يكره الإسلام الغش، ويبرأ من الغاش في كل معاملة مادية أو معنوية، والغاش الذي يتبرأ الإسلام منه هو كل من ألبس الباطل ثوب الحق، وحسن غير الحسن، وزين غير المصلحة، وفي الحديث الشريف «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار» رواه الطبراني في الكبير والصغير.

وفي هذا المقال نستعرض بعض صور الغش والخداع ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.

الصورة الأولى من صور الغش والخداع: تتعلق بباب البيع والشراء، وهو باب يكثر فيه الغش والخداع بصورة ملحوظة، تارة بالثناء على السلعة بما ليس فيها، وتارة بكتمان عيوبها، وتارة بنقص وزنها، وتارة أخرى بالإيهام برخص ثمنها.

والحق أن هذه الأساليب الملتوية لا يلجأ إليها إلا ضعفاء الإيمان ظنا منهم أنها هي التي ستحقق لهم المكاسب والأرباح، والحقيقة أنها توردهم موارد الهلاك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام «الطعام المجتمع كالكومة» فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال «ما هذا يا صاحب الطعام»؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله «نزل عليه المطر» قال: «أفلا جعلته فوق الطعام» كي يراه الناس من غشَّ فليس منَّي» رواه مسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى له، وإن لم يعطه منها لم يف».

وفي رواية نحوه وقال «ورجل حلف على سلعته لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله له: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» رواه البخاري ومسلم.

وفي الوقت الذي حذر فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أساليب الغش والخداع في البيع والشراء رغب في التزام الصدق والأمانة والنصيحة، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى ان يربحا ربحا، ويمحقا بركة بيعهما، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب» رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» رواه الترمذي.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذمرا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» رواه البيهقي في شعب الإيمان.

وعندما باع النبي صلى الله عليه وسلم واشترى ضرب أروع المثل في صدق المعاملة، فعن السائب قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا يثنون علي ويذكروني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أعلمكم» يعنى به، قلت: صدقت بأبي أنت وأمي، كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري .رواه أبو داود. أي لا تخفي ولا تجادل.

وجاء في مكاتبته صلى الله عليه وسلم للعداء بن خالد «هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد، بيع المسلم المسلم، لا داء، ولا خبثة، ولا غائلة» رواه البخاري.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «بيع المسلم المسلم» فيه إشارة رائعة إلى أن المسلم ليس من شأنه الخديعة، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا داء ولا خبثة ولا غائلة» فيه إشارة إلى ان البائع لا يحل له أن يكتم داء في السلعة أو أن يحتال بحيلة يغتال بها المال.

والخلاصة ان الصدق والأمانة من أكبر العوامل التي تجلب الثقة والبركة في البيع والشراء، وأن الغش والخداع من أكبر العوامل التي تهدر الثقة وتمحق البركة وتؤذن بخراب العمران، ومن أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والوزن: «إنكم قد وليتهم أمراً فيه هَلَكت الأمم السالفة قبلكم» رواه الترمذي.

والصورة الثانية من صور الغش والخداع: تتعلق ببيت الزوجية، وبيت الزوجية أجل وأشرف من أن يبنى على الغش والخداع، وإذا كان الإسلام قد حرم كتمان العيوب في السلع فكيف بكتمان العيوب في النكاح؟ إن كتمان العيوب في النكاح سواء كانت شكلية أو جوهرية يعد تدليساً وعدوانا على حق الطرف الآخر في أن يظفر بالشريك الذي يملأ نفسه، ويشبع عواطفه، ويرضي أحاسيسه ومشاعره.

ومن أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية بن أبي سفيان أو أبي جهم: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (أي أنه كثير الأسفار أو كثير الضرب للنساء) وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» رواه مسلم.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : «أيما امرأة غُرِّ بها رَجل، بها جنون، أو جذام، أو برص، فلها المهر بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غره» رواه مالك في الموطأ وعبدالرزاق في مصنفه.

والله ولي التوفيق.

د. قطب عبدالحميد قطب