17 أغسطس 2006 اصبح علامة فارقة في تاريخ لبنان، حيث عاد الجيش اللبناني أمس إلى مناطق الجنوب بعد 40 عاماً تقريباً من الغياب عنه، كما تلقى حزب الله والرئيس السوري بشار الأسد انتقادات حادة من قبل زعماء الأغلبية النيابية في لبنان خصوصاً سعد الحريري ووليد جنبلاط، في وقت تتجه الأنظار إلى الأمم المتحدة
حيث يفترض أن تحدد مهمة قوة الفصل الدولية المعززة التي ستنتشر طلائعها الأسبوع المقبل إلى جانب الجيش اللبناني، وسط شد وجذب بين القوى الدولية في هذا الشأن، كانت أولى إرهاصاته أنباء عن تراجع فرنسي عن قيادة القوة الجديدة ما لم يكن تفويضها واضحاً مما يهدد مصير القوة بالانفراط.
وكان التطور الميداني الأبرز في مجريات الأمس، انتشار عناصر الجيش اللبناني في حوالي 30 قرية جنوب نهر الليطاني، وبعضها على الحدود مع فلسطين المحتلة. وقال ضابط لبناني كبير، إن الجيش انتشر في قرى يارون ومارون الرأس وعيترون
وبليدة، بعدما انتشر آلاف من الجنود على ثلاثة محاور، وقدرت المصادر عدد الجنود الذين انتشروا بستة آلاف من ثلاثة ألوية حيث يتوقع أن يصل عدد الجنود في هذه المنطقة إلى 15 ألف عسكري في غضون الأيام الثلاثة المقبلة.
وللمرة الأولى منذ العام 1978 ارتفع العلم اللبناني فوق سارية ثكنة مرجعيون على أنغام موسيقى الجيش ، ووزعت عناصر من الجيش على المواطنين منشورات تحذرهم من الاقتراب من الأجسام المشبوهة أو الألغام التي خلفها العدوان الإسرائيلي.. في حين استقبل المواطنون قوافل الجيش بالزغاريد ونثر الأرز، رافعين الأعلام وموزعين الحلوى والورود على عناصره.
وفيما رأى مراقبون أن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب يتم تحت عنوان «تعايش» المقاومة بسلاحها غير الظاهر إلى جانب الجيش.. تراجعت القوات الإسرائيلية من محيط بلدتي القوزح وبنت جبيل في اتجاه الخط الأزرق، بعدما كانت احتلت كنيسة مار يوسف التابعة للطائفة المارونية في البلدة ودنستها وحرقت جزءا منها ودمرت بعض المنازل.
وقالت قيادة جيش الاحتلال إنها انسحبت من «نحو ثلثي» أراضي الجنوب اللبناني وسلمتها إلى قوات الطوارئ (يونيفيل). في موازاة ذلك، تعقد 49 دولة من أعضاء الأمم المتحدة خلال الساعات المقبلة اجتماعاً لتحديد مهمة القوة الدولية المعززة التي ستنتشر إلى جانب الجيش اللبناني، وسيكون تحديد شروط المهمة حاسماً لقبول الدول المساهمة بقوات، وبخاصة حقها في الدفاع عن النفس والدور الذي قد تلعبه في نزع سلاح حزب الله.
وبالتزامن مع ذلك، قال ناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية دوني سيمونو إن بلاده تنتظر نتائج اجتماع نيويورك لاتخاذ قرار حول حجم مشاركتها في قوة الفصل، موضحاً أن «الضمانات التي تطلبها فرنسا تتعلق بالتوضيحات الضرورية المتعلقة بطبيعة المهام الملقاة على عاتقها وبقواعد العمل والقيادة والوسائل التي ستوضع في تصرف هذه القوة».
وفي السياق، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن باريس تبحث المساهمة بقوة رمزية فقط وليس قوة من آلاف الجنود كان مسؤولو المنظمة الدولية يأملون فيها، ونقلت عن مصادر دبلوماسية وفي الأمم المتحدة أن فرنسا تبحث إرسال نحو 10 ضباط فقط ونحو 200 فرد من فرقة مهندسين.
وقالت «لوموند» إن فرنسا مستعدة لأن تعرض على الأمم المتحدة استخدام قوة رد سريع لكنها لن تضعها تحت سيطرتها. وإذا صح ذلك فإن من شأن خطوة كهذه أن تؤخر بشكل خطير مهمة الأمم المتحدة التي تعد حيوية لصون الهدنة بين إسرائيل ومقاتلي حزب الله بل وقد تؤدي إلى تخريب العملية بأسرها.
ونسبت لوموند إلى مصدر عسكري أن التردد الفرنسي ناجم عن «صدمة البوسنة» و«مخاوف من أعمال انتقامية من سوريا أو إيران». وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال إليو ماري إن بلادها مستعدة لتولي قيادة قوات الأمم المتحدة حتى فبراير 2007 طالما حصلت على تفويض واضح وسلطات قوية، بيد أنها حذرت من أن أي «غموض» على مستوى المهمة قد يؤدي إلى «كارثة».
في غضون ذلك، أعلن قائد قوة الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) الجنرال الفرنسي آلان بيليغريني أن الدفعة الأولى من القوة المعززة المنتظرة «ستصل في بداية الأسبوع المقبل»، موضحاً أنها «ستكون مختلفة عن القديمة. الجديدة ستكون قوية أكثر بعدد اكبر وبقواعد تحرك جديدة».
وردا على سؤال حول المدة التي سيستغرقها انسحاب القوات الإسرائيلية أعرب بيليغريني عن أمله «ألا يستغرق الأمر أكثر من 15 يوماً». وأشار إلى أن نزع سلاح حزب الله ليس من صلاحية قواته، ولفت إلى إمكانية قيام الحزب بإعادة نشر سلاحه شمال نهر الليطاني، بيد أنه اعتبر الأمر «مشكلة لبنانية».
على الصعيد السياسي، جددت الأغلبية النيابية مطالبة حزب الله بالاندماج في مشروع الدولة. وأقر زعيم اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط بأن الجيش سيكون في مناطق انتشاره «إلى جانب المقاومة»، لكنه انتقد مطالبة حزب الله بما اسماه «صيغة مرنة للحفاظ على سرية التحرك وسرية السلاح»، وقال إن «وجود الجيش وفق صيغة غامضة لا تعترف بالهدنة (بين لبنان وإسرائيل التي أبرمت عام 1949) تجعله في ساحة صراع مفتوحة يتحمل مخاطرها وقد تدمره في ساعات».
وأضاف جنبلاط القول إنه «إذا لم تتم ثلاثة شروط: اتفاق الهدنة واتفاق الطائف والمقاومة ضمن الدولة وبإمرتها، فنحن ذاهبون إلى المجهول». ودعا جنبلاط، في رسالة رأى المراقبون أنها كانت ممزوجة بالنقد والتأييد، الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله إلى أن يوافق على أن يصبح حزبه «جزءا من الجيش»، وان «يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة»، لكنه رفض محاولات نزع سلاح حزب الله بالقوة.
من جهته، قال النائب سعد الحريري في خطاب ألقاه أمام مناصرين أن اللبنانيين «لن يسمحوا لأحد بعد اليوم أن يجعل من الدولة الطرف الأضعف في المعادلة الوطنية أو الجهة المكسورة التي لا حول لها ولا قوة في مواجهة مخلفات الحرب الإسرائيلية بكل ما تعنيه من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وإعمارية».
وفيما وصف الحريري خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الأخير بأنه محاولة لـ «استدراج الفتنة إلى لبنان وفلسطين والعراق».. اتهم جنبلاط الرئيس السوري باستخدام لبنان ساحة من اجل تحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة ومن اجل تجنب المساءلة في قضية اغتيال رفيق الحريري.
ورأى الحريري الابن أن لبنان مهدد من الدولتين المحيطتين به مؤكدا العزم على مواجهتهما. وأضاف أن «النظام في سوريا يتاجر بدماء وأشلاء أطفال قانا وغزة وبغداد لكي يستدرج الفتنة إلى لبنان وفلسطين والعراق حتى بات قصر المهاجرين (قصر الرئاسة السوري) يستحق أن يسمى قصر المتاجرين»، لكنه أبقى حبل الود موصولاً مع الشعب السوري الذي خاطبه بقوله: «نعرف أنكم السند الأول لإخوتكم في لبنان. نعرف أن حزنكم اكبر من حزننا انتم الشعب الممنوع من التعبير ومن المقاومة، بينما رئيس سوريا يوزع اتهامات الخيانة ويطلق أحكام الإعدام السياسية».
بيروت ـ علي بردى:
نيويورك، تل أبيب ـ الوكالات:
