واجه الإسلام ـ ومازال يواجه ـ حرباً شرسة من الإعلام الغربي، وعلى وجه التحديد الإعلام الصهيوني الذي وجد الفرصة سانحة بعد التفجيرات الأميركية، لبث سمومه ضد الإسلام والحضارة الإسلامية، بهدف استعداء الغرب ضد المسلمين، في محاولة منه لتقويض دعائم العالم الإسلامي وهدم كيانه،

كما وصل الأمر إلى اتهام عدد من المسؤولين الأوروبيين ذوي المناصب الرفيعة الحضارة الإسلامية بعدم احترامها لحقوق الإنسان والمرأة وتفضيل الحضارة الغربية عليها. في ضوء هذا التصور والحملة المعادية للإسلام على المسلمين ضرورة التحرك ووضع أسس جديدة لمواجهة حملات التشويه ضد الإسلام والحضارة الإسلامية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن أن تستعيد الحضارة الإسلامية ازدهارها وقوتها في ظل الأخطار والتحديات التي تحيط بالإسلام والمسلمين؟ ولذا التمسنا الإجابة من أهل الفكر وعلماء المسلمين يقول د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق: الحضارة الإسلامية هي التي علمت العالم كله معنى الحضارة، لأن الحضارة الغربية ما هي إلا رماد الحضارة الإسلامية..

وتتميز حضارتنا بأنها أخلاقية.. لأن المؤرخ والعالم والمهندس المسلم.. ينطلق في كل أعماله مرتبطا بقيم أخلاقية.. فهو يعمل من هذه القيم ولأجلها، ولهذا كانت هذه الحضارة تعيش وتبقى وتسود.. أما الحضارة الغربية فهي مادية لا صلة لها بالروح والقيم والأخلاق ولا بالشرف الإنساني، فالعالم الغربي يخترع الشيء من أجل أن يدمر به آخر.. ويخترع الاختراعات لإزالة دولة وإذلال شعب والسيطرة عليه.

وأكد د. هاشم على أن الدين والعلم مرتبطان بالقاموس الإسلامي.. ذلك لأن دستور المسلمين هو القرآن.. والدين والعلم يخرجان من رحم واحد.. ويلتقيان بغاية واحد ويدلان على إله واحد.. لكن إذا خرج العلم عن نطاق التدين.. سيصبح علما مدمرا وهذه ميزة العلم في الإسلام..

وهي أنه مرتبط بالفهم للرسالة.. وهكذا تتوالى الحجج الدينية والمنطقية والكونية.. لتدحض وترد المزاعم والافتراءات التي طالما روجها.. ويروجها علماء الغرب ضد الإسلام والمسلمين، والتي تزايدت في الفترة الأخيرة عقب انفجارات 11 سبتمبر.

ويقول د. عبدالوهاب بكر أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر : جاءت الأديان كلها قبل الإسلام تمهيدا للدين الإسلامي الذي يمثل عصر رشد الإنسانية.. حيث جاء الإسلام حدا فاصلاً بين عصر وعصر.. فجاء ليرسخ معاني الرحمة والإخاء البشري والسماحة والانفتاح على العصر..

وتقبل كل العناصر والأديان في نطاقه حيث اصطفي الإسلام خلاصة الدين الرباني المنزل ليشكل ثقافة عالمية خالصة.. ومن هنا فان مرحلة الضعف والتخلف التي يمر بها العالم الإسلامي هي مرحلة مؤقتة وليست تطوراً طبيعياً.. والدليل على ذلك أن الأمة الإسلامية قد واجهت في تاريخها أزمات وتحديات متعددة..

لكنها انتصرت عليها.. وواصلت مسيرتها في تقديم العطاء الحضاري الذي دفع مسيرة التقدم العالمي في كل المجالات. ويري د. بكر أن في المقدمة التماس أسباب التمكين وامتلاك أدوات التقدم لدى المسلمين هي العودة إلى المنهج الإسلامي الأصيل الذي يصحح كثيراً من الأوضاع الاجتماعية التي دفعت إليها الحضارة الغربية.. من حيث التطلع إلى المادة والترف..

والتماس مصادر الحرام والنزوع إلى الإسراف في المتعة المادية.. وتجاهل الأخطار المحدقة التي تعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم.. والحيلوله دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم وبناء مجتمعاتهم.. وتوجيه ثرواتهم نحو بناء قوة اقتصادية إسلامية تكفل لهم استغلال مواردهم.. ولا يتأتي هذا إلا بالعمل على إقامة الوحدة الجامعة بين كل عناصر الأمة الإسلامية.. وذلك حتى لا يجد خصوم الإسلام ثغرة ينفذون منها لوضع العراقيل أمام إقامة الوحدة الإسلامية الشاملة.

سماحة واعتدال

أما د. سعد الحلواني أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر فيقول : إنه من الإنصاف ألا ننكر على الحضارة الغربية المعاصرة.. تقدمها المادي، ولكن هذا التقدم أهدر الجانب المعنوي في الإنسان.. فأصبح يعيش حياة غير متوازنة طغى فيها جانب على جانب، وتحول الإنسان فيها إلى هيكل،

وفقد الإنسان الغربي في ظل هذه الحضارة.. استقراره النفسي، ومن ذلك أصبحت أحوال المجتمعات الغربية تلح في طلب القيم التي تعيد إليها توازنها الروحي، وتحقق لها استقرارها النفسي، وليس أفضل مطلقا من قيم وتعاليم الإسلام السمحة لتحقيق ذلك..

فالإسلام ـ كما نعرف أنه دين سماحة ودين اعتدال، هو قادر على تحقيق التقدم الحقيقي للبشرية كلها، فضلا عن قدرة المسلمين على التقدم بالإيمان والعمل والعلم، بعد أن عانى الناس في ظل المادية الفرقة التي تبنتها ولا تزال تتبناها الحضارة السائدة،

ولا شك في أن التغيرات العصرية العالمية التي يشهدها عالم اليوم تمثل فرصة سانحة للمسلمين كي يتقدموا من جديد إلى البشرية بسماحة الإسلام وأهدافه وسمو غاياته ليشاركوا في صنع وبناء العلاقات الدولية الجديدة على الحق والعدل والسلام والأخلاق النبيلة.

وأكد «الحلواني» أن الأقدار ولو شاءت أن تتغلغل الحضارة العربية في أوروبا حتى تشملها كلها.. لتغير وجه التاريخ ولكان للإنسانية بفضل المبادئ الإسلامية شأن غير الشأن البربري الذي تعيشه أوروبا الآن وهي غارقة في الطغيان.

وأضاف ان فكرة التفوق للحضارة الإسلامية ساهمت في دعم الهجمات الاستعمارية على العالم الإسلامي وفرض الوصاية الغربية عليه، وعندما اكتشف العالم الإسلامي السلوك السيئ للغرب معه، وحقيقة مقاصده منه، كان الوقت قد فات،

فقد تبين أن دعاوى الغرب لتحرير الشعوب الإسلامية من التخلف ونشر رسالته الحضارية إنما كانت غطاءً يستر بها محاولته لإشاعة قيمه النفعية، وتقوية الميول الإلحادية المناهضة للدين، وخلخلة نظامنا الأخلاقي، وتشويه تراثنا بما يؤدي في النهاية إلى تفتيت وشرذمة الأمة الإسلامية إلى جماعات متنابذة لا يجمعها حوار مشترك يحدد موقفها من الحضارة المعاصرة.

ويوضح المفكر الإسلامي د. محمد إبراهيم الفيومي أن المسلمين هم المسؤولون عن حالة التخلف التي نعيشها اليوم فعدم حرص الأجيال المعاصرة على إحياء المفاهيم الإسلامية والتي تعد القوة الخلاقة في ثقافتنا وحضارتنا أدى إلى غلق باب الحوار والاتصال الحضاري بين ماضينا وحاضرنا،

فبقدر تمكننا من إحياء المفاهيم الإسلامية والالتزام بها في سلوكنا.. بقدر ما يتسنى لنا إعادة البعث لحياة شعوب الأمة الإسلامية على طريق الحداثة والحضارة. وأكد د. «الفيومي» أن الإسلام قد ربى أبناءه على حب العلم واحترامه والبحث عن الحكمة والمعرفة ودليل ذلك أن القرآن الكريم نفسه قد فتح آفاق الكون كله أمام العقل ليفكر فيه ويتدبره، وجعل التفكير وإعمال الرأي عملا من أعمال العبادة يؤجر عليه صاحبه..

فيقول الحق تبارك وتعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، وقال تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء». وأشار إلى أن نمو فكرة التفوق الغربي كان له آثاره على التاريخ والمنهج الغربي وأدى إفراط الغرب في رؤيته لذاته إلى عدم فهم طبيعي للشخصية الشرقية المسلمة مما أدى إلى غلق باب التفاهم بين الشرق والغرب وفي نفس الوقت قطع الطريق على المسلم الشرقي في أن يكتشف حقيقته الفكرية والحضارية،

فالفكر الغربي تعمد أن يقدم لنا ألواناً من البغضاء الدفينة ونوبة من سوء الفهم المتعمد، بغرض تزييف التاريخ الإسلامي، حيث قدم الإسلام على أنه مزيج من الفلسفات القديمة وبقايا ملل مرفوضة من اليهودية والمسيحية.

وأضاف د. «الفيومي» إن الاستعمار كشف وجهه القبيح حينما أظهر عداءه للإسلام كدين ونظام اجتماعي وأخلاقي على الرغم من اعتماده على الثقافة الإسلامية في عصر النهضة باعتبارها ركنا أساسيا من أركان نهضته الثقافية، فالغرب تعرف على منجزات الحضارة القديمة خاصة اليونانية والرومانية من خلال الحضارة الإسلامية

ومع ذلك عمل المستشرقون على تكريس تلك العلاقة العدائية وصوروا الإسلام على أنه دين رجعي وهو من ذلك براء. ودعا د. «الفيومي» الغرب إلى أن ينظر من جديد إلى حقيقة الإسلام وأن تتوقف مكونات الرأي العام الغربي ووسائل الإعلام عن نشر الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين والحد من النظرة العرقية التي تقلل من شأن المسلمين خاصة المهاجرين منهم.

أسس تربوية

ويوضح د. عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن العالم الإسلامي رغم السلبيات التي حاقت بمسيرته في القرن الماضي سيكون عاملاً فعالاً في النظام الجديد ورغم أن قادة الغرب يعتبرون الإسلام العدو الرئيسي لهم خاصة بعد انهيار الشيوعية وقد اتهموه ظلما بالعنف وأنه انتشر بحد السيف وأنه يتربص بالحضارة الغربية للانقضاض عليها

وفي المقابل يؤكد د. «عبدالسلام» أنه ظهرت مؤلفات لمفكرين غربيين اعتنقوا الإسلام ودافعوا عنه.. بل اعتبروه البديل بما يقدمه من تعاليم وأخلاقيات ونظم عن النظم والأخلاقيات الغربية المهترئة. ويرى «عبدالصبور» أن التحدي الإعلامي لعالمنا العربي والإسلامي يتمثل في استخدام الأقمار الصناعية في البث المباشر

ورغم ما في هذه المحطات من فكر وثقافة إلا أن الكثير مما يبث يحمل أخطارا شديدة على مجتمعاتنا مما يستوجب منا أن نؤسس اتحاداً أو منظمة تضع الأسس التي يجب أن تلتزم بها هذه الإذاعات للحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية، تراعي التوزيع المناسب للبرامج، بحيث يأخذ البث العلمي والثقافي والديني نصيبه دون أن يطغى عليه البث الرياضي أو اللهو كما يجب أن يكون للدول الإسلامية رسالة إعلامية واضحة تحمل الفكر والثقافة الإسلامية.

تحالف ضد المسلمين

ويري المفكر الإسلامي د. مصطفي الشكعة أن المسلمين الآن يضربون في كل مكان وكأقليات كبيرة تضرب في بلاد غير المسلمين وفي البلقان قصتهم معروفة، فالعالم كله تحالف ضد المسلمين.. والعالم المسلم يلتزم بقرارات الأمم المتحدة والدول غير الإسلامية لا تلتزم بهذه القرارات.

وأضاف د. «الشكعة» الإسلام يحارب وأنا لا ألوم عدو الإسلام ولكن ألوم المسلمين أنفسهم الذين يحملون اسم الإسلام اذ علينا كمسلمين أن نسلم أولاً، فالإسلام عبادة وعمل، وتعامل ومعاملات وسلوك، وينبغي أن نطبق الخلق الإسلامي حتى نصبح أعزة وأقوياء، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف والإسلام دين العمل،

ومع ذلك فإن المسلمين وحدهم هم الذين لا يعملون ولا يتقدمون فهناك أمور أساسية ينبغي أن نطبقها لأنها من صميم ديننا ومن بين هذه الأمور أن نعمل ونتعلم فإذا حدث هذا فأعتقد أننا نكون قد وقفنا على بداية الطريق الصحيح.

وأكد د. «الشكعة» أن الأمة إذا أسلمت فلنستبشر خيراً، ولكن إذا ظلت على كسلها وإعطاء ظهرها للمبادئ الكبرى الإسلامية فإن مستقبلها مظلم، ونحن المسلمين لا نفقد الأمل أبداً رغم ما يحيط بنا من ظروف قاسية، ونحن نتفاءل بأن الله تعالى سوف يبعث لنا طاقة من نور تضيء لنا الطريق..

وقال أنا لا أتفق مع القائلين بالنظام العالمي الجديد، خاصة أنه يشن الحرب على الإسلام منذ نشأته بحرب ساخنة أو باردة. وأكد د. «الشكعة» أن الحرب مستمرة ضد الإسلام، لأن الإسلام في نظرهم هو بعبع الغرب.. لأن الغرب ما واجه الإسلام عسكرياً وانتصر.. فعداوة الغرب للإسلام ليست وليدة سقوط الماركسية، ولكنها ممتدة فلا ينبغي لمن يعالج قضية عداء الغرب للإسلام أن يقول إن هذا العداء حديث.

القاهرة ـ محمد فاروق