إن وجود المذاهب الإسلامية المتعددة هي في الواقع دعوة للاختلاف، لكن ليس ذلك على إطلاقها، بمعنى أنني أعتقد أن هذه المذاهب الآن صار أثرها السلبي على الإسلام والمسلمين أكثر من أثرها الإيجابي، لكنه كما أن الناس مختلفون في العقول والمدارك، فإنهم أيضاً يختلفون في طريقة علاقتهم بهذه المذاهب.
وكما نعلم جميعاً أنه ليس هناك أي أحد من أصحاب هذه المذاهب قد دعا لاتباعه واقتناء مذهبه وآرائه بل كانوا جميعاً يدعون إلى اتباع الحق، واتباع الدليل أينما وجد، فالحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق بها.
ويحضرني في هذا الصدد أنني سمعت مرة من الوالد الحاج سعيد في بعض المجالس وكان الحديث يدور حول موضوع المذاهب وما إلى ذلك، فسمعته يقول: هل من الممكن أن يكون هنالك حقان أو طريقان للحق؟ بالطبع لا. فالحق واحد وصراطه واحد هو الصراط المستقيم.
وهذا المعنى يؤكده قول الله تعالى: «ذَلِّكُم اللْه رَبُّكُمُ الْحَقُ، فَماذا بعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأنّى تُصْرفُونَ« (يونس: 32). معناه أن الحق واحد ولا يأتي بعده إلا الضلال.السبب الذي دفع الناس إلى انتحال هذه المذاهب والتعصب لها.
الذي أراه والله أعلم، أن هؤلاء العلماء أصحاب هذه المذاهب المنسوبة إليهم قد منَّ الله عليهم بعلم غزير وفهم قوي للنصوص الشرعية، فكان لعلمهم تأثير كبير على الناس في توجهاتهم وأفكارهم.
وهنالك أسباب أساسية بنظري جعلت الناس يميلون إلى التقليد، وإلى التعصب لهذه المذاهب ولهؤلاء العلماء، والتقليد ليس مذموماً على إطلاقه، وإنما الذي يذم هو التقليد الأعمى الذي ليس للإنسان فيه أي حجة ولا أي دليل إلا أن فلاناً من الناس قال كذا أو فعل كذا.
أما الأسباب التي دعت الناس إلى انتحال هذه المذاهب والتعصب لها فهي تتلخص في الآتي: ينبغي أن نعلم أنه في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان الناس لديهم المرجع الأساسي للحق والدين وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
فهو الذي أتى بهذا الدين، من عند رب العالمين، وهو الذي يتنزل عليه الوحي في الصباح والمساء، وهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، فلم يكن هناك داع لوجود مذاهب لوجود صاحب الرسالة بينهم.
أما بعد رحيل صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وآله وسلم فقد بدأ الناس يختلفون في معاني النصوص الشرعية ودلالاتها، سواء نصوص القرآن أو نصوص الحديث الشريف.
فبدأ الناس يرجعون إلى أهل العلم منهم ويسألونهم، ففي زمن الصحابة كان الناس يلجأون إلى فقهائهم وكبار علمائهم من أمثال ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهم ممن كانوا أعلاماً في العلم، ثم جاء زمن التابعين
وبدأ الناس يتنقلون إلى تلاميذ الصحابة فيأخذون منهم العلم وهكذا بقي الحال. ومع مرور السنين، كثر الاختلاف في فهم النصوص الشرعية، وكثرت المدارس العلمية والفقهية في مختلف البلدان.
وكل مدرسة من هذه المدارس تحمل أفكار صاحبها الذي أنشأها، فبعد ذلك بدأ الناس يتعصبون لهذه المدارس، والتي هي في الأصل كانت مدارس فقهية وليست عقائدية، فالكل على عقيدة واحدة إلا من شذ.
ومع وجود هذه الظروف نشأت المذاهب وبدأ كل واحد يتعصب لمذهبه، فتراه يدافع عنه بكل قوة أمام المذهب الآخر، وكأنه يدافع عن الإسلام ضد الكفر، وهكذا ظل الناس حتى بلغوا مبلغاً خطيراً، حيث بدأوا يختلفون في أصول عقائد دينهم، وبدأ يكفر بعضهم بعضاً، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من متاهة ومهانة لا يرتضيها عاقل.
وهذا التعصب الأعمى للمذاهب هو الذي دفع أحد هؤلاء المتعصبين يتغنى ببيت شعر ويقول:
أنا حنبلي ما حييت وإن أمت
فوصيتي للناس أن يتحنبلو
أو ليس الأولى أن تكون وصيته للناس بأن يتقوا الله ويتبعوا رسوله، بدلاً من أن يوصيهم باتباع فلان وعلان؟!!
هذا الأمر لا يقلل من شأن الحنابلة أبداً كما قد يفهم قصاري النظر، فإن العبرة هنا ليس المذهب، وإنما هذا البيت من الشعر يوضح التعصّب الكبير للمذاهب، وكأنهم يعتبرونها المنجي الوحيد من عذاب الله.
(إنَّ فِي ذَلِكَ لّذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ أَلْقي السْمْعُ وَهُوَ شَهيِد). ق
أحمد عبد الله بوانا