قررت الحكومة اللبنانية نشر قوات الجيش في مناطق الجنوب اليوم بعد غياب لعقود واكدت انه لن تكون سلطة لغيرها في الجنوب كما انها لن تصطدم بالمقاومة تحت اي ظرف وسط تأكيد حزب الله رفضه نزع سلاحه أو سحب مقاتليه إلى شمال نهر الليطاني في وقت صعدت الحكومة الإسرائيلية المأزومة داخلياً ضغوطها على لبنان والأمم المتحدة ولوحت بـ «جولة أخرى من القتال» واستئناف العدوان ووقف الانسحاب إذا لم ينتشر الجيش في مناطق الجنوب ويشرع في نزع سلاح حزب الله.
وخطا المشهد السياسي الإسرائيلي امس مزيداً من الخطوات نحو حافة الهاوية بمشروع قانون يقضي بحل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة كما قرر وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس امس تشكيل لجنة للتحقيق في أداء إسرائيل وإخفاقاتها خلال الحرب في لبنان.
وفي محاولة لفرض واقع سياسي والضغط على الحكومة اللبنانية، هدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي دان حلوتس، الذي يواجه أسوأ أيامه، بوقف انسحاب القوات الإسرائيلية في حال لم ينتشر الجيش اللبناني هناك، ولم يستبعد «احتمال تفجر الموقف» في جنوب لبنان بقوله: «نحن كجيش يجب أن نكون مستعدين».
وقال حلوتس، خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، إنه «إذا لم ينزل الجيش اللبناني ليتسلم من قوات اليونيفيل المناطق التي ننسحب منها فإنه يتوجب وفقاً لمفهومي وقف الانسحاب». وشدد على أنه «يتوجب النظر إلى حزب الله من خلال مجالين: الأول جسدي كونهم مقاتلين والثاني إيديولوجي.
إن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها حل مشكلة تسلح حزب الله لكنها قادرة على إنشاء ظروف في المستوى السياسي. لم يكن الهدف من القتال القضاء على حزب الله ونزع سلاحه فلهذه الغاية كان يتوجب احتلال مئات الكيلومترات في لبنان والوصول إلى كل صاروخ»، زاعماً أن جيشه «نجح بنسبة 90 في المئة في تدمير الصواريخ الطويلة المدى التي كانت بحوزة حزب الله».
وفي السياق، نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية عن مسؤول في مكتب رئيس الوزراءإيهود أولمرت قوله إن إسرائيل ستستأنف عملياتها العسكرية في لبنان ما لم تتمكن قوة الأمم المتحدة المزمع نشرها في الجنوب اللبناني من نزع سلاح حزب الله.
ويأتي التحذير رداً على التقارير التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية وأفادت أن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة توصل إلى اتفاق مع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله يسمح للحركة بالإبقاء على سلاحها دون عرضه على الملأ.
وقال المسؤول الإسرائيلي إن مثل هذا الاتفاق يعد خرقاً لقرار 1701، الذي قال إنه واضح وينص على «إبعاد الحزب عن المنطقة الحدودية وحظره وتفكيكه». وحذر من أنه «في حال لم يتم تنفيذ القرار فسنضطر إلى العمل في سبيل الحيلولة دون إعادة تسليح حزب الله. يجب أن يكون هناك ضغط على حزب الله لنزع سلاحه وإلا فستكون هناك جولة أخرى من القتال».
وتواصلت حلقة الضغط من نيويورك، حيث قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الاميركية الكبرى، قبل دقائق من لقائها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ان الحرب مع حزب الله لن تنتهي حتى التنفيذ الكامل لقرار الأمم المتحدة 1701 الداعي لإنهاء الصراع.
في هذه الأثناء، خرقت إسرائيل القرار 1701 والخط الأزرق، ونفذ طيرانها الحربي غارات وهمية فوق قرى البقاع الغربي وحلق بشكل دائري وعلى علو منخفض فوق القرى الواقعة إلى الشرق من نهر الليطاني.. في حين أعلن الجيش الإسرائيلي بلدة عيترون اللبنانية منطقة عسكرية ومنع المدنيين من دخولها، كما عزز وجوده في منطقة مارون الراس.
على الجانب السياسي، كان الضغط شديداً على الحكومة بزعامة إيهود أولمرت من جانب المعارضة والشارع في آن، وكان أبرز التطورات تقديم عضو الكنيست أوري آرئيل من كتلة الاتحاد الوطني مشروع قانون يقضي بحل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة. وصرح آرئيل بأن هذا المشروع يأتي رداً على الإخفاق العسكري وعلى خلفية تقصيرات المستوى السياسي في معالجة الأزمة الأخيرة ولا سيما خذلان سكان المنطقة الشمالية.
وقابلت الحكومة الإسرائيلية التي تواجه مأزقاً صعباً في ذكرى مرور 100 يوم على تشكيلها هذه المستجدات الضاغطة بالهروب إلى الأمام، إذ قالت على لسان نائب رئيس الوزراء شمعون بيريز ان حكومته ستنجو من أي انتقادات لأدائها أثناء الحرب التي زعم أنها حققت أهدافها، معتبراً أن نصف عناصر حزب الله تقريباً أصبحوا خارج العمليات.. سيتعين عليهم أن يلعقوا جراحهم».
وأضاف بيريز، في مؤتمر صحافي أثناء زيارة لمدينة أتلانتا في ولاية جورجيا الأميركية لجمع تبرعات لشمال إسرائيل إن قيادات «حزب الله ظنوا أنهم سيجعلون إسرائيل تجثو على ركبتيها. لا أقول انها كانت مهمة سهلة لكننا تحملناها ونشعر أننا خرجنا منها في وضع جيد عسكرياً وربما في وضع أفضل سياسياً».
في الوقت نفسه قررت اسرائيل تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في اخفاقات الجيش الإسرائيلي واداء بقية المؤسسات الدفاعية قبل وخلال العدوان على ان ترفع تقريرا مؤقتا خلال ثلاثة اسابيع. وسيرأس اللجنة قائد متقاعد للجيش ووزير سابق وثلاثة جنرالات متقاعدين ورئيس شركة تيفا اكبر شركات اسرائيل.
على الجانب اللبناني، قال وزير الاعلام غازي العريضي ان الحكومة اللبنانية قررت انه لن تكون سلطة لغير الدولة ولا سلاح لغير الدولة اللبنانية في مناطق انتشار الجيش في الجنوب.
وأوضح العريضي بعد ان تلا البيان الذي أعلن قرار الحكومة نشر الجيش اعتبارا من اليوم الخميس في الجنوب«لن تكون سلطة غير سلطة الدولة ولن يكون سلاح غير سلاح الدولة». وأضاف «اذا وجد سلاح» في المنطقة التي سينتشر فيها الجيش، «حتى الأخوة في حزب الله قالوا ليكن السلاح في يد الجيش». وأوضح الوزير اللبناني انه «لن يكون صدام بين الجيش والأخوة في حزب الله وان الجيش لا يذهب مكلفا بهذه المهمة».
وأكد رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أمس أن هناك حاجة إلى دولة«صاحبة قرار واحد وسلطة لا ازدواجية فيها»، مشدداً على انه لن تكون هناك مناطق «محظورة» على الجيش لدى انتشاره في الجنوب.
وقال السنيورة في كلمة بثتها محطات التلفزة اللبنانية بعد اتخاذ الحكومة قرار نشر الجيش في الجنوب، «لا يتحقق الوفاق والوحدة اللذان يكثر الحديث عنهما إلا في ظل دولة واحدة حرة مستقلة صاحبة قرار واحد وسلطة لا ازدواجية فيها».
وأضاف انه بهذه الطريقة «لا يكون من حق كل مقتدر أن يمضي بالوطن حيث يشاء ويكون على كل الفرقاء أن يسيروا من ورائه وإلا كانوا انقساميين».وتابع «نريد الدولة القوية والجيش القوي والمؤسسات القوية ولا نقبل الدخول في محاور في مشروعات إقليمية أو دولية».
وقال السنيورة إن «الدولة القوية والديمقراطية دولة القرار الحر والسيادة الكاملة دولة المواطنين (..) هي الانتصار الأكبر الذي نستطيع تحقيقه وهو يستدعي تضافر كل الجهود حتى يستقيم بناؤها قوية وراعية للبنانيين وحافظة لحقوقهم من دون تمييز».
وأكد مسؤول رفيع المستوى في الجيش ان «الجيش يجمع قواته شمال نهر الليطاني ويقوم بتحضيرات لكي يباشر بالانتشار عندما تحدد ساعة الصفر». وأضاف ان الجيش سيتسلم في «المراحل الأولية والتحضيرية بعض النقاط شمال الليطاني، لكي يعود لاحقاً للانتشار جنوب النهر» الذي يبعد في بعض الأماكن حوالى30 كيلومتراً عن الحدود مع فلسطين المحتلة.
وأعلنت الأمم المتحدة في بيان ان قائد قوة الطوارئ الدولية في لبنان (اليونيفيل) التقى ضباطاً لبنانيين وإسرائيليين بهدف التحضير للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني. وعقد قائد القوات الدولية الجنرال الفرنسي الآن بيليغريني الاجتماع الثاني خلال ثلاثة أيام مع ضباط لبنانيين وإسرائيليين كبار في مقر القوة في الناقورة.
في غضون ذلك، تتواصل في الأمم المتحدة لقاءات الخبراء العسكريين والسفراء من عدة دول بشأن تعزيز قوة «اليونيفيل» والتي تضم حالياً ألفي جندي وتحديد قواعد جديدة لعملها، فيما قال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون إن قيادة قوة الأمم المتحدة ستذهب إلى الدولة التي ترسل أكبر عدد من الجنود.
وسعت إسرائيل إلى قطع الطريق على مشاركة الدول الإسلامية في قوات الفصل بقولها «ليست كل الدول مرحب بها» طالما هي لا تقيم علاقات دبلوماسية معها.
وبينما رفضت الخارجية الإسرائيلية تأكيد هذا الموقف، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إسرائيلي كبير القول إن «بعض الدول التي تطوعت تعاونت مع حزب الله»، وبدا أن المعارضة تستهدف ماليزيا. في هذه الأجواء المشدودة، تواصل الجدل دولياً، في عواصم وعلى مستويات عدة، بشأن سلاح الحزب.
وفي تقاطع مع هذه التحضيرات، وحتى التهديدات الإسرائيلية، أعلن حزب الله رفضه الخروج من جنوب الليطاني وشدد على أن سلاحه ليس مطروحاً للنقاش، وإن رحب بنشر الجيش.
وقال النائب في الحزب حسن فضل الله ان حزب الله والمقاومة يرفضان الانسحاب من جنوب الليطاني لأن «عناصر الحزب من أبناء المنطقة وأي خروج لهم هو إفراغ لها من سكانها». واعتبر أن الأولوية الآن للإعمار ولنجدة أهل الجنوب وليس لنزع السلاح الذي قال إنه ليس ظاهراً للعيان.
وكان مسؤول الجنوب في حزب الله نبيل قاووق قال صباح أمس إن فكرة نزع سلاح الحزب «غير مطروحة على الطاولة»، خصوصاً مع استمرار القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وشدد على حق حزب الله في قتال القوات الإسرائيلية المتبقية على أرض لبنان قبل نشر الجيش وقوة الفصل الدولية المتوقع في الأسابيع المقبلة والمقدر أن تكون طليعتها بين ثلاثة آلاف و3500 عنصر، يتوقع أن تشكل قوات فرنسية عمودها الفقري.
واعتبر وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي ان تحديد وسائل نزعه هو من مهمة الحكومة اللبنانية وحض بلازي إسرائيل خلال زيارة لبيروت على رفع حصارها البحري والجوي المفروض على لبنان منذ 12 يوليو الماضي. واعتبر بعد لقاء مع زعيم الأغلبية النيابية سعد الحريري، أن ذلك مهم لعودة النشاط الاقتصادي وإعادة البناء.
وتتزامن زيارة بلازي، وهي الرابعة في غضون شهر، مع زيارة مماثلة لوزراء خارجية دول إسلامية يتوقع مشاركتها في القوة هم: التركي عبدالله غول والباكستاني خورشيد قصوري والماليزي سيد حامد البار الذي التقى الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق قبل توجهه براً إلى بيروت.
بيروت ـ علي بردى:
تل أبيب، نيويورك ـ «البيان» والوكالات:
