لا يختلف اثنان من أصحاب العقول المبصرة في أحوال العالم أن هناك مظاهر كثيرة ظهرت للعقل التقني الصناعي، وكان لها، أي تلك المظاهر، الأثر الأكبر في التفكيك سواء أكان ذلك على مستوى الجانب الإنساني أم البيئة المحيطة به في هذه الحياة، فبعد ما تفوق العقل المادي وأحكم سيطرته على العالم بمقوماته التقنية وابتكاراته العلمية في مختلف جوانب الحياة الصناعية والتقنية والفكرية والتكنولوجية؛

أصبحت مظاهر التفكك منتشرة في أرجاء المعمورة، فقد أضحى هذا العقل يهدد حياة واستقرار العالم أجمع، وقد تمثل ذلك في اختلال المخزونات الطبيعية وتدهور الحياة الإنسانية والحيوانية والأراضي الصحراوية والريفية... فبسببها انتشرت الأمراض المستعصية والمقلقة للنوعين وما تنتجه المصانع العملاقة أيضاً، فمن أثر الأدخنة المتصاعدة والغازات السامة تفككت بعض مظاهر الحياة الطبيعية، فأضحى ذلك بضلاله إلى تلوث الهواء والبيئة معاً..

فصحيح أن الإنسان العصري يجد في العالم الصناعي والتقني متع الحياة المختلفة وزخرفتها، ففيها (رفاهية مريحة، وتقدماً تكنولوجياً مفيداً، ودخلاً مادياً جيداً، لكنه يفقد بجانب هذا الإنسانية والآدمية والأخلاق والقيم والفطرة التي فطر الله الناس عليها،

ويرى الرذيلة في كل مكان والفساد في كل ركن وزاوية فليعلم العالم أن الفناء هو مصير تلك المجتمعات، فالحضارة أسلوب حياة وليست هي التقدم التقني والتكنولوجي والذين يحلمون بالهجرة إلى تلك المجتمعات والحياة فيها فإنهم يحلمون بالهجرة إلى الفناء)،

فينبغي على العاقل المسلم وغير المسلم إذا ما أراد العيش في تلك الدول أن يكون حذراً ويقظاً من كل شيء، فعليه أن يأخذ الشيء النافع له من علم وتقنية حديثة وغيره ويترك الضار له ليتجنب سائر المهلاكات التي تحوط بالمجتمع الصناعي، وثمة آصرة أخرى لابد من الاتعاظ والتبصر بأحوال الأمم الغابرة هذا ونقتصر الآن على ذكر بعض مظاهر التفكك الذي أفرزه العقل التقني والتكنولوجي للبشرية فالشر أعم من الخير.

فقد سعي هذا العقل دائماً إلى تفكيك المجتمع بواسطة غزو عقول الناشئة والكبار أيضاً بملوثات الثقافة الغربية بحجة التطور والانفتاح على الحياة، وقد قام بهذا الدور المستشرقون ومن سار على نهجهم، وهدفهم من ذلك إخراج المسلمين من ظلمات نور الإسلام إلى نور المسيحية حسب تعبيرهم،

(فقد جاء في خطاب للمراجع الأكاديمية المسؤولة في جامعة كمبردج بتاريخ 9 مايو 1636 م إلى مؤسسي كرسي اللغة العربية في الجامعة الآنفة الذكر ما يأتي (ونحن ندرك أننا لا نهدف من هذا العمل إلا إلى الاقتراب من الأدب الجيد بتعريض جانب كبير من المعرفة للنور بدلاً من احتباسه في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعليمها،

ولكننا نهدف أيضاً إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية، والى تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة والدعوة إلى الديانة المسيحية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات)، وهناك كثير من الأدلة تخرج من أفواه هؤلاء بغية الاستجابة لمتطلباتهم، فعسى أن يثوبوا إلى رشدهم ويقلعوا عن غيهم ويمعنوا النظر والتفكير تجاه الأديان الأخرى لا سيما الدين الخالد الذي هو سفينة النجاة للناس في هذا العصر والعصور السالفة.

بقلم: إبراهيم السعدي