إن التاريخ نادراً ما يحدثنا عن هجرة خالصة مخلصة لله ولرسوله، هجرة إلى مكان مجهول، هجرة لا يسأل المهاجر: هل مهجره سيستقبله مرحباً ويؤويه في ألفة أو أنه سيقابله بالجفوة والعداوة؟ هجرة لم يمهد لها الجو من قبل، ولم يعبد لها المكان.. إن التاريخ لا يكاد يحدثنا عن الهجرة بالإيمان ومن أجل الإيمان.
ولكن التاريخ الإسلامي حافل بهذه الأنواع من الهجرة، فإنه لما كثر المسلمون بمكة وظهر الإيمان وكثر الحديث عنه - ثار ناس كثيرون من المشركين من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم فعذبوهم وسجنوهم وأرادوا فتنهم عن دينهم وتحمل المؤمنون العذاب ألواناً في سبيل الله.ولما استمر الأمر دون فتور قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقة عليهم ورحمة «تفرقوا في الأرض».
فقالوا: أين نذهب يا رسول الله؟
فأشار إليهم: إلى الحبشة فهاجر إليها في بادئ الأمر طائفة من المسلمين: منهم من هاجر مع أهله، ومنهم من هاجر منفرداً.
وأخذوا يعبدون الله مطمئنين آمنين على دينهم من الفتنة.
ثم قدم بعضهم إلى مكة معتقداً أن الأمور هدأت فيما بين رسول الله والمشركين، وفيما قدموا إلى مكة اشتد عليهم قومهم وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديداً.
فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى أرض الحبشة مرة أخرى فكانت هجرتهم الأخرى مشقة ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً ونالوهم بالأذى وقال سيدنا عثمان رضي الله عنه مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة المؤثرة: «أنتم مهاجرون إلى الله وإلى، لكم هاتان الهجرتان جميعاً».
قال سيدنا عثمان: «حسبنا يا رسول الله».
وكان عدد هؤلاء المهاجرين من الرجال ثلاثة وثمانين رجلاً، وكان عدد النساء ثماني عشرة امرأة.
ولم يرق لقريش أن يعبد الله هؤلاء القوم آمنين مطمئنين، لم يرقها أنهم تخلصوا من التعذيب والفتنة، فأرسلت وفداً من ساسة العرب الدهاة، مزوداً بالهدايا إلى النجاشي، ليعيدوا هؤلاء الموحدين إلى مكة لينزلوا عليهم العذاب من جديد.
(ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين).
ولم يفلح الوفد وعاد إلى مكة بخفي حنين. ولما علمت قريش بذلك ثارت ثائرتها وزاد غضبها وأقدمت على عمل يتنافى تنافياً تاماً والإنسانية: فقد كتبوا كتاباً تعاهدوا فيه على ألا يناكحوا بني هاشم ولا يبايعوهم، ولا يخالطوهم. وكان الكاتب للصحيفة هو: منصور بن عكرمة العبدري وكان من تقدير الله تعالى أن شلت يده.
وبهذه الصحيفة وهذا العهد حصروا بني هاشم في شعب أبي طالب وكان ذلك في أول المحرم سنة سبع من نبوته صلوات الله عليه، واستمر بنو هاشم منعزلين محصورين لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغ بهم الجهد مبلغاً خطيراً وكانت قريش تسمع أصوات صبيانهم يبكون جوعاً ومسغبة، فلا ترق قلوبهم ولا يتأثرون واستمر ذلك سنوات ثلاث.
وبينما هذه الأمور من الشدة والقسوة تجري تحت سمع الرسول وبصره وكانت قريش ترسل له صلوات الله عليه من يعرض عليه المال والغنى والسلطان والجاه والملاذ بجميع ألوانها على أن يترك دعوته فلا يجدون إلى غايتهم سبيلاً.
وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة قط كان يدعو ليلاً وكان يدعو نهاراً وكان يدعو في كل لحظة من لحظاته يروي الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد وكان جاهلياً أسلم يقول:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يقول:
«يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». ويدخل فجاجها والناس متفقون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً وهو لا يسكت يقول: ياأيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً. ثم أعلن في الرابعة فأخذ يدعو الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد قبيلة تنصره أو تجيبه حتى أنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: «يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتذل لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة».
واستمر الأمر كذلك: لا يكف رسول الله عن الدعوة إلى الله، ولا يكف المشركون عن المعارضة والإيذاء حتى كانت الحادية عشرة من نبوته صلوات الله عليه وكان الإسراء والمعراج فارتد من ارتد وثبت من ثبت، وكان حادث الإسراء والمعراج هو حادث التصفية الكاملة، وكان الفيصل بين طائفتين: طائفة مؤمنة ثابتة على إيمانها، لا تزعزعها الأعاصير، تميد الجبال ولا تميد. وطائفة مشركة قد أحكمت أمرها ورتبت شؤونها وجزمت العزم على أن تقضي على الإسلام مهما طال الزمن.
ولم يكد يعتنق الإسلام في هذه الفترة - فترة السنوات الثلاث التي سبقت الهجرة - مشرك من أهل مكة، وفيها ثبت المسلمون على إيمانهم ثبات أولي العزم كانت هذه الفترة تربية للمؤمنين وصقلاً لهم، وهي - وإن كان الرسول صلوات الله عليه لم يكف فيها عن الدعوة لحظة من اللحظات - كانت مع ذلك تربية قرآنية لرجال يؤهلهم الله ورسوله لحمل راية الإسلام ونشر دعوته.
وإذا كانت المعسكرات قد تحددت: في مكة وإذا كانت الفترة من الإسراء إلى هجرة الرسول صلوات الله عليه - كانت فترة تربية وصقل وتعليم وتهذيب - فإن الإسلام في هذه الفترة لم يكن قد وقف راكداً بل العكس قد هيأ الله له وسيلة الانتشار خارج مكة لقد ضم الرسول في معسكره المكي كل عناصر الخير بمكة،
ولم يبق فيها - في الطرف المقابل - إلا من لا ينحسم أمره عن طريق الدعوة وإنما عن طريق آخر. وما كان هناك من مناص من مغادرة مكة للعودة إليها من جديد في ظروف مهيأة وبوسائل غلابة، لقد هيأ الله الأمر لانتشار الإسلام خارج مكة.
«أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كل سنة بمجنة وعكاظ ومنى - أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلم تستجب له قبيلة من العرب ويؤذي ويشتم حتى أراد الله إظهار دينه، ونصر نبيه، وإنجاز ما وعد، فساقه إلى هذا الحي من الأنصار لما أراد الله بهم من الكرامة».
وكانوا ستة نفر فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا ووعدوه أن يلاقوه في العام المقبل.ولما عادوا إلى المدينة بشروا بالإسلام فى قومهم فأسلم من أسلم وكثر في المدينة الحديث عن الإسلام.
فلما كان العام الذي يليه حضر اثنا عشر رجلاً فبايعوا الرسول كما تحدثوا بذلك عن أنفسهم: «على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف».
قال: فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن غشني من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
فإن هذه البيعة فضيلة وخير، إنها بيعة على العمل بالمثل الأخلاقية العليا ونشرها. وعاد المسلمون إلى المدينة بأخلاق أخرى وبوجوه عليها نور الإسلام وبقلوب انغمست في محيط الرحمة وأخذوا يدعون إلى الله مبشرين ومنذرين.
إعداد: رجاء علي