يبدو أنه ما زمن يمر؛ إلا وهذه الأمة تبتلي ببلاء أو محنة من الداخل أو الخارج، ولو استعرضنا تاريخ الأمة في زمنها القريب، لوجدنا أن المنطقة قد تحملت ما لم تتحمله أي منطقة أخرى في العالم: 1948 نكبة فلسطين، 1956 العدوان الثلاثي، 1967 الكارثة التي حلت بالمنطقة بضياع القدس وسيناء والجولان، 1973

حرب أكتوبر، 1974 اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، 1980 اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية التي قضت على مليوني شاب عراقي وإيراني، 1982 المجرم شارون يجتاح بيروت ويرتكب أبشع المجازر، 1983 اندلاع حرب جنوب السودان، 1990 صدام يغزو الكويت ويرتكب أكبر حماقة في تاريخ السياسة العربية، 1991 العراق يدمر من قبل قوات التحالف،

1996 مجزرة عناقيد الغضب اليهودية في (قانا)، 2000 شارون ينتهك حرمة الأقصى وتندلع الانتفاضة الثانية التي أكلت الأخضر واليابس، 2003 أميركا تغزو العراق، 2006 إسرائيل تشن حرباً مدمرة على لبنان بحجة أسر الجنديين... وهلم جرّا،

وكأن العالم قد تفرغ لتدمير وإيلام المنطقة والأمة ورمي كل كوارثه السابقة على رأس العرب، وفي كل هذه الكوارث والحروب كان الشعبان (العراقي) و(الفلسطيني) وشقيقهما (اللبناني) أصحاب الامتياز الأكبر وحصة الأسد في القتل والتدمير والذبح اليومي،

وبالرغم من المذابح اليومية التي ترتكب في غزة وبغداد؛ إلا ان أشقاء المآسي يبدو أنهم تناسوا مأساتهم الوطنية وحملوا هم لبنان في قلوبهم، وهذه طائفة من آراء (العراقيين) و(الفلسطينيين) المقيمين في أرض (زايد الخير) حول ما يدور في لبنان:

يقول حيدر الجواهري (عراقي من نسل أسرة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري): حين أفيق صباحاً على أخبار المأساة العراقية وأتذكر قول الشاعر الجواهري (حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني.. يا دجلة الخير يا أم البساتين) يتقطع قلبي لما أشاهده على شاشات التلفزة من ذبح يومي في بغداد،

وجاءت أحداث لبنان ومأساتها الإنسانية لتزيد من الألم والحزن والنكبة، بحيث أصبحتُ أتابع وبشكل شبه مرضي كل ما يجري على (أرض الأرز) والجمال لبنان الحبيب، فلبنان بالنسبة لنا ليست مجرد بلد شقيق، أو مكان للاستجمام والجمال، بل ان لبنان هو أو ضحكة طفولة بريئة يمكن أن يراها المرء، ولبنان هو الثقافة والذوق والحضارة والقلعة الأخيرة للكرامة والشرف والعزة،

وبطولات أبناء الجنوب أثبتت ذلك؛ لقد أنستني صور الأطفال المقطعة أجسادهم في قانا وفي صور وصيدا، ومع ذلك فجراح لبنان هي جراح بغداد وجراح كربلاء وجراح البصرة والموصل، وأختم بقول أحد الشهداء في التاريخ الإسلامي حين وقف يرثي شقيقه قائلاً:

قد رام يلثمه فلم يرَ موضعاً

لم يدمهِ حرّ السلاح فيلثمُ

هوّنت يا ابن أبي مصارع صفوة

والجرح يسكنهُ الذي هو أألمُ

أخي يهنيكَ النعيم ولم أخل

ترضى بأن أشقى وأنتَ مُنعم

مسلسل طويل

أما الفلسطيني محمد العريض الذي ينتمي لقضاء (سلفيت) في الضفة الغربية؛ فقد رأى أن ما يجري في (لبنان) من مجازر يومية ما هو إلا حلقة ضمن مسلسل طويل قربت فصوله على النهاية؛ بدأ باحتلال فلسطين، وكان منتصفه في احتلال العراق، أما فصله الحديث في مأساة لبنان والتي صمت عنها العالم وغض الطرف عنها، فسيؤدي إلى خاتمة لا يعلمها إلا الله،

وأضاف العريض: حين بدأت الأحداث في لبنان توقعت أن ألم فراق الأهل في فلسطين والقتل اليومي هناك؛ سيبقى مسيطراً على متابعتي اليومية للأحداث، وما أن بدأت ملامح الجريمة الصهيونية تتضح في لبنان، حتى نسيتُ كل شيء وبات ألم وجراح أطفال لبنان وأشلاؤهم المقطعة لا تفارقني في كل أوقات اليوم، ويبدو أن من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، ولبنان بالنسبة للفلسطينيين هو بلد الصمود والتحدي في زمن الخيبة.

إرهاب المدنيين

أما محمد الحكيم؛ وهو عراقي يقيم في الإمارات منذ سبعينات القرن الماضي، فقد رانت دمعة في مآقيه حين سألناه عن هم لبنان والعراق، فقال: غادرتُ العراق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وصورة ما يجري فيه من تخريب يومي وقتل لأرواح الأبرياء يقض مضجعي كل يوم، ولكن المأساة والكارثة اليومية هناك زادت في نفسي مرارة الشعور بالحزن الدائم الذي يبدو أنه لا يفارق الأمة أبداً،

وأشلاء أطفال لبنان تذكرني بأشلاء أطفال بغداد التي يستهدفها الإرهابيون كل يوم، فالإرهاب في العراق هو عينه بل هو نسخة عنه ما يجري من إرهاب على المدنيين اللبنانيين، وكأن الصورة تأتي بمسميات مختلفة كل مرة، وباعتقادي وباعتقاد أغلب العرب؛ فإن لبنان يمثل الوجه الجميل المشرق لكل ما فقدناه في تاريخنا، ولئن ضاع لبنان هذه المرة -لا قدر الله- فإنه سيكون ضياعا كاملا للأمة وضياع لأي أمل بأن تعيش المنطقة حالة سلام تسعى إليه الشعوب العربية.

شعور مشترك

ورغم ترحاله الدائم عن وطنه العراق؛ فإن ماجد منصور مدير فرع شركة فوزا في أبوظبي، يحن إلى كل ذرة تراب منه، ولكن مأساة لبنان جعلته يعيد شريط ذكريات الكارثة العراقية بصورة أخرى، حيث قال: أحمل الجنسية البريطانية وأقيم هناك منذ السبعينات، وكان أشقاؤنا اللبنانيون يشاركوننا جميع المظاهرات الاحتجاجية التي كانت تقوم بها الجالية العراقية في بريطانيا ضد نظام صدام،

وشاركنا أشقاءنا اللبنانيين جميع مآسيهم التي حدثت أيام الحرب الأهلية اللبنانية وأيام اجتياح بيروت ومجازر قانا الأولى، لأني أعتقد أن أصحاب الضمائر الحية يشتركون في الفرح والحزن والمأساة بصورة واحدة، فدماء أبناء (قانا) وبيروت والجنوب اللبناني الصامد هي دماؤنا، ولم أنسَ يوم ظهرت صور أشلاء الأطفال في الحرب الدائرة حالياً؛ لم أنسَ بكاء ورعب ولدي الصغير محمد وسؤاله عن الذنب الذي اقترفه هؤلاء الأطفال كي يقتلوا بهذه الطريقة البشعة، ولم ألقَ لسؤاله جواباً؛

إلا ان من قتلهم هو بنفس إجرام من يقتل أطفال العراق، فهؤلاء يقتلون باسم محاربة الإرهاب، وأولئك يقتلون باسم الدين ـ والدين ممن ارتكب هذه الجرائم براء ـ ولا أعتقد أن شريعة الغاب التي تحكم عالم اليوم ستؤدي إلى السلام والعراق مذبوح وفلسطين محتلة ولبنان تجري دماؤه في كل يوم.

ويختم الآراء عيسى حرز الله ابن غزة الصابرة بقوله: نعم؛ هناك قتل وإجرام يومي في غزة وكل أنحاء الأرض المحتلة، ونحن في ألم دائم كتبته الأقدار علينا كفلسطينيين، ولكن ما يجري في لبنان من ذبح وقتل للأطفال جعلني أخشى متابعة التلفاز، لأن مشاعر الحزن والغضب التي تجتاحني حين أرى تلك المجازر تفوق الوصف، وأدعو الله في كل يوم أن يزيح هذه الغمة عن أهلنا في لبنان -الذين آوونا ونصرونا حين قلّ الناصر وخذلنا العالم-

وصور أطفاله الشهداء ستبقى عالقة في ذهني إلى أبد الآبدين، وليتني أستطيع نصرتهم بأي شيء، ولا يهوّن علي ما يجري هناك من ذبح؛ إلا المقاومة البطولية الرائعة التي سطرها أبطال (حزب الله) ضد أعداء السلام وأعداء الإنسانية، وأتساءل إن كان يسمع صوتي المجتمع الدولي: لو أن مجزرة أطفال قانا وقعت في إسرائيل، فهل سيبقى العالم ساكتاً ويتفرج عليها ؟

أبوظبي ـ محمد الأنصاري