ينامون على أنغام الموت ويصبحون على خطر القصف، يعيشون تحت الملاجئ يحاصرهم الظلام من كل مكان، يسمعون صراخ الأطفال ودعاء الأمهات لا يسكتها إلا صوت الانفجارات، يتذكرون الخبز ويتمنون قطرات الماء، يعيشون على وهم يوم جديد خال من الانفجارات، التي ما تلبث تشتت أحلامهم ليعيشوا مرحلة التساؤلات: أين وقع الانفجار ومن هم ضحاياه؟ يعيشون المفاجآت، فالقصف لا يلتزم بمكان، ولا يرتبط بزمان، ولا يراعي كبارا، ولا يكترث للصغار.. تلك هي أيامهم التي عاشوها خلال الحرب قبل أن يعودوا إلى الإمارات.
تروي ليلى أم أحمد من قرية النبطية معاناتها التي استمرت لمدة 21 يوماً انتهت بنجاتها هي وأطفالها من الموت بأعجوبة . ففي أول يوم للقصف والكلام لأم أحمد ـ كنا بالنبطية عندما بدأت الحرب .. كنت وقتها نائمة أنا وأولادي وكان الوقت ساعتها عند الظهيرة.
ولم أستيقظ إلا على اتصالات أهلي وصراخ جارتي العجوز في الطابق الأرضي، فجارتي تعلمني بالنزول إلى الطابق الأرضي وأهلي من سكان الضاحية الجنوبية يطلبون مني أخذ أولادي والتوجه إليهم هناك بالضاحية، ولكنني وقتها كنت مشوشة تماما ولم أع ما يحدث، كان الأمر أشبه بالصدمة أن أصحو من النوم على كل هذه الضوضاء والتحذيرات وطفلي أحمد وزهراء نائمين..
وقتها اخترت الحل الأسهل وحمدت ربي كثيرا، مر اليوم الأول بسلام وكان القصف في محيط القرية وبدأت المعاناة منذ اليوم الثاني للحرب الذي بدأ بهدم البناية التي كنا نسكن فيها، ووفاة جيراني بالدور الثالث وهم الذين بقوا بالعمارة ولم يفروا إلى الخارج كباقي السكان..
كانوا عائلتين من فرط الدهشة والذهول والاستغراب لم يسارعوا بالهرب من مقر سكنهم، وهنا توالى القصف وبدأت البيوت والبنايات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى جراء ذلك القصف الوحشي الذي طال الأبرياء، وأنا وأولادي وجارتي المسنة نقبع في الطابق الأرضي ..
استمر بنا الأمر على هذه الحال ننتظر الفرج حتى اليوم السابع من الحرب كنا نعاني خلالها من الجوع والعطش وأصيب أطفالي بالحمى من الخوف وأنا أتصل بالصليب الأحمر وابلغهم بحالتنا وأننا بحاجة إلى أدوية للحرارة والسعال الذي تسبب فيه وقوع المبنى ورائحة القنابل وسجلوا الأدوية ولكن بدون جدوى.
عندها قررت أن اخرج من المبنى على الأقل للبحث عن أكل لأولادي فوجدت بالقرب من بنايتنا ثكنة عسكرية تابعة للجيش اللبناني وأخذت اصرخ لهم لكي يغيثوني بالطعام من أجل أولادي فأعطوني ربطة خبز وعلبة جبن وعدت فرحة وأخذت أبلل الخبز بالماء وأعطيه لأولادي بعد أن وزعته إلى حصص متساوية تكفي لعدة أيام قادمة، وظللنا على هذه الحال ونحن لا نرى الشمس، وانقطع عنا الأكل منذ اليوم العاشر للحرب، وأصبح الموت يترقبنا يوميا أذا لم يكن من جراء القصف فمن الجوع، كان الموقف صعباً جدا عليّ وأنا أرى أولادي يتضورون من الجوع والعطش.
وأنا مكتوفة اليدين لا حيلة لي ولا قوة أطفالي يصرخون ويبحثون عن الطعام والماء لا يثنيهم عن ذلك سوى صوت القصف الذي يجعلهم يفترشون الأرض ويغلقون أذانهم، وزوجي يهاتفني من الإمارات ولا يجد مني غير الصراخ وصوت التفجيرات وأولاده الذين احتارت شكواهم فتارة يشكون الجوع وأخرى يشكون الخوف، وأشعر به وهو يكلمنا ويطمئنهم إلى أنه سوف يأتي ومعه الأكل ويحميهم مما كان يطمئنهم قليلا.
وتتذكر بأسى عندما خرجوا من البيت لأول مرة: تقول لقد انتفخت عيون أولادي عندما رأوا الشمس، وفور وصولنا صاروا يأكلون بشراهة ويطلبون الماء باستمرار، وعندما يسمعون صوت محرك تقع زهراء على الأرض وتبدأ بالصراخ وتنادي أباها لينقذها، ولو ظللت أتحدث العمر كله فلن اصف لكم أكثر من لحظة ولك أن تعد كم لحظة عشناها طوال 21 يوماً هي الفترة التي عشناها نصارع الموت.
حتى قررت أخيرا أن اذهب بأولادي إلى سوريا، بهدف الانتقال إلى الإمارات بعد أن أصبحنا في عداد الموتى، لأنني لو ظللت في مكاني فسيموت أولادي من الجوع وان خرجت فالموت ينتظرني في الشارع، وبالتالي نحن موتى لا محالة فالأسلم هنا أن أخرج لعل الله يرحمنا وأستطيع إنقاذ الأطفال وفعلا خرجت وأولادي إلى المجهول تصطحبنا تلك المرأة الكبيرة في السن وبدأنا رحلة العذاب خلال الطرقات الوعرة، والجسور المكسرة وكافحنا إلى أن وصلنا إلى سوريا.
وتضيف أنا الآن أعيش بمأمن ولكنني أطالب العالم أن يقف مع أطفال لبنان لأن ما يعانونه لا يحتمله إنسان انه صعب للغاية .. لا ماء ولا أكل ولا دواء للأطفال الذين يختنقون من رائحة المتفجرات والبيوت المهدمة.
الخوف وأصوات المدافع
ويكمل زوجها عبد الله أحمد عنيسة الحديث قائلا: لقد عشت مأساة كنت مثل المجنون لا اعرف أين أتصل بمعدل كل ساعة مرة وفي كل مرة اتصل فيها اسمع صوت صراخ أطفالي إما من الخوف أو من الجوع وأنا عاجز لا حيلة لي ولا ادري ماذا أفعل خصوصا وأن إمكانياتي المادية ضعيفة.
واتصل بإخوتي والمشكلة أنهم متفرقون في مناطق عدة ولا يستطيعون الوصول إلى أولادي كي أطمئن عليهم، لأن القصف طال كل الطرقات بين البلدات وبالتالي كانت عملية التنقل شبه مستحيلة، فتوجهت إلى الجوازات ولقيت منهم كل ترحاب ومساعدة واستخرجت لهم أذون الدخول وأرسلتها لصديق لي في سوريا لكي يوفر لهم التذاكر فور وصولهم.
ويكرر لقد كان الأمر صعبا جدا، ولم أكن أتخيل أنني سأراهم.. كنت في كل ساعة اتصل بهم أفقد الأمل في سماع صوتهم في الساعة التالية. ويضيف عنيسة وعندما وصلوا ورأيت زهراء وأحمد وزوجتي شعرت كأنني ولدت من جديد وأشكر الله أنني تمكنت من رؤيتهم، كما هو الحال في لبنان وبالنسبة لكثير من الآباء أعرفهم فقدوا أطفالهم.
ويضيف قبل أن ألقاكم بدقائق كنت أحدث صديقاً لي هناك فقد رجله وفقد أمه وأباه ووضعه سييء للغاية، الأمر محزن، أنا لا أخفيكم لقد وصل أولادي وزوجتي وهدأت قليلا ولكن مهما يكون مازال هناك أبي وأمي وإخوتي وأصدقاء عمري فكيف لي أن اهدأ أو يهنأ لي عيش وبلدي تدمر بهذا الشكل الهمجي. ويضيف هم يعتقدون إنهم بقتل أطفالنا ونسائنا وتدمير بيوتنا سيضعفوننا لكن والله انهم زادونا قوة والتفافاً وعزيمة ونتمنى أن ينصر الله الشباب والمقاومة.
أما أحمد وزهراء فلا يعرفان غير كلمة طيران والموت والدم برغم صغر سنهما فأحمد يبلغ من العمر 6 سنوات بينما تبلغ زهراء 4 سنوات.
زادتنا الحرب قوة
أما حسن إسماعيل «زوطر» الجنوب الذي استقبل أولاده في اليوم السابع من الحرب فيقول لقد عشت أياما صعبة لم أذق فيها طعم النوم أتابع الأخبار لحظة بلحظة ويدي على التليفون، كانت أعصابي متوترة ويعود فيقول كان الناس يتوقعون الحرب وكلنا نتوقع الحرب وخصوصا أهل قريتي التي تقع على خطوط المواجهة لأننا على ضفاف نهر الليطاني.
وعشنا من قبل مثل هذه الأجواء من قبل ونعرف طبيعة عدونا الجبان ولم نخشه في يوم لأننا على علم تام كم هو جبان كنا نراهم في الجانب الأخر من النهر وهم يتحصنون في مواقع عسكرية صنعت من الترسانة القوية جدا وبرغم ذلك يخافون من الشباب، لذا الأمر ليس بغريب علينا ولا التفجيرات ولا القنابل ولكن ليس هذا إلا الحد الذي وصلت إليه هذه المرة من تخريب للطرقات وهدم البنية التحتية للبلد بل وهدم بلد بأكمله وقتل للأطفال والنساء والعزل.
نعم نحن على يقين أنها دولة توسعية عدوانية ويمكن أن تعمل أكثر مما يعيشه لبنان حاليا ولكن مازلنا نقول إلا الأبرياء والأطفال، والمشكلة تكمن في أن الجنوب لا توجد فيه أي تجهيزات لهذا النوع من الحروب لذا تجد عندما يبدأ القصف يتجه أفراد العائلة من الأخوان وأبناء العمومة إلى إحدى الغرف بالأدوار الأرضية وهذا هو السبب في حدوث المجازر، فعندما يقصف بيت يكون هناك ضحايا كثر، لأنهم يتجمعون في مكان واحد.
هم يعتقدون أنهم بتخريب بيوتنا وقتل أطفالنا يضعفوننا، في حين أن العكس هو الصحيح حيث أن أهل الجنوب متمسكون بأرضهم حتى الموت لذا تجد الجنوبي وأن كان له بيت ببيروت أو بأي مكان بالعالم لابد وأن يكون له بيت بالجنوب، ثم إن من يحاربون هناك هم أبناء الضيعات والقرى، لذا تجدهم يقاتلون بشراسة لأنهم يدافعون عن أبنائهم وعرضهم وبيوتهم.
هم يعتقدون أننا ضعفنا ودون أن يدركوا أننا زدنا تماسكا وقوة وحباً للأرض وللمقاومة التي يشارك فيها كل أهل لبنان بل والعرب جميعهم لأن الكل يقاوم وما جمع التبرعات إلا مقاومة، فكل من يملك ولو حتى إحساس بالتعاطف، والألم لم يحدث في لبنان ولأهل لبنان يعد مقاوماً.
هذا ما جعل المقاومة تصمد وتستمر، وتلحق بالعدو هزيمة نكراء، وهذا واضح تماما على أرض الواقع، فإسرائيل التي تتقدم بخطوات واسعة، معتمدة على ترسانتها العسكرية القوية وجيشها النظامي المدرب لم تستطع التقدم في جنوب لبنان، وهذا نصر من الله.
ونتمنى أن تتكاتف الشعوب العربية لتقديم أكبر ما يمكن من المساعدات لشعب لبنان وأطفال لبنان الذين يحتاجون الآن وفي هذه الظروف لكل ما يتخيله المرء ويعينه على الاستمرار في الحياة.
خيار صعب
تتحدث أم يوسف زوجة حسن إسماعيل التي ما أن بدأت الكلام حتى انهمرت دموعها فهي على حد تعبيرها وقعت بين خيارين أحلاهما مر وتصف معاناتها قائلة انها صعبة جدا لا يحتملها قلب أم، حائرة في أمرها لا تدري هل تبحث عن الأمن لفلذات كبدها أم تسعى للاطمئنان على أبويها وإخوتها، انها معادلة صعبة كانت الغلبة فيها لأولادها، وبدت المعاناة منذ أول يوم صار فيه القصف. تقول: أخذت أولادي وتوجهت إلى بيت أهل زوجي، الذي تجمع فيه كل أفراد العائلة.
أكثر ما عانيته في تلك الفترة التي أتمنى أن تزول وأن ينعم أطفال لبنان بالسلام تمثلت في خوف أولادي الصغار وخصوصا يارا التي امتنعت عن الأكل والشرب لمدة يومين لأنها لم تتعود على مثل هذه الأجواء وأصوات القنابل مما اضطرني لمغادرة المنطقة إلى منطقة أخرى تسمى سبلين، أنا وعائلة زوجي بأكملها وفور وصولنا إلى هناك لقينا معاملة حميمة من أهالي المنطقة وخصوصا بلدية سبلين الذين سعوا لتوفير احتياجاتنا حتى أنهم خصصوا لنا بيتا لنسكن فيه.
كان الخروج من المنطقة صعباً جدا، بسبب قصف الطرقات والسيارات مما اضطرنا إلى اللجوء إلى الطرقات الجانبية وبدلا من الوصول خلال نصف ساعة، استغرقنا قرابة 3 ساعات ونصف للوصول إلى هناك، كل هذا وزوجي يتابع تحركاتنا بالتلفون من الإمارات، وفي نفس الوقت يتصل بأهلي الذين يسكنون في قرية أخرى ويطمئنهم علي أنا وأولادي ويعود ويتصل بي ليطمئنني عليهم فكان أشبه بحلقة وصل بيني أنا وأهلي.
وعندما وصلنا إلى سبلين بدأ زوجي يرتب لنا عملية الانتقال إلى سوريا ومنها العودة إلى الإمارات وكان الأمر غاية في الصعوبة لان الخروج والمرور عبر الطرقات أشبة بمغامرة لا يقوى عليها إلا من لا يملك الخيارات فإن ظللنا في مكاننا خفت على أولادي من الخوف والحالة النفسية التي اصابتهم، فكلما سمعوا أصوات الطيران أرى الذعر والهلع في عيون محمد ويارا ويبدأ عندها محمد ينادي طيران ..طيران بمعنى أنهم سيقصفوننا.
لذا بات من الضروري أن نفكر بالهروب من قرية سبلين في اتجاه الحدود السورية، وخرجنا وكانت المعاناة تتمثل في القصف على الطريق لقد رأينا حافلات نقل تقصف وسيارات على الطريق قصفت حتى وصلنا إلى سوريا وأراد الله لنا النجاة. فور وصولنا إلى سوريا فرحت بنجاة أولادي بالدرجة الأولى ولكن في قلبي حرقة لا تنطفيء، فبالداخل أبي وأمي وأخوتي وأهلي ينتظرون الفرج من الله.
وتضيف سناء أنا أدعو كل أم في العالم وكل أب في العالم لديه القدرة على التأثير وعمل شيء لأهل لبنان أن لا يدخر وسعا في تقديمه، فالمعاناة صعبة والألم كبير والأطفال تذبح والنساء تقتل والشباب يبذلون أراوحهم رخيصة من أجل أرض لبنان من أجل العروبة والإسلام.
وفي الوقت الذي تتقطع فيه قلوب الأمهات ذعرا على فلذات أكبادهن تتخلف المشاعر عند الأبناء فمنهم الخائف ومنهم القلق ومنهم المصدوم الذي لا يعي ما يحدث ولا يسمع غير الموت، وبرغم ذلك يقول يوسف حسن 15 سنة كنت أود البقاء بلبنان ولكن أمي رفضت وأقنعتني بضرورة المغادرة.
ويتذكر عندما بدأت الحرب قائلا عندما كان يبدأ الضرب كنا نصعد إلى سطح بيت جدي لنشاهد تفجير القنابل ولكن في الأيام التالية عندما اشتد الضرب صرنا ننزل إلى الطابق الأرضي وخصوصا عندما يرمون علينا القنابل العنقودية وقتها كانت الانفجارات قوية فأصبحت أخاف منها وكنا في حيرة من أمرنا لأننا لا نعلم أين وقعت ولا من أصابت، كان عددنا قرابة 25 شخصاً نتجمع في الليل في بيت جدي وعندما يطلع النهار نخرج لنرى من قتل في ليل الأمس.
طيران ... طيران
ويقاطعه محمد حسن 7 سنوات ويعبر عن مشاعر مختلفة فهو يريد أن يصبح دكتوراً ليعالج أطفال لبنان ويحب السيد نصر الله لأنه يقتل اليهود ويدافع عن الأطفال ثم يعود ويتذكر الطيران ويقول طيران .. طيران وكأنه ينتظر سماع الانفجارات التي تعقب وصول الطائرات.
يومان بلا أكل ولا ماء
وتصف يارا حسن الحرب فتقول في البداية كانوا يقصفون أطراف البلدة وعندما اشتد الضرب لم أستطع النوم أو الأكل والشرب.. كنت خائفة جدا .. فأبي بالإمارات وأنا أشعر أنني وحيدة واتصل به فأخبره أنني خائفة ويطمئنني ولكنه بعيد ونحن جالسون في المطبخ نحتمي من القنابل .. كنت أدعو الله أن يأتي أبي وأن يوقف القصف، أنا أكره اليهود وأتمنى أن يموت اليهود كلهم لأنهم يقتلون أطفال لبنان، أنا أخاف من البندقية ولكني أستطيع أن أمسكها واقتل اليهود.
أتمنى الموت لكل اليهود
وتقاطعها ياسمين حسن ـ 12 سنة ـ قائلة لقد كنا فرحين بالذهاب إلى لبنان لزيارة جدي وجدتي وأهلي هناك وجيراننا واللعب معهم ولكن الحرب أتت ولم تكتمل فرحتنا، وأتذكر عندما وصلنا إلى سبلين وأعطونا بيتاً هناك وأتذكر أننا فور وصولنا دمر اليهود جسراً كبيراً هناك غير الجسور المدمرة التي رأيناها بالطريق، وأتذكر جدتي التي رفضت الخروج من ضيعتنا لأنها تحبها ولكن جدي ونحن أقنعناها بالخروج، وأتذكر عمتي التي أنجبت طفلة صغيرة في أول يوم للقصف وكانت خائفة عليها كثيرا. وتضيف ياسمين أتمنى يموت كل اليهود وينتصر المقاومون، وأنا أحب نصر الله لأنه مستعد لأن يضحي بعمره لينصر المسلمين ويدمر اليهود.
صراع مع الموت
ويروي إبراهيم علي زيون «قرية معركة ـ قضاء صور» تفاصيل إجازته التي كانت لمدة شهرين قضى منها شهراً واحداً بلبنان هو وزوجته وطفلاه وعاد إلى الإمارات بعد 21 يوماً من الحرب قائلا بدأنا الشهر الأول من الإجازة وكان مخصصاً للزيارات مع الأهل والأخوان والأصدقاء ولكن الحرب بدأت وكنا نتوقع أن تكون ردة فعل لعملية قامت بها المقاومة وذلك كان يتكرر دائما ويستمر ليومين وينتهي الأمر عند هذا الحد ولكنها في هذه المرة كانت مختلفة تماما، لقد كان القصف يتم بشراسة ووحشية وبشكل يومي بل كان على مدار الساعة في الأيام الأخيرة، ونحن تحت القصف ونيران الطائرات المستمرة.
في البداية نزح بعض أهالي البلدة، وعندما أشتد الأمر قررت أن أعود أنا وأولادي إلى الإمارات وكانت رحلة الخروج شاقة وخطرة خصوصا وأن اليهود يضربون السيارات المدنية، مما جعلنا نسلك طرقا ترابية وعرة، وصولا إلى منطقة الزهراني، على حدود صيدا، ومنها انطلقنا إلى صوفر ثم زحلة ثم إلى الشام وطوال الطريق لك أن تتخيل نفسك وأنت تتفادى الصواريخ وتعاني من الطرق الوعرة وعندما تصل إلى منطقة تفاجئ بأن الطريق مغلق، وتعود لتبحث عن ممر آخر.
استمرينا على هذا الحال لمدة يوم كامل حتى وصلنا إلى الحدود السورية وهناك لقينا الترحاب من الإخوان في سوريا وشعرنا وقتها بالأمان، وخلال هذه الرحلة الشاقة كان اللبنانيون بالداخل يقدمون كل العون والمساعدة، للنازحين بل إنهم يتبرعون ببيوتهم، وقد كانت بعض البلديات تخصص مكاتب لمساعدة النازحين وتجد أهل البلدة يذهبون إلى هذه المكاتب ليطلعوا على احتياجات الآخرين ويوفرونها في حال استطاعوا.
ويعبر إبراهيم عن أمنيته بان يعود لبنان كما كان «لبنان الحياة.. لبنان الحب.. لبنان الأخضر» وأن ينعم أهله بالسلام والأمان، وأن يسعى العالم لنجدة اللبنانيين في هذه المحنة، لأنهم يطلبون السلام ولا شي غير السلام، في الوقت الذي يتعرضون فيه لجرائم إبادة وحشية من كيان لا يعرف الرحمة ولا يعرف معنى الطفولة ولا الإنسانية.
أودع أولادي يومياً.
وتروي ليلي عيد زوجة إبراهيم كيف كانت تعتقد أنها لن تعيش حتى اليوم الثاني قائلة كنا ننام لمدة ساعتين فقط يوميا وفي بعض الأيام عندما يشتد القصف كنا لا نذوق طعم النوم، وخلال 21 يوماً من الحرب وأنا أنظر إلى أطفالي واعتقد أنني سأموت واعمل على توصية أهلي بأن يرعوا أولادي وخصوصا عندما نشاهد التلفزيون الذي كان يفتح لمدة ساعة يوميا فقط، فالكهرباء قطعت عنا منذ اليوم الأول للحرب.
فعمدنا إلى استخدام مولد كهربائي يشتغل لمدة ساعة واحدة بالنهار فقط لمشاهدة الأخبار على التلفاز فقط، ونسمع الأخبار بقية اليوم من الراديو، وتضيف لقد عشت حروباً سابقة الأولى في بداية التسعينات والثاني في منتصف التسعينات ولم أكن أخاف لأنني لست أماً ولكن هذه المرة أصبحت أماً وبت أخاف على أولادي كثيرا.
كنت أعتقد أنه لن يأتي علينا يوم آخر، لان القصف لا مكان محدد له، ونسمع عن أناس كثر قتلوا من الأطفال والنساء مما جعلني أعيش حالة هستيرية، مترقبة الموت مع كل قذيفة أو قنبلة، تنفجر ويكون الرد صراخ الأطفال. وتضيف ليلى كنا نعاني من شح الأكل لأن قريتنا والقرى المجاورة تعتمد على مخبز واحد يزودها بالخبز وعند قطع الطرقات أصبحنا نعاني من الجوع، كذلك الأدوية التي يحتاجها الأطفال وخصوصا ما يخص السعال والحمى التي انتشرت هناك فالسعال كان من روائح النيران والتفجيرات والحمى من الخوف.
أضف إلى ذلك أنهم قاموا بقصف مصنع للمواد البلاستيكية وهذا بدوره سبب التهابات في الصدر لغالبية أهل المنطقة.. إن المعاناة صعبة والحدث اليم، واللبنانيون صامدون، لان لا ملاذ لهم، وأتمنى أن يهب العالم لمساعدتهم ووقف هذه الحرب المدمرة التي تغتال الأبرياء بالدرجة الأولى.
العين ـ سليم المستكا
