قال الشيخ: الفرق بيننا وبين أولادنا أننا عندما كنا صغاراً وعندما كنا نحرز نجاحاً أو نحقق إنجازاً كان الكبار يكافئوننا بقصة أو كتاب، أما أولادنا فإن طلبنا منهم قراءة قصة أو كتاب طلبوا منا مكافأة على ذلك.
ما الذي زهد أبناءنا في القراءة؟ أولاً أستطيع القول ان أكثرنا لا يقرأ فكيف يقرأ أبناؤنا وهم لم يرونا يوماً نمسك بكتابٍ أو نقلب صحيفة، وثانياً لقد احتل التلفزيون والفيديو والـ (د.ف.د ) وألعاب الأتاري والكمبيوتر والبلاي ستيشن مراكز الصدارة في حياة أبنائنا فلم يعد الكتاب يغريهم مهما بذلت جهود في تزويقه وتزيينه.
وثالثاً لقد تسطحت مناهج التعليم وميلَ فيها إلى البساطة والسهولة إلى حد لم تعد تستثير اهتمام الطالب وتحديه، وإننا لم نحرص على إيجاد برامج تعليمية موازية كأن تكون برامج شرعية أو أدبية أو تقنية.
ومن الواضح أن هذه الأسباب تعكس تصدعاً في القيم يهدد أمن الأمة ومستقبلها، فزهد الكبار في العلم والذي انتقل بالعدوى والمحاكاة إلى الصغار يعكس حالة من العقم الفكري والحضاري والانقطاع عن العلم قديمه وحديثه.
وسيطرة التلفزيون على بضع ساعات من حياة الطفل مؤذية بالمضمون غير المدروس وغير المرشد، وبالشكل الذي يشير إليه العلماء على اعتبار أن التلفزيون يقدم صورة جاهزة تؤدي مع الاعتياد عليها إلى كسل الدماغ وقدراته في التخيل والتحليل والتركيب - الأمر الذي يحققه الكتاب - وأنه بغض النظر عن مضمونه يؤدي إلى حالة من الاعتماد النفسي والإدمان العضوي لا تحسن آثاره ولا تحمد عقباه.
لقد ارتكب التلفزيون ويرتكب في حقنا وحق أسرنا وأطفالنا جرائم يصعب تجاوزها أو تجاهلها. ونحن نتعامل معه من باب الأمر الواقع مهما أدخل معه إلى بيوتنا من الرذائل والقيم المريضة والمعايير المعكوسة.
ونبرز ذلك بأننا في عصر لم تعد فيه السيطرة على قنوات الاتصال وأبنائنا الأطفال ممكنة. وإذا افترضنا صحة هذا الزعم جدلاً هل نبذل من الجهود ما يكفي لتعديل كفة الميزان ما أمكن؟ ولمحاصرة السموم والشرور التي تتضمنها رسالة الاتصال ما أمكن. ولإنقاذ أنفسنا وأولادنا من شفا الهاوية ما أمكن.
أذكر انني في رحلة إلى العمرة اشتريت لأولادي عندما كانوا بين السادسة والرابعة عشرة فيلماً عن محمد الفاتح وهو على شريطين، وعندما قدمت هذه الهدية لأولادي سارعوا إلى مشاهدتها ولكنهم لم يكملوا المشاهدة لمرة واحدة، ولم يصمد محمد الفاتح رضي الله عنه أمام «تيمون» و«بومبا» و«ويتي» و«سيمبا» يومها ومازلت إلى اليوم أقول اننا وأولادنا في ورطة كبيرة،
ورطة السقوط في ثقافة السخافة أو سخافة الثقافة - كما أسمتها مريم النعيمي - لقد أوغلنا في هذه الثقافة وألفتها عقولنا وحواسنا حتى صار إمكان العودة ضرباً من الاستحالة، لقد أحرقنا كل أمل في سفن العودة إلى الجاد والنبيل والنافع.
إن الشركات العالمية التي تنتج أفلام الأطفال ورواياتهم وقصصهم تتقن عملها وتفهم أصوله إلى درجة لم يعد ممكناً عقد المقارنة بين ما تنتجه والجهود المتواضعة التي يبذلها المسلمون، وهي بشهادة علماء النفس والتربية والفلاسفة والمفكرين المخلصين تضع السَّم في الدسم وتخرب جهاز الإدراك والمعرفة عند الأطفال وتمرر عبر منتوجاتها رسائل تحمل الكثير من التهديد والخطر.
فأين يصمد الكتاب وكيف يصمد أمام هذا المد التقني المغري والعاصف؟ وكيف يصبر الطفل على قراءة كتاب من سلاسل (الأبطال) أو (الخالدون) أو (شهداء الإسلام) وهي ما نشأنا عليه يوم كان التلفزيون أفقر وأضعف من أن يشد انتباهنا، وحوله تقفز شياطين المرح المقنع والذي يخفي وراء قناعه سحر الشياطين في كل ساعة ودقيقة.
وحتى لا أكون يائساً وميئساً أزعم أن انخراط الطفل في شلة من أقرانه بإشراف موجه عاقل في الدورات والمعسكرات التي تنظمها المؤسسات الموثوقة فيه جزء كبير من الحل لهذه الورطة المعضلة. إن جو الصداقة والأخوة والمحبة بين الأقران الذين يجتمعون على حب اللَّه
وبإشراف داعية متزن مرح قادر على فهم الطفولة واحتياجاتها هو ما يمكن أن يعيد الأمل في إمكان بناء أولادنا على حب العلم والمعرفة وعلى التغذية الصحية الفكرية والشخصية، وبعدها يمكن أن نفكر بأن نلقي بفلذات أكبادنا في متاهات العصر وعندنا شيء من الثقة بأنهم سيختارون الأفضل والأحسن.
إن «الكتاب» المفيد و«الفيلم» النافع و«العلم» الذي يرضي اللَّه ورسوله و«التربية» التي تصنع العظام من الرجال والنساء عليها أن تخوض معركة شرسة وليست محدودة مع طوفان الإعلام الضار السرطاني. ولكننا لسنا في موضع اختيار لأنهم أبناؤنا ولأنه مستقبل أمتنا.
لقد قلت يوماً في معرض حديثي عن ابن تيمية أننا لا نطمح إلى أن يكون جميع أولادنا كابن تيمية ولكن أمة يبلغ تعدادها ملياراً ونصف المليار من المسلمين يعيبها ألا يوجد فيها رجل واحد كابن تيمية. وإنني أتوجه بالنصح للآباء والأمهات أن يبدأوا سيرة الألف خطوة وإن بخطوة واحدة. وأن يخصصوا ساعة من النهار للعلم النافع تاركين - مؤقتاً - بقية النهار للهو واللعب ولكن تحت السيطرة والمراقبة اللطيفة.
ماهر سقا أميني