هذه الظروف القاهرة جعلتها تفكر كثيرا قبل أن تقدم استقالتها لذا قررت أن تتحمل مضايقات المدير لها مهما كانت.
في احد الأيام فوجئ مخرج البرنامج الذي كانت تقدمه «س» إضافة إلى معدة البرنامج برسالتين عن مدير الإذاعة يخبرهما فيهما بان الإذاعة استغنت عن خدماتهما فورا وعليهما إلغاء أقامتيهما من الإذاعة خلال 48 ساعة وإلا لن يأخذا مستحقاتهما.
أحست «س» بان هذه رسالة موجهة إليها وان عليها أن تستعد للأسوأ في احد الأيام تسلمت رسالة من سكرتير المدير مفادها أن الإذاعة استغنت عن خدماتها وان عليها أن تترك مبنى الإذاعة فوراً ورغم توقعها لهذا الأمر إلا أن «س» أصيبت بصدمة فالتزاماتها المالية كثيرة
خاصة التزاماتها تجاه أخيها الذي لا يزال في سنة ثانية جامعة حاولت «س» ان تتصل بالشخصية الكبيرة جدا الذي دعاها إلى مكتبه حيث اعتذر لها مدير الإذاعة ولكنها عرفت بان الرجل سافر خارج البلاد لقضاء إجازة الصيف وانه لن يعود قبل ثلاثة أشهر شعرت «س» بان العملية مدبرة
وان مدير الإذاعة استغل غياب الشخصية الكبيرة ليضرب ضربته ويأخذ ثأره منها شعرت «س» بهموم الدنيا تطاردها فقادتها قدماها إلى مكتب مدير الإذاعة ترجوه أن لا ينهي خدماتها رحمة بها وبأخيها عندما رآها المدير ترجوه والدموع في عينيها ضحك بملء فيه قائلاً لها «كيف أرحمك بعد أن شوهت سمعتي أمام الشخصية الكبيرة جدا..
قالت له انه السبب وان اعتداءه عليها يعد جريمة فما كان من المدير إلا أن صرخ في وجهها وقام يهددها بأنه سيضربها من جديد ان هي لم تترك الإذاعة فورا خرجت «س» والدموع تملأ عينيها وهي تفكر في الأقسام التي ستدفعها وفي مستقبل أخيها ولسانها يقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
إعداد: أحمد سلطان